الرئيسية / بجوث اسلامية / شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين8

شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين8

وعجزهم هذا يجب أن يدلهم على اللجأ إلى القوي العزيز الذي دبر هذا
الخلق . ولكنهم ( لكلمة قالها حيوان أبكم ) جعلوا ما يدل على عظمة الخالق
وتدبيره وحكمته دليلا على نفي وجوده .

قال ( كارل ماركس ) وما أكثر هذيانه ، وما أبعده عن القول بدليل
وبرهان ، وما أعجزه عن أن يدعم قوله بحجة ؟ : ( إن الناس يظنون أن لهم
خالقا ، وما علموا أن هذا الخالق الموهوم مخلوق أوهامهم وخيالاتهم ،
وذلك أنهم لما عجزوا عن الوقوف أمام الحوادث الطبيعية توهموا لأنفسهم
خالقا يلجأون إليه فيسكنوا به روعهم ، وهذا الخالق هو مخلوق أوهامهم ) .
وتبعه على هذا القول ( إنجلز ) و ( لينين ) و ( ستالين ) وغيرهم ، ولم يطالبوه
ببرهان على قوله .

وسمع الرعاع السذج الإغرار هذا القول فدانوا به ، وعلى هذا انتشرت الشيوعية الإلحادية بين هؤلاء الأنعام المنكرين للمحسوسات .
إن المؤمنين رأوا الحكمة والتقدير والعظمة في الخلق كله محسوسا ،
فقالوا : بأن لها خالقا قادرا عالما مديرا ، فلم يقولوا إلا عن حس ووجدان
لا عن خوف أو ذهول ، والذاهل المرعوب من التجأ في تعليل ما يشاهده من
آثار الحكمة والتدبير والقصد إلى لفظ مجهول عار عن كل معنى معقول . وهو
( الصدفة ) .

نعم إن المؤمنين رأوا عظمة هذه الخليقة ، وأن الأرض أصغرها ، فسمت
عقولهم عن أن ينسبوا تدبيرها إلى غير مدبرها ، وأبت أفهامهم أن ينزلوا الله
من عظمته إلى درجة لا تليق بمقامه . ولكن عباد الرجال حرموا هذا التميز .
العقلي ، فجعلوا الصدفة هي المدبرة لهذه الكائنات . – سفها لهذه العقول – .
ألا يحق لهذا العظيم القدير أن يهلك من أنكر عظمته وقدرته ، فيأتيهم
العذاب بغتة وهم لا يشعرون ، فيهلك كل متنفس عليها وتبيد هي بأهلها .
ما شأن من تجرأ على جبار السماوات والأرض الذي من عليه بالنعم
الكثيرة ، فأنكرها وأحل الصدفة محلها ( وهي اللفظ المجهول المعنى ) .

أليس من يقف على معمل دقيق ، يرمى بالجنون إذا قال : إنه كون
بالصدفة وليس من عمل قاصد مريد قادر عالم ، علم الغاية فدبر لها ما يوجدها
بقدرة ؟ ! فكيف بمن وقف على المعمل الدقيق العجيب الصنع ، البديع
الغريب المتقن في بدن كل إنسان ، ثم يحكم أن ذلك وجد لا عن قصد وإرادة
وعلم ، بل بالصدفة .

إن كانت هناك صفة أنكى من الجنون ، أو حالة أشد بهمة من الظلمة ،
يجب أن ننسبها لأولئك الذين سموا أنفسهم علماء وحكموا بهذه الآراء السخيفة
التي يردها الوجدان قبل البرهان ، والحس قبل الحدس .
كيف ينكر صنع الله تعالى وتدبيره وتقديره وإرادته في بدن الإنسان ؟
وفية ألوف الملايين من الدلائل على الإرادة والقصد لوجود الأعمال الغائية في
أدق أجزاء هذا البدن .

إن الدم يشتمل في كل بدن على ما يزيد على ( 400 ) ألف مليون
كرية حمراء وبيضاء ، وإن كل كرية بأعمالها الدقيقة تدل على إرادة مكونها
حيث قصد من الكرية الحمراء نقل ( الأوكسجين ) من الفضاء – بواسطة التنفس
إلى البدن ، ودفع ما تخلف في البدن من ثاني ( أوكسيد الكاربون ) إلى الخارج
وكل كرية من الكريات البيض مستعدة لأن تصطف مع أخواتها ، وتنظم
أفواجا وتشكل جيشا جرارا داخل البدن لمحاربة ما يهاجمه من عدو داخل أو
خارج ، كمرض أو سقطة أو ضربة أو غيرها . . .

ففي كل كرية دلالة واضحة على الإرادة والقصد من مكونها .
وإذا كان في الدم ( 400 ) ألف مليون كرية ، ففي الدم وحده ( 400 ) ألف مليون دليل قاطع لا يقبل الرد على الإرادة والقصد لمكونه .

مضافا إلى ما في الدم من أجزاء أخر من الأملاح و ( الهيموغلوبين )
و ( البلازما ) وغيرها التي يتكون منها الدم الذي تدوم به أعمال الحياة في البدن
وإذا نظرنا إلى الجهاز الهضمي وأعماله الدقيقة ، من منبت الأسنان إلى
فضاء الفم ، إلى الحلقوم والمري ، إلى المعدة والاثني عشري ، إلى الكبد
والمرارة والمعاء والكليتين والطحال . نجد في كل مرحلة من مراحل الهضم ،
مئات ألوف الملايين من الأدلة على الإرادة والقصد وإتقان الصنع ، وبديع
الخلق ودقيق الحكمة ، في خالق هذه الأجزاء ومكونها . ومع هذه الأدلة
القاطعة ، كيف يقنع الإنسان نفسه ويرضى لها أن تنكر هذه الدلالات
الواضحة . . اللهم إلا من نسي نفسه .

وأولئك الذين أخبر الله تعالى عنهم ، ونهى الناس أن يكونوا منهم ،
وذلك بقوله في سورة الحشر : ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم
وأولئك هم الفاسقون ) .

 

https://t.me/wilayahinfo

 

شاهد أيضاً

أأُسقى نميـرَ المـاءِ ثـمَّ يلـذُّ لي ودوركم آل الرسـول خَـلاءُ ؟

الشريف المرتضى قال يذكر مصرع جده الحسين عليه السلام : أأُسقى نميـرَ المـاءِ ثـمَّ يلـذُّ ...