شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين26

وقال الماديون : إن الإنسان كالحيوان ، ولا فرق بينهما إلا أن هذا يمشي
على أربع ، وذاك على رجلين . كلا ، ثم كلا ، إن الإنسان يعلو على
الحيوان ، ويسخره لصالحه بدليل أنه يحتج بالمنطق السليم على من ساوى بين
الاثنين ، أما الحيوان فلا علم لديه ولا هدى ولا كتاب منير ) . ( 1 )
هل حدوث الروح قبل الجسد
أنكر فريق من الحكماء والمتكلمين حدوث الروح قبل الجسد ، زاعمين
أن حدوثها مع حدوث الأجساد . وسيمر عليك تصحيحه من طريقي العقل
والسماع الديني .

قال العلامة الشيخ ( محمد جواد الجزائري ( ره ) ( هذا شروع في تصحيح
مسألة وجود الأرواح قبل الأبدان من طريق النظر والقياس .
وقد صححناها من طريق الأصل الشهير بين الحكماء بقاعدة إمكان
الأشرف المبني على أساس امتناع صدور الكثرة عن الواحد ، ومفاده أن الممكن
الأشرف يجب أن يكون أقدم في مراتب الوجود من الممكن الأخس ، وأنه إذا
وجد الممكن الأخس فلا بد أن يكون الممكن الأشرف منه قد وجد قبله .

ومن الواضح انطباق ذلك على مسألتنا ، لأن نشأة النفس الناطقة قبل
البدن وفي مطاوي الغيب أقدم صدورا من المبدأ الأول وأقرب إليه من نشأتها
الطبيعية ، وأبعد عن المادة العنصرية ونقائصها وقصوراتها ، فهي أشرف وأقوى
وجودا . ولما كانت ممكنة ( لما عرفت ) وجب حصولها قبل الأخص ، وإن شئت
قلت النفس الكاملة في التجرد أشرف ذاتا وأقوى وجودا من النفس المجردة
المتعلقة بالبدن ، لأنها أبعد عن نقائص المادة وقصوراتها وأقدم صدورا من
المبدأ الأول . فإذا وجدت الثانية وقد أمكنت الأولى وجب حصولها قبلها .

وحاصل ما ذكره الحكماء من البرهان على هذا الأصل مع زيادة
إيضاح : أنه لو وجد الأخس ولم يوجد الممكن الأشرف قبله ، تمحل الأمر
ولزم إما خلاف المقدر أو جواز صدور الكثير عن الواحد أو الأشرف عن الأخس
أو وجود جهة أشرف مما عليه المبدأ الأول ، لأن وجود الأخس إن كان بواسطة
لزم الأول ، للزوم كون العلة أشرف من المعلول وأقوى ، وإن كان بغير واسطة
وجاز صدور الأشرف عن المبدأ الأول لزم الثاني ، لامتناع صدوره بواسطة
الأخس لما تقدم ، – وإن جاز عن معلوله لزم الثالث لانحصار الواسطة في
الأخس – وإن لم يجز صدوره عنهما لزم الرابع لفرض إمكانه ، والممكن لا
يلزم من فرض تحققه محال ، وإلا لم يكن ممكنا وهو خلاف الفرض .

فإذا فرض وجوده وليس بصادر فرضا عن المبدأ الأول ، ولا عن معلولاته
استدعى ذلك الوجود جهة مقتضية له أشرف مما عليه المبدأ الأول ، حتى يكون
عدم وجوده لعدم علته ، وإذا بطل التالي وامتنع سوقه على أقسامه بطل المقدم
ولزم صدق الشرطية المذكورة المفيدة لقاعدة إمكان الأشرف .

ولا يلتبس عليك الأمر إذا لاح لك في كتب الفلسفة ، الفصل المعقود
لتحقيق حدوث النفوس البشرية ، أو رأيت من الشفا ( للشيخ الرئيس ) قوله :
( إن النفس الإنسانية لم تكن قائمة مفارقة للأبدان ، ثم حصلت في البدن )
وقوله فيها أيضا : ( فقد صح إذا أن الأنفس تحدث كما تحدث مادة
بدنية صالحة لاستعمالها إياها ) . فإن موضوع قضيتهم النفوس الناطقة المتعينة
بهذه التعينات الجزئية ، التي بها تلمس وتشم وتسمع ، ولا شك في حدوثها
بحدوث البدن .

وموضوع مسألتنا النفوس المتشخصة بنحو آخر من الوجود ، لما تقدم
لك من أن للنفس الناطقة مع بساطتها نشآت جوهرية متفاوتة وأنحاء من الكون
بين سابق ولاحق ، وليس لها كون محدود الهوية . واستعداد البدن شرط للنحو
السافل من وجوداتها وليس شرطا لكمال هويتها وتمام وجودها ، وإلا لزالت
بزواله واللازم باطل ، لما سيمر عليك من البراهين العقلية والآيات الكريمة
والأحاديث المأثورة الدالة على وجودها بعد البدن .

وحري بمن أذعن بإبقاء النفوس الناطقة المتصرفة بالبدن واتصالها بالعالم
الأعلى على ما هي عليه من دون تجدد وإيجاد ، أن يذعن بمسألتنا ، لأن حال
الإعادة كحال الابتداء في صعوبة الدرك وسهولته ، فإذا صح أحدهما صح الآخر
ويمكن الإشارة إلى هذه المقايسة بقوله تعالى : ( كما بدأنا أول خلق
نعيده ) وقوله تعالى : ( كما بدأناكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم
الضلالة ) وقوله : ( هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) .

ومن تتبع الكتب الأساسية لسير الحكمة يجدها مشبعة بما ذكرناه من أن
للنفس الناطقة كينونة قبل البدن ووجودا في العالم الأعلى وهبوطا منه إلى عالم
الطبيعة . ويمكن الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى : ( إهبطوا بعضكم لبعض
عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) . وبالأحاديث النبوية منها
قوله ( ص ) : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) وقوله : ( نحن السابقون
اللاحقون ) وقوله : ( إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ) .

ويقول سيد الوصيين علي بن أبي طالب ( ع ) : ( رحم الله امرأ عرف من أين
وفي أين وإلى أين ) فإن قوله : ( من أين ) إشارة إلى حال النفس قبل عالم
الجسم . والأحاديث الواردة في ذلك عن أئمتنا المعصومين كثيرة .
قال صاحب ( الأنوار النعمانية ) : ( الأخبار الدالة على أن الروح
مخلوقة قبل البدن بألفي عام أو أكثر على ما وردت به الأخبار ، مستفيضة بل
متواترة حتى لا يبقى الريب في تقدمها ) . وعلى ذلك ينزل قول الشيخ الرئيس
في قصيدته الشهيرة :
نزلت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تعزز وتمنع ) ( 1 )

 

https://t.me/wilayahinfo

 

شاهد أيضاً

نجحوا في اغتيال السيد نصر الله وفشلوا في اغتيال السيد مجتبى خامنئي ..

نجحوا في اغتيال السيد نصر الله وفشلوا في اغتيال السيد مجتبى خامنئي .. علي الموسوي/ …