الرئيسية / الخالدون / مع الشهداء / الشهيد محسن ‌ٚٚٚٚٚٚٚعبادي حسين القره غوليٛٛٛٛٛٛٛٛٛٛٛ 106 ـ أبوظاهر العبادي
106

الشهيد محسن ‌ٚٚٚٚٚٚٚعبادي حسين القره غوليٛٛٛٛٛٛٛٛٛٛٛ 106 ـ أبوظاهر العبادي

في محافظة الكوت — منطقة الدبوني، كانت ولادته عام1961م. عاش وترعرع وسط أسرة معروفة بالتقوى والالتزام الديني والولاء للإسلام والحب لأهل البيت‌عليهم‌السلام، والرفض لنظام العفالقة وأفكاره ومتبنياته، فهي من الأسر المعروفة بالفضل والفضيلة والسمعة الطيبة.
في تلك الأجواء الإيمانية الصادقة، نشأ ملتزما يحمل
هم الإسلام والدفاع عنه، وكان لرفقته لوالده إلى المساجد والحسينيات كبير الأثر في بناء شخصيته وتكاملها، فكان ينهل من مجالسها العلم والمعرفة واستلهام النهج الحسيني الخالد، فقد عُرف في منطقته وبين أصدقائه بتدينه وصدق حديثه وحسن سيرته.
التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وكانت خدمته في قلم( ) إحدى الوحدات، وفي تلك السنة وعندما كانت السلطات البعثية الجائرة تكيد لزوار الإمام الحسين وللقوافل الراجلة (المشّاية)، وتحاول منعهم عن الوصول إلى كربلاء المقدسة إذ أصدرت قيادة الجيش كتابا سريا لكل الوحدات العسكرية للتصدي لتلك الشعائر، وقد وصلت نسخة من ذلك الكتاب إلى القلم الذي كان محسن أحد المكلفين فيه، فقام باستنساخة ثم قام بتكثيره وتوزيعه على المؤمنين لفضح مخططات البعثيين ضد الدين والمذهب.
شكت الاستخبارات بطريقة أو بأخرى أن ذلك الكتاب قد سُرّب من ذلك القلم، فأخذوا بتفتيشه فوجدوا كمية منه معدة للتوزيع، فجن جنونهم وقاموا باعتقاله على الفور لكنه استطاع الخلاص بواسطة أحد نواب الضباط الذي كان متعاطفا معه.
لقد كتب الله لهذا المؤمن النجاة من أيدي المجرمين، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الإعدام، ولكن شاء الله أن يمد في عمره ليواصل طريق الجهاد من أجل دينه وشعبه.
ضاقت الأرض بما رحبت على أبي ظاهر وأخذ يبحث عن طريقٍ للخلاص، فكان ذلك على يد والده عندما انتقل به إلى مدينة العمارة، وهناك التقى بالسيد حرز( ) الذي كانت تجمعهما معرفة سابقة، ذلك السيد المعروف ببساطته وتفانيه في سبيل الله وخدمته للمؤمنين، وعلى الفور سلّمه إليه وقال كلمته (من يدي إلى يدك إلى يد الله…)، وسيد حرز بدوره أوصله إلى إيران عن طريق هورالحويزة وكان ذلك في شهرمايس عام1980م.
حط أبوظاهر رحاله في بلد تخلّص لتوه من أعتى طاغوت في المنطقة، في بلد لايجيد لغته، ولم يكن قد اعتاد الغربة وفراق الأهل والوطن، ولكن شاء الله أن يهيئ له أحبة يحملون نفس همومه وأهدافه، فلم تكن هجرته طلبا للراحة والدعة، أو بحثا عن حطام الدنيا الزائل، بل كانت مرحلة جديدة من الجد والاجتهاد، والمثابرة من أجل تحقيق الأهداف السامية والمعاني الكبيرة التي كان يحملها والتي هاجر من أجلها، وهي رفع كلمة لاإله إلا الله على أرض العراق، ودفع الحيف والظلم عن أهله.
التقى بأفراد من منظمة العمل الإسلامي وعمل معهم، وشاركهم في نشاطاتهم الجهادية.
انتقل للعمل مع حزب الدعوة الإسلامية في مركزهم التدريبي، الذي افتتح في طهران آنذاك لغرض تدريب وإرسال المجاهدين إلى العراق، وكان ذلك بإشراف الحاج أبوزينب الخالصي والشيخ محمد مهدي الآصفي.
في تلك الفترة يقول الحاج أبوإبراهيم النعماني( ) (أثناء سؤالي عن المهاجرين الجدد المتواجدين في ذلك المعسكر تعرفتُ على أبي ظاهر، وعَلم أن عمه الحاج رمح وابن عمه عبد الرضا رمح من أصدقائي المقربين والعاملين معي في حقل الحركة الإسلامية في محافظة واسط، ففرح لذلك فرحا شديدا).
انتقل إلى معسكر الشهيد الصدر في الأهواز، الذي اجتمع فيه كل مجاهدي العراق فتوجه إلى عمل الداخل وكان يعطيه جُلّ اهتمامه لأنه يرى فيه العامل الأهم في زعزعة النظام وإسقاطه…
في هذا الصدد يروي الحاج أبوإبراهيم (كُلف أبوظاهر بعملية جهادية داخل العراق بصحبة أحد الأدلاء وكانت تساوره شكوك كثيرة حول ذلك الدليل، واتفقا على أن يكون لقاء العودة — بعد تنفيذ الواجب — على أطراف هور العمارة، لكن الدليل وشى به فجاء بسيارة الأمن والمخابرات إلى مكان اللقاء المتفق عليه، لكن فطنة أبوظاهر وحيطته وتوكله على الله جعله يكتشف هذه المكيدة فيتوارى داخل الأحراش، فأخذوا بالبحث عنه حتى يأسوا ورجعوا فبقي في تلك المنطقة التي لايعرف عنها شيء، وعند الغروب قام وصلى ثم نظر إلى السماء وأخذ بالدعاء والتضرع إلى الله سبحانه بقوله (يا دليل الحائرين دلّني…

 

وهل أن الدليل الذي جاء بي إلى هنا هو أڪبر منك وأعلم وأعرف منك بالطرق وأنت العالم بطرق السموات والأرض). بعد أن فرغ من صلاته سمع نباح كلب من بعيد فشعر في نفسه أن ذلك هو الفرج، فاتجه صوب ذلك الصوت، وعند وصوله تبيّن أن ذلك المكان هو بيت منعزل، فرحبت به صاحبة البيت وكانت امرأة كبيرة وباللهجة العامية قالت (يمه هله بيك نام وهسه يجون إخوتك) فنام إلى طلوع الفجر وبعد الصلاة جاء ابناها فرحبا به كثيرا وقالا له (هذا البيت بيتك، وين ما تريد نوصلك)، فحمد الله وشكره أن هيئ له في تلك المنطقة التي لايعرف عنها شيء مَنْ يرجعه إلى الجمهورية الإسلامية، فقال أبوظاهر (شعرت بفضل الله تعالى قد غمرني ولاأدري كيف أشكره بعد أن سهّل لي الرجوع في وقت شعرت أن الحيوانات المفترسة ستأڪلني أو أموت عطشا)).

 
منذ الأيام الأُولى للحرب الظالمة التي فرضها صدام المقبور على الجمهورية الإسلامية، حمل سلاحه دفاعا عن الإسلام وأهله، فقد اشترك بشكل فاعل في أغلب العمليات التي خاضها المجاهدون ضد البعثيين المعتدين، كما كانت له جولات استطلاعية في داخل العراق من أجل ربط الخطوط الجهادية وإيصال السلاح لها.
عند تشكيل قوات بدر كان أبوظاهر من أوائل المبادرين للالتحاق بها، وفي دورتها الثانية التي بدأت بتاريخ22/5/1983م، وبعد انتهائها كُلف بواجب جهادي على مشارف مدينة البصرة، وكان آمرا لأحدى الفصائل.
عندما انتقل العمل إلى هورالحويزة، كان آمرا لإحدى سرايا فوج الشهيد الصدر، وفي عمليات القدس كان على رأس مجموعة الصولة التي نفذت الضربة الأُولى، وكذلك عمليات عاشوراء وعمليات الاستطلاع التي سبقتها، وعُرف فيها شجاعا باسلا لايرهب الموت.
في شمال وطننا الحبيب كان دوره مشهودا وخصوصا في عمليات حاج عمران وعمليات كفري( )، وتحريرحلبچة، حيث كان في كل تلك العمليات مسؤولا وقائدا لأحد محاورها.
كان يتمتع بروحية العالية وحنكة العسكرية:
• الروحية العالية، فقد كان كثير الاهتمام بتربية نفسه، وترويضها على تحمل الصعاب والمشاق، دائم الشكوى منها، فهو مصداق لقول أمير المؤمنين عليه‌السلام في وصف المتقين ﴿نفسه منه في عناء والناس منه في راحة﴾( )، يُشعرها دائما بالتقصير أمام الله سبحانه وتعالى، مواظبا على صلاة الليل فلا يكاد يتركها إلا نادرا. ومن سماته التواضع والهدوء والخلق الرفيع، فقد كان قليل الكلام كثير العمل، كثير العبادة والتلاوة للقرآن الكريم، محبوبا بين إخوانه المجاهدين.

 
• الحنكة العسكرية فقد كانت خططه تتصف بالدقة المتناهية، وفي هذا المضمار وكان من الذين وضعوا خطة الهجوم لعمليات القدس، وكان يشرح الخطة لآمر اللواء آنذاك بأدق التفاصيل، وسط إعجاب الآمر الشديد به. يقول عنه الحاج عدنان إبراهيم( ) (على الرغم من صغر سنه إلا أن خططه وآراءه في العمليات كانت موضع اهتمام المسؤولين ويؤخذ بها في أغلب الأحيان).

 
… بعد شوط من الجهاد قضاه في ذات الله والتفاني في سبيله، وبعد أن فَقَدَ أعز إخوة الجهاد أمثال أبي طارق البصري وأبي حسن التركماني وأبي ياسين البصري و…و…قافلة من الشهداء الذين رحلوا وسبقوه في هذا الطريق، اشتاق لهم وكان يندبهم ويذكر مآثرهم ويتمنى اللحاق بهم، فحقق الله له ذلك في معركة تجلت فيها البطولة بأروع صورها والإيثار بأعلى مراتبه، إنها معركة شاخ شميران، فعلى تلك المرتفعات بذل المجاهدون أرواحهم رخيصة في سبيل الله والوطن، وحانت ساعة اللقاء بالمعشوق سبحانه.
لقد كان أبوظاهر مسؤولا لحركات لواء حمزة ولم يقتصر واجبه على ذلك، بل كان يقود مجاميع الاستطلاع والدوريات التي زرعت الخوف والهلع في قلب العدو، حتى تحولت تلك المنطقة إلى مقبرة للبعثيين. يقول السيد أبوذر الحداد (لم أشاهده خائفا أو مترددا مهما اشتدت الخطوب وكيفما كان وضع المجاهدين، بل يتعامل مع أي ظرف كان بهدوئه وسكينته المعهودة، شجاعا حتى قال عنه البعض إنه ميت القلب…).

 
يقول الحاج أبوإبراهيم (سألته يوما إنك لم تستشهد، وقد استشهد الكثير من إخوتك المجاهدين وبقيت أنت)، فقال لي (لا، أنا سوف أستشهد فقد رأيت أخي وعزيزي الشهيد أبوحسن التركماني قبل ثلاثة أيام في مكان لاأستطيع وصفه من الجمال الذي لم أرَ مثله في الحياة الدنيا، فقال لي أبوحسن (لماذا لاتأتي معي إلى هنا؟) وكأننا نجلس ونحن أحياء ولاأستطيع أن أصف لك الحالة التي كنا فيها، ثم سرت بين جبلين وحاولت أن أعبر جسرا بينهما وهناك جاءني مَلَك بلباس أبيض وأخذ بيدي وصعد بي نحو السماء. وفي تلك الفترة رأيت شخصا قال لي (أخي ياأباظاهر: إنّ لي عليك دَينا مقداره خمسة آلاف تومان أرجو منك إرجاعها، فأعطيته المبلغ وشعرت في حينها أن ذلك هو سبب عدم استشهادي لتعلق حق الغير بذمتي).

 

 

وكان ذلك نبوءة باستشهاده، ثم نقل لي الإخوة الذين رأوا مكان استشهاده كما وصفه لي حين قص علي رؤيته للجسر بين الجبلين، فعند محاولته العبور استشهد على أيدي البعثيين المجرمين…).
ختم الله حياته الحافلة بالتضحية والفداء بوسام الشهادة الرفيع يوم3/5/1988م، على أثر قذيفة غادرة، حيث سال دمه الزكي على رُبى شمال وطننا الحبيب ليصب في الجنوب راسما بمجراه عطاء أبناء الرافدين.
شيعه جمع غفير من المؤمنين في مدينة أصفهان ودفن في جنة الشهداء في تلك المدينة.
ومما قيل فيه:
1- قال عنه إمام جمعة زرين شهر( ) في خطبة صلاة الجمعة (ان هذا الشهيد عندما كان يراجعني في مكتبي أرى فيه من الإيمان والأخلاق والطاعة لله ورسوله ما لم أره في غيره إلا نادرا…).
2- قالت عنه زوجته (سألني يوما ما هي أمنيتك في الحياة؟ قلت: أمنيتي أن ترضى عني، لأني أرى فيك ما لم أره في غيرك من الأنوار والعبادة والإخلاص والطهر والمحبة لله ورسوله والأئمة الطاهرين، ولم أرك تتجه إلى قضية إلا وتحققت، وكأنما لديك سحرا في إنجاز أي عمل تتوجه فيه إلى الله سبحانه وتعالى…).

 

106
سلام عليه يوم ولد ويوم جاهد واستشهد ويوم يُبعث حيا