الرئيسية / اخبار اسلامية / الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني
unnamed (10)

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني

26

وفي الكافي عن الصادق (ع) قال : قال رسول الله (ص) : أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض ، وعنه عن جدّه أيضاً قال : مداراة الناس نصف الإيمان ، والرفق بهم نصف العيش. الكافي : 2/117 ..

ثم قال الصادق (ع) : خالطوا الأبرار سرّاً ، وخالطوا الفجّار جهاراً ، ولا تميلوا عليهم فيظلموكم ، فإنه سيأتي عليكم زمانٌ لا ينجو فيه من ذوي الدين إلا مَن ظنّوا أنه أبله ، وصبّر نفسه على أن يُقال أنه أبلهٌ لا عقل له. الكافي : 2/96 ..

 

وعنه أيضاً عن جده (ص) : ثلاثةٌ مَن لم تكن فيه لم يتمّ له عمل : ورعٌ يحجزه عن معاصي الله ، وخلقٌ يداري به الناس ، وحلمٌ يردّ به جهل الجاهل . الكافي : 2/95 ..
وفي الحديث عن الصادق (ع) : من كفّ يده عن الناس ، فإنما يكفّ عنهم يداً واحدةً ، ويكفّون عنه أيدٍ كثيرة . الكافي : 2/96 ..

 

فيا أخي !.. ما يصدر من بعض مَن يدّعي الصلاح والتقوى من أني لا أبالي بالناس ، ولست محتاجاً ، ومَن يكون الناس ؟.. إلى غير ذلك من الكلمات التي تصدر منهم في مقام عدم المداراة كلّه ، من اتّباع هوى النفس ، والجهل بطريقة أهل البيت (ع) . (4)

(4)هذه صورة جميلة من صور الواقعية والالتزام بمنهج أهل البيت (ع) عند المعتنق ، فإن احتقار الآخرين من المزالق المتعارفة في هذا المجال ، وذلك لما يراه السالك من بعض الصور الروحية المشرقة ، التي قد تذهله حتى عن تكليفه الذي أمر به عند التعامل مع الخلق .. والحال أنه لو نظر إلى الخلق على انهم عيال لله تعالى ، وان الإحسان إليهم إنما هو من صور الطاعة لمن خلقهم لما احتقر عبداً ولو كان من عصاة الخلق.. إذ المعلوم انه لو انتهت كل روابط العبودية الاختيارية مع الرب ، فإنه تبقى رابطة الخالقية والمخلوقية ،كآخر حلقة وصل بين العبد وربه..( المحقق )

وكثيرٌ من الجهّال يشتبه عليه مقام المداراة للناس في مقام المداهنة ، فيتخيّل أنّ المداراة للناس المأمور بها المداهنة.

والفرق واضحٌ ، فإنّ المداهنة المذمومة هي الموافقة على تحسين القبيح ، أو ترك إنكاره رغبةً وطمعاً فيما عندهم ، ليتوسّل إلى منافعهم الدنيوية ، أو يجلب قلوبهم إليه من دون ملاحظة دفع مفسدة.

ومما يدلّ على حسن الرفق والمدارة ، وأنه يجرّ إلى كلّ خيرٍ ، الرواية المشهورة للشامي الذي تكلّم بما لا يليق مع علي بن الحسين (ع) ، لما حملوه إلى يزيد لعنه الله في الشام ، فقال الشامي :
الحمد لله الذي قتلكـم ، وأكـذب أحدوثتـكم ، وأراح الناس منكم.
فلما فرغ من كلامه قال له الإمام (ع) : يا شيخ !.. أتقرأ القرآن؟..
قال: نعم
قال: هل قرأت قوله : { قل لا أسألكم عليـه أجـرا إلا المودة في القربى }. الشورى/23 ..
قال نعم .
ثم قال : هل قرأت قوله : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } . الأحزاب/33 ..
قال: نعم
ثم قال : يا شيخ ، قل قرأت قوله تعالى : { وآت ذا القربى حقه } ؟.. الإسراء/26 ..
قال : نعم .
قال الإمام (ع) : نحن القربى ، ونحن أهل بيت نبيك !..
قال : فرفع الشيخ كفـّه إلى السماء ، وبكى وتبرّأ من قاتل الحسين ، وبكى وتاب . البحار : 45/129 ..
فانظر كيف جرّه الرفق إلى الخير ؟..

والمداراة ترك الإنكار دفعاً للمفسدة ، أو لأجل تخفيفها ، أو تحرّزاً عن تهييجها ، وأين هذا من ذلك.
والمداراة قد تكون لدفع الشرّ ممن تداريه ، وقد تكون لاستجلابه إلى الخيـر ، وكلّها في مقامٍ لا محلّ للإنكار ، وأما للخوف ، أو لعدم التأثير ، فحينئذٍ الرفق والبشاشة وتحمّل الأذى ، والدفع بالتي هي أحسن هي المدارة ، قال الله فيها :
{ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } . فصلت/34-35 ..

ومنها قوله تعالى : { فقولا له قولا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى } . طه/44 ..

ومنها في الكافي عن الصادق (ع) قال : إنّ النبي (ص) بينا هو ذات يومٍ عند عائشة ، إذ استأذن عليه رجلٌ فقال النبي (ص) : بئس أخو العشيرة !..
فقامت عائشة فدخلت البيت ، وأذن رسول الله للرجل ، فلما دخل أقبل عليه رسول الله (ص) بوجهه الشريف وبشره ، وأقبل يحدّثه حتى إذا فرغ وخرج من عنده ، قالت عائشة : يا رسول الله !.. بينا أنت تذكر هذا الرجل فيما ذكرته به ، إذ أقبلت عليه بوجهك وبشرك !..
فقال النبي (ص) عند ذلك : إنّ من شرّ عباد الله مَن تكره مجالسته لفحشه .. [ الكافي : 2/246 ] .. انتهى.. فهذا كله من المداراة التي هي نوعٌ من التقيّة ، وقد ورد في مدح التقيّة ما لا يُحصى حتى فسّر قوله تعالى : { إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم } . [ الحجرات/13]..
بأنّ المعنى : أعدلكم في التقيّة.. وحتى قالوا أنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة . الكافي : 2/172 ..

ويكفيك ما في الكافي عن حمّـاد بن واقـد الفحّام قال : استقبلت أبا عبد الله (ع) في طريقٍ ، فأعرضتُ عنه بوجهي ومضيت ، فدخلتُ عليه بعد ذلك فقلت : جعلت فداك !.. إني لألقاك فأصرف وجهي كراهة أن أشقّ عليك.
فقال لي: رحمك الله !.. ولكنّ رجلاً لقيني أمس في موضع كذا وكذا فقال : عليـك السلام يـا أبـا عبـد الله ، مـا أحسن ولا أجمل . الكافي : 2/173..انتهى.
فانظر لمن لاحظ كيف استحق دعاء الإمام له بالرحمة بترك السلام عليه ، وانظر إلى مَن لا يلاحظ المقام ، وترك مجاراة الخلق ، كيف شكا منه الإمام وقال : إنه ما أحسن ولا أجمل . (5)

(5)من هذه الرواية وأشباهها ، تعلم قاعدة مهمّة من قواعد التعامل كما أراده أهل البيت (ع) ألا وهي مراعاة موارد التزاحم ، وإن المؤمن لا يأخذ بأمر راجح ، ناسياً كل جهات الرجحان الأخرى ، فإن مقتضى التعقل – التي تنادي به الروايات الكثيرة – هو أن يقّلب المؤمن الأمر الواحد من جهات شتى ، ليخرج بعد سياسة الكسر والانكسار ، بالحصيلة النهائية المتمثلة بما يرضي الله تعالى في النتيجة ، وإن كانت هناك خيارات مرضية أخرى له ، ولكنها مزاحمة لتلك الحصيلة النهائية..( المحقق )

شاهد أيضاً

130114_1353201286-jalaali-ir - Copy

شبهات و ردود – المحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

الالزام انما هو بما في علم الكلام نص الشبهة:  بسمه تعالى إن هناك من يناقشنا، ...