الرئيسية / اخبار اسلامية / أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 12
0a6fea62-4522-4d60-a52d-bd1f4b263da3

أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 12

قد تخلَّل بعض المباحث الكلاميّة أو الفقهيّة في الأثناء ، وهو خارج عن مقصد الرسالة الباحثة عن سرّ الصلاة ، والغرض : أنّ النيّة بمعنى قصد القربة : روح العمل وقلبه ، وأفضل من العمل ؛ لأنّ حياته بها ، كما يستفاد ممّا رواه الكلينيّ – رحمه اللَّه – بإسناده ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي عبد اللَّه – عليه السّلام – في قول اللَّه عزّ وجلّ * ( « لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » ) * قال : ليس يعني : أكثركم عملا ، ولكن

أصوبكم عملا ، وإنّما الإصابة خشية اللَّه عزّ وجلّ ، والنيّة الصادقة والحسنة ، ثمّ قال : الإبقاء على العمل حتّى يخلص أشدّ من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلَّا اللَّه عزّ وجلّ ، والنيّة أفضل ، ألا وإنّ النيّة هي العمل ، ثمّ تلا قوله تعالى * ( « كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ِ » ) * يعني : على نيّته « 1 » . ومن هنا يظهر الجمع بين الأصل الحاكم بأنّ : « أفضل الأعمال أحمزها » « 2 » ، وبين الأصل الحاكم بأنّ : « نيّة المؤمن خير من عمله » ؛ لأنّ النيّة حيث كانت روح العمل ولبّه ومغزاه كانت أفضل منه ، كما أنّها لا بدّ وأن تكون خالصة ، إذ الرياء المتمشّي في العمل لا يتطرّق إليه إلَّا من طريق النيّة فحسب ، وتحصيل الإخلاص في النيّة أحمز وأصعب ، لذا تكون أفضل من العمل .

وأمّا سرّ كون نيّة الكافر شرّا من عمله فلأنّ النيّة هي الأصل كما مرّ ، والأصل الذي به يتقوّم الفرع وعليه يتّكئ الغصن ، وإليه يرجع ما عداه أهمّ ، سواء في طرف الخير أو الشرّ .

والنيّة لمّا كانت أمرا قلبيّا لا يطَّلع الناس عليها لا يتطرّق إليها الرياء والسمعة ونحو ذلك ؛ لخروجها عن مرأى الناس ومسمعهم ، والعمل لكونه مرئيّا أو مسموعا قابل لأن يتسرّب إليه الرياء ، ولذا قد علَّل في العلل حسبما رواه زيد الشحّام ، عن أبي عبد اللَّه – عليه السّلام – كون « نيّة المؤمن خير من عمله » « 3 » بذلك ، ولكنّ التأمّل فيما تقدّم يوضّح المراد ، إذ الرياء لا يسري إلى العمل إلَّا من طريق النيّة ، وهي – أي :

النيّة – لمّا كانت مستورة عن أعين الناس وإسماعهم تنزّل بلباس العمل وتكتسيه ، حتّى تصير مرئيّة أو مسموعة .
ولمّا كان العقل العمليّ – بما له من الشؤون والآثار : كالإرادة والإخلاص ونحو ذلك – نور يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان فإذا كان ذلك النور مضيئا بلا انطفاء ولا انخساف حصل الإيمان والإخلاص ، وإذا كان منخسفا بطوع الهوى حصل

الكفر أو الرياء ، كما يستفاد ممّا رواه الكليني رحمه اللَّه ، عن أبي عبد اللَّه – عليه السّلام – أنّه قال : ليس بين الإيمان والكفر إلَّا قلَّة العقل ، قيل : وكيف ذاك يا ابن رسول اللَّه ؟ قال عليه السّلام : إنّ العبد يرفع رغبته إلى مخلوق فلو أخلص نيّته للَّه لآتاه اللَّه الذي يريد في أسرع من ذلك « 1 » .

وقريب منه ما رواه البرقيّ ، عن أبي جعفر – عليه السّلام – أنّه قال : ما بين الحقّ والباطل إلَّا قلَّة العقل ، قيل : وكيف ذلك يا ابن رسول اللَّه ؟ قال : إنّ العبد يعمل العمل الذي هو للَّه رضا فيريد به غير اللَّه ، فلو أنّه أخلص للَّه لجاءه الذي يريد في أسرع من ذلك « 2 » .

ثمّ إنّ العقل النظريّ هو الفاروق بين الحقّ والباطل النظريّين ، والعقل العمليّ هو المائز بين العمليّ منهما ، فالمخلص عاقل ، ومن ليس بعاقل فليس بمخلص فيرائي ، كما أنّ العاقل ليس بمراء ، والمرائي ليس بعاقل .
والذي يدور مداره الكلام هو : ما رواه أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره ، عن حذيفة ابن اليمان قال : سألت رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – عن الإخلاص ؟ فقال : سألته عن جبرئيل ؟ فقال : سألته عن اللَّه تعالى ؟ فقال : الإخلاص سرّ من سرّي أودعه في قلب من أحببته « 3 » .

وذلك لأنّ العبد السالك إذا أحبّ اللَّه سبحانه يتّبع ما أنزل إليه بلسان حبيبه – أي : محبوبه – وهو الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله ، فإذا اتّبعه صار محبوبا للَّه تعالى ، إذ اتّباع المحبوب يورث المحبوبيّة كما قال تعالى * ( « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ ا للهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ا للهُ » ) * « 4 » ، فإذا صار السالك الصالح محبوبا للَّه تعالى فيدرج تحت مواعيد القرب الولائيّ ، حيث إنّ اللَّه تعالى قد وعد من تقرّب إليه بالنوافل وصار محبوبا له تعالى بأمور لا ينبغي الذهول عنها ، نحو : كونه تعالى سمعا للعبد المتقرّب به
يسمع ، وبصرا له به يبصر ، و . ، ومن تلك المواعيد هو ما يستفاد من حديث حذيفة : من « أنّ اللَّه تعالى يودع سرّه – الذي هو الإخلاص – في قلب محبوبه » .

فالإخلاص الذي هو الأساس في النيّة سرّ ملكوتيّ لا يناله إلَّا من أحبّه اللَّه ، ولا يحبّ اللَّه أحدا إلَّا من تقرّب إليه بالنوافل ، وباتّباع آثار حبيبه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، المتقرّب إليه تعالى بالنوافل كلَّها ، والفرائض طرّها .
فللنيّة سرّ إلهيّ لا ينال إلَّا بطيّ مراحل تكون النيّة في بعضها حالا ، وفي بعضها ملكة إلى أن تنتهي إلى مرحلة الإخلاص الذي هو سرّ إلهيّ ، وكما أنّ المحبّ للَّه إنّما يصير محبوبا إذا اتّبع حبيبه فكذلك المخلص – بالكسر – إنّما يصير مخلصا – بالفتح – إذا اتّبع من استخلصه اللَّه لنفسه فصار مخلصا – بالفتح – محضا ، وللمخلص – بالفتح – أوصاف وأحكام ودرجات ، لعل أعلاها ما هو المستفاد من قوله تعالى * ( « سُبْحانَ ا للهِ عَمَّا يَصِفُونَ . إِلَّا عِبادَ ا للهِ الْمُخْلَصِينَ » ) * « 1 » ، حيث دلّ على أنّه ليس لأحد أن يصف اللَّه سبحانه إلَّا العباد المخلصين ، وأنّهم يعرفونه تعالى بما هو اللازم اللائق وإن لم يكتنهوه ، وكفى بذلك ذخرا وشرفا .

وليعلم : أنّ الدارج بين أبناء الظاهر من النيّة ما هو الإخطار بالبال ، أي :
الذي ليس له إلَّا وجود ذهنيّ ، وهو كما قيل : نيّة بالحمل الأوّليّ ، وغفلة وذهول بالحمل الشائع الصناعيّ . وأمّا نفس العمل الخارجيّ فصادر عادة لا عبادة ، حيث إنّه لا أثر للوجود الذهنيّ ، ولا بعث له ، وإلَّا لما تخلَّله الشكّ والسهو ، والزيادة والنقيصة ، وما إلى ذلك ممّا هو المبتلى به للناس ، بل المهمّ في النيّة هو : انبعاث الروح من العادة إلى العبادة بحيث لا يقرأ ولا يركع ولا يسجد في الصلاة ، وهكذا لا يغسل ولا يمسح في الوضوء ، و . إلَّا ببعث ذلك الأمر القلبيّ ، وهذا إنّما يتمشّى من قلب ليس فيه سوى اللَّه ، المعبّر عليه في لسان النصوص « بالقلب السليم » كما رواه الكليني – رحمه اللَّه . قال : سألته عن قول اللَّه عزّ وجلّ :

* ( « إِلَّا مَنْ أَتَى ا للهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » ) * ؟ قال : القلب السليم : الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه ، قال : وكلّ قلب فيه شرك أو شكّ فهو ساقط ، وإنّما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة « 1 » . والقطب الراونديّ في لبّ اللباب ، عن النبيّ – صلَّى اللَّه عليه وآله – أنّه سئل ، ما القلب السليم ؟ فقال : « دين بلا شكّ وهوى ، وعمل بلا سمعة ورياء » « 2 » .

وإذا كان القلب وعاء لعدّة من الأهداف والأغراض الَّتي يجمعها حبّ الدنيا فكيف يكون العمل الصادر عنه للَّه وحده ؟ وحيث إنّ الإخلاص صعب الوصول فقد أمر بالزهد ونحوه لا لنفسه ، بل لحصول ذلك الهدف السامي . والإخلاص بالمعنى الذي هو سرّ من أسرار اللَّه ليس أمرا ذهنيّا حصوليّا ، بل هو أمر عينيّ حضوريّ ، فعليه يكون مقاما معلوما لدى اللَّه سبحانه لا يتخطَّاه إلَّا من ارتدى برداء المحبّة ، أي : كان محبوبا للَّه بعد أن كان محبّا للَّه تعالى . وقد تقدّم : أنّ بين عبادة العبيد وعبادة الطمعاء ( التجّار ) وبين عبادة المحبّين الأحرار فرقا ، فضلا عن عبادة المحبوبين ، سيّما إذا بلغوا – أي : المحبوبون – مرتبة المخلصين – بالكسر – الَّذين إذا جدّوا واجتهدوا وهاجروا من غير اللَّه إليه تعالى يستخلصهم اللَّه لنفسه ، فيصيرون مخلصين – بالفتح – ، وهنا لك تتبيّن روح النيّة وسرّها الَّتي هي روح العمل وسرّه ، فالعمل حيّ بالنيّة ، وهي تحيي بسرّها الذي هو الإخلاص ، الذي هو سرّ من إسراره تعالى المودع في قلب من أحبّه تعالى ولم يحبّ سواه ، سواء نفسه أو غيره .

شاهد أيضاً

4

بشارة المصطفى لشيعة المرتضى 4

10 – أخبرنا الرئيس الزاهد العابد العالم أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن في ...