الرئيسية / اخبار اسلامية / العبادة الواعية
IMG-20170517-WA0023

العبادة الواعية

13 ـ الشعور بالقدرة والعزّة

وبالرغم مما تثيره الصلاة في الإنسان من شعوراً بالتواضع والخضوع، لكنها لا تدع المصلي يحس بالذلة والحقارة في نفسه أبداً، فهي تربطه بالقدرة الأبدية الدائمة، مما يبعث في نفسه شعور بالقدرة والعزة. فكلما أحس المؤمن بالضجر والضيق[1] اتجه إلى الصلاة، فحل بها عقده مشاكله. يقول الإمام (ع) في مناجاة ربه:

“إلهي كفى بي فخراً أن أكون لك عبداً، وكفى بي عزاً أن تكون لي رباً”.

فالصلاة وثيقة عبودية العبد وارتباطه بربه، والله سبحانه شاهد صدق على هذا الارتباط المبارك الذي يستحق كل فخر واعتزاز.

الدرس الرابع

تاريخ الصلاة

تعتبر الصلاة أقدم العبادات تاريخاً في جميع الأديان الماضية، ونحن فيما يلي نستعرض جملة من الشواهد على هذا الأمر:

1 ـ صلاة آدم (ع): روي عن صحف إدريس (ع) أن الله أوجب صلاة العصر والمغرب والعشاء على آدم (ع) في اليوم الأول من إقامته هو وحواء في الأرض، وكان مجموع ركعاتها يومئذ تبلغ 50ركعة[2].

2 ـ صلاة شيث (ع): عندما وافى آدم (ع) الأجل غسله النبي شيث (ع)، وصلى عليه صلاتنا على الميت اليوم[3].

3 ـ صلاة إدريس (ع): في رواية عن الصادق (ع) يوصي فيها أحد أصحابه قال: “إذا دخلت الكوفة فائت مسجد السهلة، فصل فيه، واسأل الله حاجتك لدينك ودنياك، فإن مسجد السهلة بين إدريس النبي (ع) الذي كان يخيط فيه، ويصلي فيه”[4].

4 ـ صلاة نوح (ع): كانت لسفينة نوح (ع) شبابيك ونوافذ يدخل منها نور الشمس فيعرف بها وقت الصلاة[5].

5 ـ صلاة النبي صالح (ع): حين طلب قوم صالح منه أن يخرج لهم من الجبل ناقة حبلى تضع حملها لدى خروجها كآية على صدقه في دعواه النبوة قال: ذلك أمر عسير وعلى الله يسير. ثم ما لبث أن قام فصلى ركعتين، ثم أهوى إلى السجود، فتضرع، فلم يرفع رأسه من السجود حتى انشق الجبل بأمر الله، وعلا منه صوت أدهش الحضور، ثم خرجت منه ناقة بنفس الصفات التي طلبها قوم صالح (ع) منه[6].

6 ـ صلاة إبراهيم (ع): حين أسكن إبراهيم (ع) زوجه وابنه جوار الكعبة التي وضع حجر أساسها حديثاً، ابتهل إلى الله فقال: (ربّ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي إليهم)[7].

7 ـ صلاة إسماعيل (ع): امتدح القرآن الكريم النبي إسماعيل (ع) لأنه كان يوصي أهله بالصلاة[8].

8 ـ صلاة اسحاق ويعقوب ولوط (ع): ذكر القرآن الكريم لمحات من تأريخ اسحاق ويعقوب ولوط ثم اعقب ذلك بقوله: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)[9].

9 ـ صلاة شعيب (ع): كان المشركون يردون على دعوة شعيب لهم بعبادة الله الواحد بالقول:

(أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا)[10].

10 ـ صلاة موسى (ع): عندما أتى موسى جبل الطور، وتلقى الرسالة وأمر بخلع نعليه، واحترام ذلك المكان المقدس قال الله تعالى مخاطباً إياه:

(إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)[11].

11 ـ صلاة لقمان (ع): أوصى لقمان الحكيم ابنه بوصايا منها أنه قال: (يا بني أقم الصلاة…)[12].

12 ـ صلاة داود (ع): كان داود (ع) قد قسم أيامه فجعل يوماً لأمور الناس والقضاء بينهم، ويوماً للعبادة يصلي فيه قائماً بعيداً عن أعين الناس[13].

13 ـ صلاة سليمان (ع): كان النبي سليمان (ع) يصلي الصبح في الشام، والظهر في بلاد فارس[14].

14 ـ صلاة يونس (ع): قيل في تفسير الآية الشريفة:

(فلولا أنه كان من المسبحين)[15].

معناها أنه لو لم يكن من المصلين للبث في بطن الحوت مدة أطول[16].

15 ـ صلاة زكريا (ع): جاء في الآية الشريفة في ذكر زكريا قوله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى)[17].

16 ـ صلاة عيسى (ع): عندما تكلم عيسى (ع) وهو في المهد قال: (إني عبد الله آتاني الكتاب وبعثني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً)[18].

17 ـ صلاة أيوب (ع): حين صلى أيوب أثنى الله سبحانه على ما يتحلى به من الشكر والطاعة. فنال الشيطان منه الحسد فقال: “رب! ألا سلبت منه أمواله ثم تنظر ماذا يفعل؟ فسلط الله الشيطان عليها، فاتلف ماشيته، ثم جاء أيوب بزي راع فرآه قائماً يصلي، فقال له بعد أن فرغ من صلاته: “أما تعلم ما فعل ربك بإبلك؟ فقال: ليست الابل لي، كانت ملكه فأعارنيها، وله أن يسترجعها متى شاء…”[19].

18 ـ صلاة الخضر (ع): روى علي بن إبراهيم أن أباه زار في بعض أسفاره الخضر (ع) وهو في مسجد الكوفة يصلي هنا أو هناك[20].

19 ـ صلاة ذي الكفل (ع): “أمر ذو الكفل (ع) بدعوة قومه لجهاد الظالمين فقالوا: سل الله يعفينا هذا، فقام، فصلى ثم قال: رب… إن لقومي حاجة أنت أعلم مني بها…”[21].

وروي عن الصادق (ع) قوله في الصلاة:

“هي آخر وصايا الأنبياء”[22].

حيث تدل الرواية على أن الصلاة كانت مألوفة لجميع الأنبياء الذين يبلغ تعدادهم مئة وأربعة وعشرين ألف نبي، وكانوا (ع) يوصون بها.

تشريع الصلاة في الإسلام

اشتهر أن رسوله الله (ص) تلقى الحكم بوجوب الصلاة أثناء عروجه إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج، ثم ابلغه المسلمين، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن الصفحات الأوائل من تقويم تاريخ الإسلام قد حملت في طياتها صوراً عن صلاة رسول الله (ص) والإمام علي (ع) وخديجة (ع) قرب الكعبة المكرمة على مرأى ومسمع من قريش. وهذا الأمر يثير سؤالاً هو: إذا كانت الصلاة شرعت ليلة الإسراء كيف كان المسلمون الأوائل يؤدون صلاتهم قرب الكعبة منذ الأيام الأولى للبعثة الشريفة؟ وكيف كانت صلاتهم؟

يقول العلامة الطباطبائي (ره): “وفي بعض الأخبار أنه (ص) صلى المغرب بالمسجد الحرام، ثم اسري به. ولا منافاة بين كونه صلى المغرب أو العشاء الآخرة والفجر بمكة، وبين كون الصلوات الخمس فرضت عليه في السماء ليلة الإسراء فإن فرض أصل الصلاة كان قبل ذلك. وأما أنها كم ركعة كانت فغير معلوم. غير أن الآثار [الآيات[23] والروايات[24]] تدل على أنه كان يقيم الصلاة منذ بعثه الله نبيا”[25].

لقد وردت أخبار وروايات مختلفة بشأن التغييرات التي طرأت على ركعات الصلاة منها: ما عن الإمام الباقر (ع) حيث قال:

“لما عرج برسول الله (ص) نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين. فلما ولد الحسن والحسين (ع) زاد رسول الله (ص) سبع ركعات شكراً لله فأجاز الله له ذلك… فلما أمره الله بالتقصير في السفر وضع عن امته ست ركعات”[26].

وفي رواية أخرى سأل سعيد بن المسيب الإمام السجاد (ع) فقال متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هي اليوم عليه؟ فقال: “بالمدينة حين ظهرت الدعوة، وقوي الإسلام، وكتب الله على المسلمين الجهاد، زاد رسول الله (ص) في الصلاة سبع ركعات: في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين، وفي المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين، واقرّ الفجر على ما فرضت بمكة”[27].

وما نستنتجه من الأخبار المتقدمة الواردة في الصلاة، وما تقدم في تاريخ الصلاة: أن الصلاة كانت في جميع الشرائع والأديان، وكان رسول الله (ص) يؤدي ـ وهو على دين الحنيفية يومئذ ـ هذا النسك في إقاماته الطويلة في غار حراء قبل البعثة. كما كانت الصلاة بعد البعثة أولى عبادات المسلمين ومراسمهم الدينية، غير أنه قد جرى في ليلة المعراج، أو في السنين الأولى من تأسيس حكومة الرسول الأعظم (ص) في المدينة المنورة تغيير في محتوى الصلاة وعدد ركعاتها.

القبلة

لقد مضت ستة عشر شهراً على تشكيل الرسول (ص) الحكومة الإسلامية في المدينة، وكيان الرسول هذا يتعرض ـ إضافة إلى الحملات والهجومات العسكرية ـ إلى حرب نفسية وإعلامية، إذ كان يهود يثرب ينتقدون المسلمين دوماً بعدم الاستقلال في قبلتهم، وينالون منهم بسبب استقبالهم بيت المقدس أثناء العبادة. وكان قائد الأمة الإسلامية ينتظر بفارغ الصبر نزول رسول الوحي إليه بأمر تغيير قبلة المسلمين حتى نزلت في يوم الاثنين من منتصف رجب من العام الثاني للهجرة الآية الكريمة:

(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)[28].

وتحولت بهذا البلاغ الصادع الصريح قبلة المسلمين نصف دائرة كاملة حيث صارت إلى الجنوب بدلاً من الشمال. وقد أطلق على محل نزول هذه الآية “مسجد ذي القبلتين”، ومنذ ذلك الحين والمسلمون يؤدون صلاتهم بارتياح وفخر نحو الكعبة.

ولابد هنا من الاجابة على سؤال مهم هو: لماذا تجب الصلاة باتجاه مكان وموضع خاص؟ وهل لله الذي لا يحل بمكان مكاناً يخصه؟

والجواب بالنفي طبعاً فإن الله لا يختص بمكان معين، ولا يحل بمكان إذ يقول القرآن الكريم في ذلك.

(وأينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله)[29].

وإنما البيت علامة على صاحب البيت فتوجه الأبدان إلى البيت والقلوب إلى صاحبه! وحيث ان الكعبة أقدس وأطهر الأمكنة على الأرض إذ تحمل آثار أنبياء الله العظام، وتمثل كتاباً في الخاطرات والحوادث التوحيدية، فقد صارت مقراً للتوحيد، وقبلة للموحدين. ونحن إذ نقبل على المركز المعنوي هذا البعيد عن كل مظاهر التجمل نبعد جميع مظاهر الزينة والتجمل من القلب، ونطلق القلب نحوه[30].

فعن الصادق (ع) قال: “إذا استقبلت القبلة فانس الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، (واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله) وعاين بسرك عظمة الله، واذكر وقوفك بين يديه (يوم تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق…)[31].

وإن في كل سجدة يسجدها القلب للحق، يسجد معه الجسم أيضاً في اتجاه وناحية. فما أحسن أن يكون لجميع الموحدين جهة وناحية معينة، فيقفون أمام بيت أقيم للعبادة، ويرتضون نظاماً واحداً، ويصطفون في هيئة منسجمة، ويتبع ذلك لا في العبادة وحدها، بل في عامة النشاطات والأفعال كما في ذبح الحيوانات والأكل والاضطجاع للنوع ولبس الثياب بمختلف صوره الالزامية والراجحة.

شاهد أيضاً

1384841054866

في رحاب نهضة الامام الحسين عليه السلام

171 بن الحسن بن علي بن ابي طالب . قال : ومكث الحسين طويلا من ...