أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 29

وليعلم : أنّ للنيل إلى السرّ المكتوم أسبابا وعللا خفيّة ، موطنها عقيب الصلاة الَّتي ناجى بها العبد مولاه ، فيستعدّ حينذاك للوصول إلى بعض السرّ ، ومن تلك الأسباب : هي الأذكار المأثورة ، والأوراد الواردة الَّتي أشير إلى نبذ منها ، ومن تلك العلل هو : قضاء أوطار العباد المحاويج ، وحلّ معضلاتهم ، ولذا كان رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – إذا صلَّى الغداة استقبل القبلة بوجهه إلى طلوع الشمس يذكر اللَّه عزّ وجلّ ، ويتقدّم عليّ بن أبي طالب – عليه السّلام – خلف النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ، ويستقبل الناس بوجهه فيستأذنون في حوائجهم ، بذلك أمرهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله « 2 » .

ثمّ إنّ من سنن التعقيب سجدة الشكر ، وسرّ السجود هو التذلَّل المتمثّل به ، كما أنّ سرّ الركوع هو التعظيم ، وسرّ الطواف هو التفدية المتمثّل ذلك بهما .
وقد نقل في توقيع مولانا صاحب العصر عليه السّلام أنّ : « سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها ، ولم يقل : إنّ هذه السجدة بدعة إلَّا من أراد أن يحدث في دين اللَّه بدعة . » « 3 » .

ومن علل اصطفاء موسى الكليم – عليه السّلام – هو : توغَّله في التذلَّل للَّه ، المتجلَّي ذلك بإلصاقه – عليه السّلام – خدّه الأيمن والأيسر بالأرض بعد الصلاة ، وحيث علم موسى – عليه السّلام – أنّ اللَّه اصطفاه لتذلَّله زاد في ذلَّته فخرّ ساجدا ، وعفر خدّيه في التراب ، فأوحى اللَّه إليه : ارفع رأسك يا موسى ، وأمرّ يدك موضع سجودك ، وامسح بها وجهك ، وما نالته من بدنك فإنّه أمان من كلّ سقم وداء وآفة وعاهة « 1 » .

ولمّا كان سرّ السجود هو التذلَّل للَّه تعالى ، والتذلَّل له موجب للتقرّب منه كما في آخر سورة اقرأ – وذلك لأنّ المتذلَّل للَّه لا يحجبه شيء ، فإذا لم يكن له حجاب ، وكان الراحل إلى اللَّه قريب المسافة ، كما في دعاء أبي حمزة الثماليّ – فهو يصل إلى لقاء اللَّه ، ومن كان أذلّ في نفسه للَّه فهو أقرب منه ، وكما في دعاء زين العابدين – المعروف بالسجّاد – : « وأنا بعد أقلّ الأقلَّين ، وأذلّ الأذلَّين ، ومثل الذرّة أو دونها » « 2 » . فهو – عليه السّلام – أقرب الأقربين ، وأعزّ الأعزّين لدى اللَّه سبحانه .

وحيث إنّه لا ميز في الأصول العامّة الهامّة للإمامة فأئمّة أهل البيت – عليهم السّلام – كلَّهم على هذا المنهج القويم ، بل قد روي في أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام : « إنّه كان أوّل من سجد للَّه شكرا ، وأول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمّة بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله » « 3 » ، وكان عليّ – عليه السلام – يقول في سجوده : « أناجيك يا سيّدي كما يناجي العبد الذليل مولاه . » « 4 » .

وحيث إنّ حياة كلّ ذكر من التهليل والتحميد والتسبيح والتكبير إنّما هي
بسرّه ، كما أنّ أحباء كلّ ذكر لما هو ميّت في حجاب ذاته ووضعه وفعله إنّما هو بذلك السرّ ، وكان ذكر الإمام المعصوم – عليه السّلام – وسجوده حيّا بسرّه ، لذا كان ذكره محييا للأموات ، وموقظا للنيام وإن كان كلّ شيء حيّا متيقّظا في باطنه .

ومن هذا القبيل : ما روي عن سعيد بن المسيّب قال : كان القوم لا يخرجون من مكَّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين سيّد العابدين عليه السّلام ، فخرج فخرجت معه ، فنزل في بعض المنازل وصلَّى ركعتين ، فسبّح في سجوده فلم يبق شجر ولا مدر إلَّا سبّحوا معه ، ففزعنا ، فرفع – عليه السّلام – رأسه وقال : يا سعيد ، أفزعت ؟
فقلت : نعم ، يا ابن رسول اللَّه ، فقال عليه السّلام : هذا التسبيح الأعظم . « 1 » .

والذي يمكن القول في تأثير مثل هذا التسبيح الأعظم : أوّلا : هو تعليم الشجر والمدر ونحو هما بلسان التكوين ، بما هو لم يكن معلوما له قبل ذلك وإن كان أصل التسبيح معلوما ومقدورا له .
وثانيا : هو تأويب ذلك مع الإمام المعصوم – عليه السّلام – تأسّيا به كما تأسّى بداود – عليه السّلام – حين أمر اللَّه سبحانه بذلك ، كما قال تعالى * ( « يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَه ُ » ) * « 2 » فقد اجتمعوا معه ، وذكروا اللَّه ووحّدوه معه كما هو المعروف في الائتمام بإمام الجماعة .

وثالثا : هو رفع الحجاب والغطاء عن إسماع هؤلاء الَّذين كانوا مع السجّاد عليه السّلام ، وأبصارهم ، حتّى سمعوا تسبيح الشجر والمدر وفقهوا ذلك ، بعد ما كانوا جاهلين به ، كما قال سبحانه * ( « إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » ) * « 3 » ، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يناله المتدبّر في سرّ التسبيح الأعظم وتأثيره في الكيان ، حينما يعترف بأنّه غير مختصّ بالإمام المعصوم – عليه السّلام – وإن كان الحدّ السامي منه مخصوصا بأهل العصمة عليهم السّلام ،
والغرض : هو أنّ العبد إذا أحسّ ذلَّته وأدركها واعترف بها وتذلَّل لمولاه الذي له العزّة جميعا ينال ما أعدّ له من العزّة العرضيّة ، ويقول كما كان الصادق – عليه السّلام – يقول وهو ساجد : « سجد وجهي اللئيم لوجه ربّي الكريم » « 1 » .

ثمّ إنّه من كان يريد العزّة فليعلم : أنّ العزّة للَّه جميعا ، ولا ينال شيئا منها إلَّا بنفيها عن نفسه وعن غيره ، أي : عمّا سوى اللَّه ، وذلك إنّما يتجلَّى في السجود المشفوع بما يمثّل الذلَّة ، حتّى يقترن الفعل والقول ، ويشهدا على صاحبهما بالذلَّة الصادقة ، الموجبة لاكتساب العزّة الَّتي هي بالعرض للرسول وللمؤمنين ، ولعلّ من هذا القبيل ما قاله الصادق – عليه السّلام – لإسحاق بن عمّار : « إنّي كنت أمهّد لأبي فراشه ، فأنتظره حتّى يأتي ، فإذا أوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي ، وأنّه أبطأ عليّ ذات ليلة ، فأتيت المسجد في طلبه ، وذلك بعد ما هدأ الناس ، فإذا هو في المسجد ساجد ، وليس في المسجد غيره ، فسمعت حنينه ، وهو يقول : « سبحانك اللَّهمّ أنت ربّي حقّا حقّا ، سجدت لك يا ربّ تعبّدا ورقّا ، اللَّهمّ إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي ، اللَّهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك ، وتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم » « 2 » .

ولقد تأسّى بهؤلاء المعصومين عليهم السّلام – الَّذين هم ساسة العباد وقادتهم ، وأركان البلاد وأعمدتها ، بحيث لولاهم لساخت الأرض بأهلها – غير واحد من الصحابة في طول السجود ، والتذلَّل المستمر . وإليك نبذ من نزر :
قال الفضل بن شاذان : دخلت العراق فرأيت واحدا يعاتب صاحبه ويقول له :
أنت رجل عليك عيال ، وتحتاج أن تكتسب عليهم ، وما آمن أن تذهب عيناك لطول سجودك ، فلمّا أكثر عليه قال : أكثرت عليّ ، ويحك ، لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير ، ما ظنّك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة
الفجر فلا يرفع رأسه إلَّا عند الزوال « 1 » ؟

وعن الفضل بن شاذان : أنّه دخل على محمّد بن أبي عمير وهو ساجد ، فأطال السجود ، فلمّا رفع رأسه ذكر له الفضل طول سجوده ، فقال : كيف لو رأيت جميل ابن درّاج ؟ ثمّ حدّثه أنّه دخل على جميل بن درّاج ، فوجده ساجدا فأطال السجود جدّا ، فلمّا رفع رأسه قال له محمّد بن أبي عمير : أطلت السجود ؟ فقال : وكيف لو رأيت معروف بن خربوذ « 2 » ؟

ونقل الفضل بن شاذان ما مثاله : أنّ الحسن بن عليّ بن فضّال كان أعبد أهل عصره وأطول سجودا من غيره « 3 » .
إيّاك والتعجّب ممّا ذكر أو يذكر في هذ الأمر ؛ لأنّ المحبّ يلتذّ بمناجاة محبوبه ، وأقرب الحال هو السجود المتجلَّي فيه التذلَّل المستلزم للرقي .

شاهد أيضاً

حقائق لم تُروَ عن السلوك العلمي والتنفيذي لآية الله السيد مجتبى خامنئي؛ الجزء الأول

حقائق لم تُروَ عن السلوك العلمي والتنفيذي لآية الله السيد مجتبى خامنئي؛ الجزء الأول إن …