ش المراجعة 73 رقم : 13 صفر سنة 1330 طلب التفصيل في سبب الإعراض عن حديثها إنك ممن لا يدالس ( 1 ) ، ولا يوالس ( 2 ) ولا يدامج ( 3 ) ولا يحدج ( 4 ) بسوء ، في نجوة ( 5 ) من التبعات ( 6 ) ، ومنتزح من التهم ، وأنا والحمد لله ممن لا يندد ، ولا يبحث عن عثرة ، ولا يتتبع عورة ، والحق ضالتي التي أنشدها ، فسؤالي إياك عن التفصيل مما لا يسعني تركه وإجابتك إياي إلى البيان مما لا بد منه . فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وأبشر وقر بذاك منك عيونا ووسيلتي إليك في ذلك ، إنما هي آية الذكر الحكيم * ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) * ، والسلام . المراجعة 74 رقم : 15 صفر سنة 1330 1 – تفصيل الأسباب في الإعراض عن حديثها 2 – العقل يحكم بالوصية 3 – دعواها بأن النبي قضى وهو في صدرها معارضة 1 – أبيت – أيدك الله – إلا التفصيل ، حتى اضطررتني إليه ، وأنت عنه في غنية تامة لعلمك بأنا من هاهنا أتينا وإن هنا مصرع الوصية ، ومصارع النصوص الجلية ، وهنا مهالك الخمس والإرث والنحلة ، وهاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ( 1 ) ( 775 ) ، حيث جابت في حرب أمير المؤمنين الأمصار ، وقادت في انتزاع ملكه وإلغاء دولته ذلك العسكر الجرار . وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر فالاحتجاج على نفي الوصية إلى علي بقولها – وهي من ألد خصومه – مصادرة لا تنتظر من منصف ، وما يوم علي منها بواحد ، وهل إنكار الوصية ألا دون يوم الجمل الأصغر ( 2 ) ، ويوم الجمل الأكبر ( 776 ) ، اللذين ظهر بهما المضمر ، وبرز بهما المستتر ، ومثل بهما شأنها من قبل خروجها على وليها ، ووصي نبيها ، ومن بعد خروجها عليه إلى أن بلغها موته ، فسجدت لله شكرا ، ثم أنشدت ( 3 ) : فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر ( 777 ) وإن شئت ضربت لك من حديثها مثلا يريك أنها كانت في أبعد الغايات ، قالت ( 1 ) : ” لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله ، واشتد به وجعه ، خرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض ، بين عباس بن عبد المطلب ورجل آخر ، قال المحدث عنها – وهو عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود – فأخبرت عبد الله بن عباس عما قالت عائشة ، فقال لي ابن عباس : هل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة ؟ قال : قلت : لا . قال ابن عباس : هو علي بن أبي طالب ، ثم قال ( 2 ) : إن عائشة لا تطيب له نفسا بخير ا ه . ” ( 778 ) قلت : إذا كانت لا تطيب له نفسا بخير ، ولا تطيق ذكره فيمن مشى معه النبي صلى الله عليه وآله خطوة ، فكيف تطيب له نفسا بذكر الوصية ، وفيها الخير كله ؟ وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة في ص 113 من الجزء السادس من مسنده عن عطاء بن يسار ، قال : ” جاء رجل فوقع في علي وفي عمار عند عائشة ، فقالت : أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا ، وأما عمار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ، يقول فيه : لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما ” ا ه . ( 779 ) . وي وي ، تحذر أم المؤمنين من الوقيعة بعمار لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما ، ولا تحذر من الوقيعة في علي وهو أخو النبي ووليه ، وهارونه ونجيه ، وأقضى أمته ، وباب مدينته ، ومن يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، أول الناس إسلاما ، وأقدمهم إيمانا ، وأكثرهم علما ، وأوفرهم مناقب ، وي ، كأنها لا تعرف منزلته من الله عز وجل ، ومكانته من قلب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومقامه في الاسلام وعظيم عنائه ، وحسن بلائه ، وكأنها لم تسمع في حقه من كتاب الله وسنة نبيه شيئا يجعله في مصاف عمار ، ولقد حار فكري والله في قولها : ” لقد رأيت النبي وإني لمسندته إلى صدري ، فدعا بالطست ، فانخنث فمات ، فما شعرت فكيف أوصى إلى علي ” وما أدري في أي نواحي كلامها هذا أتكلم ، وهو محل البحث من نواحي شتى ، وليت أحدا يدري كيف يكون موته – بأبي وأمي – وهو على الحال التي وصفتها دليلا على أنه لم يوص ، فهل كان من رأيها أن الوصية لا تصح إلا عند الموت ، كلا ، ولكن حجة من يكابر الحقيقة داحضة كائنا من كان ، وقد قال الله عز وجل مخاطبا لنبيه الكريم ، في محكم كتابه الحكيم : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ) فهل كانت أم المؤمنين تراه صلى الله عليه وآله ، لكتاب الله مخالفا ؟ وعن أحكامه صادفا ؟ معاذ الله وحاشا لله ، بل كانت تراه يقتفي أثره ، ويتبع سوره ، سباقا إلى التعبد بأوامره ونواهيه ، بالغا كل غاية من غايات التعبد بجميع ما فيه ، ولا أشك في أنها سمعته يقول ( 1 ) : ” ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده “ ( 780 ) ا ه . أو سمعت نحوا من هذا ، فإن أوامره الشديدة بالوصية مما لا ريب في صدوره منه ، ولا يجوز عليه ولا على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، أن يأمروا بالشئ ، ثم لا يأتمرون به ، أو يزجروا عن الشئ ، ثم لا ينزجرون عنه ، تعالى الله عن إرسال من هذا شأنه علوا كبيرا . أما ما رواه مسلم وغيره عن عائشة إذ قالت : ما ترك رسول الله دينارا ولا درهما ، ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشئ ، فإنما هو كسابقه ، على أنه يصح أن يكون مرادها أنه ما ترك شيئا على التحقيق ، وأنه إنما كان صفرا من كل شئ يوصي به ، نعم لم يترك من حطام الدنيا ما يتركه أهلها ، إذ كان أزهد العالمين فيها ، وقد لحق بربه عز وجل وهو مشغول الذمة بدين ( 1 ) ( 781 ) وعدات ، وعنده أمانات تستوجب الوصية ، وترك مما يملكه شيئا يقوم بوفاء دينه ، وإنجاز عداته ويفضل عنهما شئ يسير لوارثه ، بدليل ما صح من مطالبة الزهراء بإرثها ( 2 ) عليها السلام ( 782 ) . 2 – على أن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قد ترك من الأشياء المستوجبة للوصية ما لم يتركه أحد من العالمين ، وحسبك أنه ترك دين الله القويم في بدء فطرته وأول نشأته ، ولهو أحوج إلى الوصي من الذهب والفضة ، والدار والعقار ، والحرث والأنعام ، وأن الأمة بأسرها ليتاماه وأياماه ، المضطرون إلى وصيه ليقوم مقامه في ولاية أمورهم ، وإدارة شؤونهم الدينية والدنيوية ويستحل على رسول الله صلى الله عليه وآله ، أن يوكل دين الله – وهو في مهد نشأته – إلى الأهواء ، أو يتكل في حفظ شرائعه على الآراء ، من غير وصي يعهد بشؤون الدين والدنيا إليه ، ونائب عنه يعتمد – في النيابة العامة – عليه ، وحاشاه أن يترك يتاماه – وهم أهل الأرض في الطول والعرض – كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ليس لها من يرعاها حق رعايتها ، ومعاذ الله أن يترك الوصية بعد أن أوحي بها إليه ، فأمر أمته بها وضيق عليهم فيها . فالعقل لا يصغي إلى إنكار الوصية مهما كان منكرها جليلا ، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلى علي في مبدأ الدعوة الاسلامية ، قبل ظهورها في مكة حين أنزل الله سبحانه ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) كما بيناه – في المراجعة 20 – ولم يزل بعد ذلك يكرر وصيته إليه ، ويؤكدها المرة بعد المرة بعهوده التي أشرنا فيما سبق من هذا الكتاب إلى كثير منها ، حتى أراد وهو محتضر – بأبي وأمي – أن يكتب وصيته إلى علي تأكيدا لعهوده اللفظية إليه ، وتوثيقا لعرى نصوصه القولية عليه ، فقال صلى الله عليه وآله : ” ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي . تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله ( 1 ) ( 783 ) . ا ؟ . ” وعندها علم ( ص ) أنه لم يبق – بعد كلمتهم هذه – أثر لذلك الكتاب إلا الفتنة ، فقال لهم : قوموا واكتفى بعهوده اللفظية ، ومع ذلك فقد أوصاهم عند موته بوصايا ثلاث : أن يولوا عليهم عليا ، وأن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزه ، لكن السلطة والسياسة يومئذ ما أباحتا للمحدثين أن يحدثوا بوصيته الأولى ، فزعموا أنهم نسوها . قال البخاري في آخر الحديث المشتمل على قولهم هجر رسول الله ( 1 ) ما هذا لفظه : ” وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه – ثم قال – ونسيت الثالثة وكذلك قال مسلم في صحيحه ، وسائر أصحاب السنن والمسانيد ( 784 ) . 3 – أما دعوى أم المؤمنين بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لحق بربه تعالى وهو في صدرها فمعارضة بما ثبت من لحوقه صلى الله عليه وآله وسلم ، بالرفيق الأعلى وهو في صدر أخيه ووليه ، علي بن أبي طالب ، بحكم الصحاح المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة ( 785 ) ، وحكم غيرها من صحاح أهل السنة كما يعلمه المتتبعون ، والسلام .