105 – وحدثني رجل من قريش أن إيادا ملكت تهامة . ثم إنّ ولد مضر وخزاعة قويت عليها ، فأخرجتها . فدفنت إياد الركن . وعرفت موضعه امرأة من خزاعة ، فقالت لقومها : خذوا عليهم العهد أن يولوكم حجابة البيت على أن تدلَّوهم على الركن . ففعلوا . فبهذا السبب وليت خزاعة الحجابة . 106 – وحدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن ابن خربوذ وغيره ، قالوا : كانت قريش قبل قصى تشرب من بئر حفرها لؤيّ بن غالب خارج مكة ، ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال ، ومن بئر حفرها مرّة بن كعب مما يلي عرفة . فحفر قصى بئرا سماها العجول . وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة . وفيها يقول بعض رجاز الحاج : تروى على العجول ثم تنطلق * أنّ قصيا قد وفى وقد صدق بالشبع للناس وريّ مغتبق [ 2 ] وقال آخر : آب الحجيج طاعمين دسما * أشبعهم زيد قصى لحما ولبنا محضا وخبزا هشما وكان قصى ربما أطعم الثريد . 107 – وقال ابن الكلبي : لما قسم قصى مكة ، أنزل جميع قريش مكة . ثم إنّ بنى كعب بن لؤي لما كثروا ، أخرجوا بطونا من قريش إلى ظواهر مكة ، فسموا قريش الظواهر . ويقال إنّ قصيا أنزل قريش البطاح داخل مكة ، وأنزل قريش الظواهر مكانهم . 108 – قالوا : ولما قسم قصى مكة خططا ورباعا بين قريش ، فاتسقت له طاعتهم ، قال لهم : « يا معشر قريش ، إنكم جيران الله وسكان حرمه ، والحاج ضياف الله وزوّار بيته ، فترافدوا ، حتى تصنعوا [ 1 ] لهم طعاما وشرابا في أيام الحج ، ينال منه من يحتاج إليه ، فلو اتسع مالي لجميع ذلك ، لقمت فيه دونكم » . ففرض خرجا للرفادة . فكانوا يخرجونه ، ويأمر بإنفاقه على طعام الحاج وشرابهم . 109 – وبنى قصى داره ، فسميت دار الندوة لأنهم كانوا ينتدون فيها فيتحدثون ويتشاورون في حروبهم وأمورهم ، ويعقدون الألوية ، ويزوّجون من أراد التزويج . وكان أمر قصى عند قريش دينا يعملون به ولا يخالفونه . ولما مات ، دفن بالحجون . فكانوا يزورون قبره ويعظمونه . 110 – وروى أن قصيا قال حين أراد إدخال قريش مكة [ 2 ] : فلست بحازم إن لم تأثّل * بها أولاد قيدر والنبيت يعنى ولد إسماعيل عليه السلام . وقوله « بها » ، يعنى مكة . 111 – وولد قصى – ويكنى أبا المغيرة – عبد مناف ، واسمه المغيرة ، وكان يدعى « القمر » لجماله . وجعلته أمه حبّى بنت حليل خادما لمناف ، وهو أعظم أصنامهم عندهم ، تدينا بذلك وتبركا به . فسماه أبوه « عبد مناف » . وزعموا أنه وجد كتاب في حجر : « أنّ المغيرة بن قصي أوصى قريشا بتقوى الله ووصلة الرحم » وكان عبد مناف وعمرو بن هلال بن معيط الكناني عقدا حلف الأحابيش . والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وبنو المصطلق من خزاعة ، وبنو الهون بن خزيمة وكانوا مع قريش . فقال الشاعر : إنّ عمرا وإنّ عبد مناف * جعلا الحلف بيننا أسبابا وعبد الله بن قصي ، وهو عبد الدار ، وعبد العزى ، وعبد قصى . وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي . فكان قصى يقول : ولد لي أربعة بنين ، فسميت ابنين منهم بإلهى ، وواحدا بداري ، وواحدا بي . وكان يقال لعبد بن قصي عبد قصى . وهند بنت قصى ، تزوجها عبد الله بن عمار الحضرمي . 112 – وكان قصى شديد الحب لعبد الدار . وكان / 23 / عبد الدار مضعوفا . فجعل له بعده دار الندوة ، والحجابة ، واللواء ، والرفادة ، والسقاية . فأما دار الندوة فلم تزل له ولولده ، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، من [ 1 ] معاوية بن أبي سفيان ، فجعلها دارا للإمارة بمكة . وأما الحجابة ، فكانت له ، ثم صارت بعده إلى عثمان بن عبد الدار ، ثم إلى عبد العزى بن عثمان ، ثم إلى ابنه أبى طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى ، ثم إلى طلحة بن أبي طلحة . فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، أراد دفع المفتاح إلى عمه العباس . فأنزل الله عليه : « إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها » الآية [ 2 ] . فدفع المفتاح إلى عثمان بن ( طلحة بن ) [ 3 ] أبى طلحة ، وكان أسلم في صفر سنة ثمان ، وأقام بالمدينة وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم مكة . ثم قام بالحجابة ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة . فالحجابة فيهم . وأما اللواء ، فإنه لم يزل في بنى عبد الدار حتى كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي . وكان لواء المشركين يوم أحد أيضا مع طلحة بن أبي طلحة ، فقتله علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال الحجّاج بن علاط [ 4 ] : للَّه درّ مذبّب عن حرمة * أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك لهم يعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة بازل فكشفتهم * بالسيف إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن * لتردّه حرّان حتى ينهلا ثم أخذ اللواء بعده أخوه أبو سعد بن أبي طلحة ، وقمن النساء خلفه وهن يقلن : ضربا بنى عبد الدار * ضربا حماة الأدبار فقتله سعد بن أبي وقاص . ثم أخذه عثم [ 1 ] بن أبي طلحة ، وهو أبو « شيبة ابن عثمان » ، وجعل يقول [ 2 ] : إنّ على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو تندقّا فقتله حمزة بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه ، ضربه ضربة بدا منها حقوه . ثم رجع وهو يقول : « أنا ابن ساقى الحجيج » . ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة ، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري . ثم أخذه أخوه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة . فرماه عاصم بن ثابت الأوسي أيضا ، فقتله . فلما أحس بالموت ، دفع اللواء إلى أخيه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة ، فرماه قزمان حليف بنى ظفر من الأنصار فقتله . فأخذه الحارث . ابن طلحة بن أبي طلحة ، فقتله قزمان أيضا . وكان قزمان منافقا ، فقاتل حمية . ثم أخذ شرحبيل بن هاشم ، ويقال هو عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار ، فقتله مصعب بن عمير . فأخذ اللواء منه زرارة بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار ، وبعضهم يقول يزيد بن عمير . فقتله قزمان . ثم أخذه قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار ، ويقال قاسط بن شريح ابن هاشم بن عثمان بن عبد الدار . فقتله قزمان . ثم أخذه مولى لهم ، يقال له صواب ، حبشي . فقطعت يمينه ، قطعها قزمان . فأخذه بيساره ، فقطعت . فالتزم القناة وهو يقول : « أعذرت يا بنى عبد الدار » . يريد أعذرت يا بنى عبد الدار ، وكان أعجميا . فرماه قزمان ، فقتله . ووقع اللواء ، وتفرق المشركون . فأخذته عمرة بنت الحارث بن علقمة بن زرارة بن عبد مناف بن عبد الدار . فقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري [ 1 ] : / 24 / عمرة تحمل اللواء وولَّت * عن صدور القنا بنو مخزوم لم تطق حمله الزعانف منهم * إنما يحمل اللواء الكريم فلما أسلم بنو عبد الدار ، قالوا : يا نبي الله ، اللواء إلينا . فقال صلَّى الله عليه وسلم : الإسلام أوسع من ذلك . فبطل اللواء . ولما قتل مصعب بن عمير ، ومعه لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذ اللواء ملك [ 2 ] ، تشبه بمصعب حتى دخل المدينة . ويقال أخذه أبو الروم [ 3 ] أخوه ، وكان من مهاجرة الحبشة ، فدخل به المدينة . وقال حسان بن ثابت [ 4 ] : فخرتم باللواء وشرّ فخر * لواء الكفر ردّ إلى صواب جعلتم فخركم جهلا وجبنا * لألأم واطئ عفر التراب 113 – وأما الرفادة والسقاية ، فإنهما لم تزالا في حياة قصى إلى عبد بن قصي . ثم صارتا إلى عبد الدار بن قصي ، حتى عظم شأن بنى عبد مناف بن قصي . فقالوا : نحن أولى بما يتولاه بنو عبد الدار منهم . فجمعوا من مال إليهم وعرف فضلهم . وهم بنو أسد بن عبد العزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرّة بن كعب ، ومن كان داخل مكة من بنى الحارث بن فهر وهم قوم أبى عبيدة بن الجرّاح . وأتوا بإناء فيه طيب ، فغمسوا أيديهم فيه ومسحوها بالكعبة ، وتحالفوا أن لا يسلم . بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة . ويقال إنهم تحالفوا وتعاهدوا في منزل ابن جدعان . فسموا المطيّبين . وحالف بنى عبد الدار ، على منع المطيبين من بغيتهم وإرادتهم : بنو مخزوم ، وبنو جمح ، وبنو سهم ، وبنو عدى بن كعب . واجتمعوا . فقالت بنو عدى : إنما الطيب لربات الحجال . وأتو بجفنة فيها دم ، فغمسوا أيديهم فيها . وكانت العرب إذا تحالفت ، غمست أيديهم في الملح والرماد . فسمى بنو عدى بها لعقة الدم ، ( و ) ولغة الدم . ويقال إنّ بعضهم لعق من الدم . فيقال إنّ الفريقين من المطيبين والأحلاف اقتتلوا ، ثم اصطلحوا على أن جعلت الرفادة والسقاية لبنى عبد مناف . ويقال إنهم لم يقتتلوا ، ولكن الرجال سفرت بينهم حتى تراضوا بهاتين المكرمتين . فاحتملت بنو عبد مناف أعظم الأمور مؤنة . وسمى من حالف بنى عبد الدار « الأحلاف » . قال عبد الله بن وداعة السهمي : نحن شددنا الحلف من غالب * وغالب واقفة تنظر لم يستطيعوا نقض أمر رسى [ 1 ] * وهم على ذاك بنا أخبر وزعموا أن عبد الله بن صفوان قال لابن عباس : لإمرة المطيبين كانت أفضل أم إمرة الأحلاف ؟ فقال : إمرة المطيبين . يعنى خلافة أبى بكر أفضل من خلافة عمر . وقال عمر بن أبي زمعة ، ويقال يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، ويقال ابن قيس الرقيات [ 2 ] : ولها في المطيّبين جدود * ثم نالت ذوائب الأحلاف إنها بين عامر بن لؤي * حين تدعى وبين عبد مناف يشرئبّون في الذؤابة حلوا * حيث حلت ذوائب الأشراف 114 – قالوا : ولما كان يوم أحد ، أتى زيد بن الخطاب ، أخو عمر ، أبا جهم بن حذيفة بن غانم . فقال له أبو الجهم : أنا والغ الدم . فقال له زيد ، قد أتاك والغ مثلك .