في نبذة من حقوقه علينا ومراحمه إلينا ( عليه السلام )
في نبذة من حقوقه علينا ومراحمه إلينا وهي كثيرة ، جليلة ، لا أكاد أحصيها ، ولا أستطيع الغوص فيها . فمثلها البحر الزاخر واليم المائر ، غير أني أغترف منه غرفة ، وأبتغي بذلك القربة ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب .
فمنها حق الوجود فإنه السبب في وجودك وكل موجود ، ولولاه ما خلقت أنت ولا غيرك ، بل لولاه ما خلقت أرض ولا فلك ، لولاه لم يقترن بالأول الثاني .
– ويدل على ذلك قوله في التوقيع الشريف المروي في الاحتجاج ( 1 ) : ونحن صنائع ربنا ، والخلق بعد صنائعنا ، الخ ، ومعنى هذا الكلام يجري على وجهين : أحدهما ما ذكر صلوات الله عليه في توقيع آخر .
– روى في الاحتجاج ( 2 ) أنه اختلف جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة أن يخلقوا ويرزقوا ، فقال قوم هذا محال لا يجوز على الله لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل ، وقال آخرون : بل الله عز وجل أقدر الأئمة على ذلك وفوض إليهم فخلقوا ، ورزقوا ، وتنازعوا في ذلك تنازعا شديدا فقال قائل ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألونه عن ذلك ، ليوضح لكم الحق فيه ، فإنه الطريق إلى صاحب الأمر ، فرضيت الجماعة بأبي جعفر ، وسلمت وأجابت إلى قوله ، فكتبوا المسألة ، وأنفذوها إليه ، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته : إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام ، وقسم الأرزاق ، لأنه ليس بجسم ، ولا حال في جسم ، ليس كمثله شئ ، وهو السميع البصير ، فأما الأئمة عليهم السلام فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ويسألونه فيرزق ، إيجابا لمسألتهم وإعظاما لحقهم . انتهى .
وحاصل هذا الوجه أنه وآبائه عليهم السلام هم الوسائط في إيصال الفيوضات الإلهية إلى سائر المخلوقات وإليه أشير في دعاء الندبة : ” أين السبب المتصل بين أهل الأرض والسماء ” ونسبة الفعل إلى السبب والواسطة كثيرة جدا في العرف واللغة .
والوجه الثاني : أنه المقصود الأصلي والغرض الحقيقي من خلق جميع ما أنشأه الباري تعالى شأنه ، وكذا آباؤه الطاهرون عليهم السلام فهم العلة الغائية وخلق ما سواهم لأجلهم . ويؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : نحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائع لنا . والأحاديث الدالة عليه متظافرة .