الرئيسية / من / قصص وعبر / قصص من مركز الأبحاث العقائدية 13

قصص من مركز الأبحاث العقائدية 13

( 13 ) تأنيا بولينغ
( مسيحية / ألمانيا )
الأخت تأنيا المانية الأصل ( 1 ) ، تشرّفت عام 1999 م باعتناق الدين الإسلامي الحنيف المتمثّل بخط أهل البيت ( عليهم السلام ) ، متحوّلة من الديانة المسيحية في عمر ناهز الاثنين وعشرين عاماً ، بعد مدّة طوتها – حسب قولها – في الضياع وجهل الذات إلى أنّ أخذ الله بيدها وانتشلها من قعر الظلمات ليرفعها إلى حيث سناء النور .
مرحلة الضياع الفكري :
كانت الأخت تعيش في أجواء تصفها بنفسها : ” كنّا يومئذ نعيش سوية بعضنا إلى جنب بعض ، لكن بحالة لا يبالي فيها أحدنا بالآخر ، وكان الكل يحيا لنفسه ومن أجل نفسه ، إذ كنا نتقاسم سوية الوحدة والعزلة ، ولعلّي لا أغالي إن
قلت : أنّ أحدنا لم يكن يعيش حتى مع ذاته التي هجرها ، ولم نكن نمعن النظر حتى في مستقبلنا ! بل لم يجرء أحد على سؤال نفسه : لماذا أحيا ؟ ولماذا ولدت ؟ ومن أين جئت ؟ وإلى أين المصير ؟ .
فكان الكل يهيم على وجهه في طرقات ومنعطفات مظلمة لا يلوي على شئ ، وكنّا جميعاً نتسكّع في أزقة الحياة الغوغائية ، ولا نفكر في مأوى أو دار هنيئة .
و هكذا أمضينا حياتنا في ضياع الغايات ، وضياع الأخلاق والعقيدة والمعنويات ” .
أسباب ترك الدين في الغرب :
كان هذا الأمر في أوائل ردّة الفعل التي حدثت في الغرب إزاء الدين ، نتيجة لتصرفات رجال الكنيسة ، ونتيجة وقوع التحريف في الديانة المسيحية التي فشلت في أداء مهامها ودورها في حياة الفرد والمجتمع المسيحي ، فإنّ رجال الكنيسة وضعوا لمجتمعاتهم قوانين وتشريعات جعلت ديانة المسيح أكثر الأديان السماوية والوضعية تعقيداً ، وعلى خلاف ما جاء به عيسى ( عليه السلام ) الذي قدمها ببساطة .
وظنّ علماء المسيحيّة أنّهم بذلك قد أسسوا بنياناً فكرياً صالحاً لتنظيم حياة الإنسان الفردية والاجتماعية ، لكن بمجرد أنّ وضعت هذه النظريات موضع التنفيذ لم يستقم أمرها فاضطربت وتعثّرت ، ولم يكن من الممكن أن تعيش هذه التعاليم والمبادئ في أرض الواقع ، وكان ثمرتها حصاد الفشل الذريع والوقوع في الكوارث المريرة ، التي أدت إلى نشوء ردود فعل معاكسة إزاءها ، بل إزاء الدين بالكامل ، مما جعل الغرب يعيش حالات الضياع نتيجة رفضه للدين بصورة عامة .
وتقول الأخت تأنيا : ” كان يعيش أكثر من 50 % من الناس ، وأكثر من 60 % من الشباب والشابات في منطقتنا حالة الوحدة ، رغم علاقات الصداقة والرفقة والصلات العائلية والأسرية الظاهرية ، بل أنّ جميع الصلات الإنسانية في شكلها المادي والظاهري من قبيل الترفيه واللهو واللعب وغيرها ، كان لا يطيقها هؤلاء إلاّ لبضع ساعات من ليلهم ونهارهم ، فيما يمضون ما تبقى من عمرهم في غرفة أو شقة منزوين عن الآخرين ” .
بدء الرحلة من الظلمات إلى النور :
عاشت الأخت تأنيا عشرين عاماً في مثل هذه الأجواء ، حتى عثرت بفضل الإسلام الأصيل المتمثل بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) على ذاتها التي فقدتها طيلة هذه المدّة ، فتعرّفت على ربّها بعد أن كانت عنه غريبة .
وكان بدء قصة رحلتها من الظلمات إلى النور : أنّها التقت صدفة في سوق مدينة ” هامبورغ ” بفتاة مسلمة محجبة ، وكانت يومذاك في رفقة عدد من أصدقائها ، وتصف الأخت تأنيا هذه الحادثة بقولها : ” إنني كنت ذلك الحين طائشة كما هو ديدن أية فتاة شابة ألمانية ، فسخرت من حجاب تلك المرأة وحقّرتها لأجل حجابها ، فقلت لتلك الفتاة : أيّ مرض ألّم بك فجعلك تغطين جسدك بهذه الصورة ؟ .
فردت الفتاة المحجبة عليَّ بهدوء وإتزان موحي بالتأمل العميق الذي يدعو إلى الإيمان الواعي المرتكز على الحجة والبرهان ، ودخلت معي في حوار أكّدت لي فيه ، أنّ الستر وحفظ حياء وعفة المرأة دليل على سلامة نفسها ، وأنّ الحجاب يمنح المرأة حرية معنوية يمكنها من صيانة أمنها الاجتماعي ، فيما التعري أمر يخالف الفطرة ” .
وتقول تأنيا : ” لكنني رفضت كلامها جملة وتفصيلا ! ثم انطلقت مع رفاقي إلى شؤوني ، لكنّني بقيت أفكّر لفترة بمنطق تلك الفتاة المحجبة وثقتها بنفسها ، وحرصها على مبادئها ، وسعة إطلاعها ، حتى سنحت لي فرصة دفعني خلالها حبّ الإستطاع أن أذهب إلى مسجد الإمام عليّ ( عليه السلام ) في ” هامبورغ ” ، فتحدثت وتحاورت مع عدد من المسلمين الشيعة الذين اجتمعوا هناك وكانوا من شعوب مختلفة ، فلاحظت فيهم المنطق وقوّة الدليل ، فقوّيت صلتي مع عدد منهم لأتعرف على الحقائق التي كنت أجهلها من قبل ، وبالتدريج أخذ عقلي وروحي يستسلمان وينقادان لأفكارهم وعقائدهم ، حتى وصلت بي الحالة أن بدأت أشعر كأنني مسلمة مثلهم ولا أختلف عنهم في شي ” .
المستشرقون وتشويه الإسلام :
كان من حسن حظ الأخت تأنيا أنّها تعرّفت على الإسلام بصورة مباشرة ، ولم تتعرّف على الإسلام عبر المسيحية التي حاولت اختراق الفكر الإسلامي باتخاذ نهج التشكيك والمغالطة وتشويه الحقائق والافتراء ، لتحريف التاريخ الإسلامي وتشويه مبادئه وثقافته وإعطاء المعلومات المغلوطة عنه تحت عنوان الاستشراق .
فإنّ ما كتبه المستشرقون من دراسات وما قاموا به من رحلات يحتاج إلى قدر كبير من الحيطة والحذر ، فأكثر هذه الإنجازات لم تكن تتسم بصفة الموضوعية ، حيث جاء المستشرقون بأفكار مسبّقة وانطباعات ذهنية شاذّة عن الإسلام والمسلمين ، فطبقوها بشكل لا يخلو من التعسف والتعنت ، فضلا عن أنّهم لم يعايشوا ما كتبوه عن المسلمين ، ولذا غابت عنهم الحقيقة ووقفوا عند ظواهر الأمور .
والمستشرقون تدخلوا بآرائهم وأهوائهم الخاصة ، ففسروا الحوادث وناقشوا النصوص وحلّلوا القضايا على ضوء ذلك ، وقد آلوا على الإسلام من نافذتهم ، وألقوا عليه ظلالهم لتغيير معالمه الأصيلة ، ولذلك خلطوا بين الإسلام كدين قويم وبين الوضع المتردي للمسلمين ، فحكم بعضهم – مثل كيسلنج – على الإسلام بأنّه دين ميّت ! .
وإنّ هذا الانطباع الذي حملته ذهنية المستشرقين نابع من التعصب الشديد ضد الإسلام ، إذ لا يشك المتأمل في الارتباط بين الإستشراق والتنصير هو ارتباط جذري ، إلاّ أنّ الفرق بينهما هو أنّ الاستشراق أتخذ صورة البحث والتحقيق العلمي ، في حين أنّ التنصير أتخذ المظهر الإنساني المرتبط بالله – حسب النظرية المسيحية – فمراحل الاستشراق لم تكن خالية من الرهبان والقسس ، ولم تكن منفصلة عن رعاية الكنيسة ! حيث أنشأوا المراكز والمعاهد لأجل ذلك وفق خطّةٌ منهجية ومبرمجة كان الغرض منها توظيف العقيدة والتاريخ والثقافة و . . . الإسلامية لخدمة أغراضهم المشبوهة ( 1 ) .
فماذا ينتظر من أناس يحملون هذه الأفكار ، عندما يعرضون ديننا على العالم ! ! .
ولكن رغم هذا الكم الهائل من التيارات المعاكسة التي واجهها الإسلام ، اخترق الكثير من المسيحيين هذا الحاجز ، لأنّهم واجهوا في أذهانهم أسئلة حائرة تحتاج إلى جواب مقنع لم تمنحها النصرانية فصل الخطاب ، وكان الإسلام هو
المنقذ لمثل هذه النفوس .
القيم الإسلامية الرائعة :
تقول الأخت تأنيا : ” وممّا استحوذ على إهتمامي في الإسلام ، هو العلاقة المعنوية للمسلمين مع ربّهم ، وعلاقتهم الصميمية فيما بينهم وأفراد أسرهم وتوادهم ، ووجود الهدفية في الحياة عندهم ، وتضامنهم الذي لا يعرف حدوداً ، سواء على الصعيد العنصري أو القومي أو الإنتماء الجغرافي ، إضافة إلى تمسكهم بدينهم واعتقادهم الراسخ بالقضايا العقائدية ” .
وتضيف الأخت : ” إنّ المسلمين أخذوا هذه الأمور من الإسلام نفسه ، وهم يمارسون حياتهم اليومية إلى حد ما وفق ذلك ، وبالطبع فإنني لو كنت قد إلتقيت بمسلمين غرباء عن دينهم وإسلامهم لما كنت قد ركنت إلى الإسلام ” .
دور أهل البيت ( عليهم السلام ) في صيانة الإسلام :
قد نشأت في نفسية الأُخت تأنيا جاذبية فائقة إلى مطالعة الكتب الفكرية والعقائدية للإسلام ، فقرأت القرآن أوّلا ، ثم أحاديث الرسول وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وكان في مطالعتها لأحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) دوراً كبيراً لتنمية رصيدها الإيماني ، واستيقاظ عقلها وقلبها وإشراق وجهها بنور الإيمان ، وذلك لما تمثّل هذه الأحاديث من مدرسة فكرية تعتني بالبناء الفكري الذي طرحه أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بكل صدّق وإخلاص وعمق ودراية ، لمعالجة مشاكل الإنسان وتعميق وعيه الديني .
فكان هدف مدرسة أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الفكرية ، توعية القاعدة الشعبية بالفكر الإسلامي الأصيل ، من أجل تهيئة الفرد المسلم لتحمّل المسؤولية ، ومن هنا
تصدى أهل البيت ( عليهم السلام ) لتبيين حقائق القرآن الكريم ونشر علوم الشريعة ، فحفظوا بذلك للأُمة الإسلامية تراثها من الضياع ، ورسموا معالم المنهج الإلهي الذي أرسى دعائمه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قولا وعملا .
ولولا جهود أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) لضاع الكثير من الأحاديث ، واندرست معالم جانب كبير ومهم من الشريعة ، نتيجة تلاعب أيدي حكام الجور الذين تولّوا الخلافة ، ولكن شاءت الحكمة الإلهية أن تضع حفظة للشريعة لصيانة التراث على مرّ العصور وإيصاله إلى الأجيال القادمة ، ولتكون الأمة على بيّنة من دينها ، ولهذا نجد أنّ التراث الفكري الذي حافظ عليه أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ساهم في بناء حضارة فكرية إسلامية متكاملة منسجمة مع فطرة الإنسان ، بحيث ارتوت منها النفوس المتعطشة التي تبحث عن السعادة والكمال كما حصل مع الأخت تأنيا ، فإنّها وجدت في ظل هذه التعاليم الأمن والسكينة الروحية التي كانت تفقدها من قبل ، وقد وصفت حالتها بعد إعتناقها لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) قائلة :
” إنني اكتسبت من القرآن وأحاديث الرسول وأهل البيت ( عليهم السلام ) كل ما يتمناه المرء في دينه ، ولو أنّني فقدت وخسرت كلّ شيء في حالة إسلامي ! لكنني في مقابل ذلك وجدت نفسي وكسبت ذاتي ، فقد كنت أجد كل شئ إلاّ الله ! ومع ذلك كنت أشعر بالضياع والحيرة .
واليوم وبعد أن عثرت على ذاتي التي فقدتها منذ عشرين عاماً وعرفت ربّي الذي كنت عنه غريبة بالمرّة ، حصلت على كل شئ ، بل وكل ما أريد بفضل الإسلام .
فحصلت على الحرية المعنوية ، كما حصلت على إخوة وأخوات في الله في كل مكان ، في هامبورغ وألمانيا ، بل في العالم قاطبة ، والأهم من كل ذلك أنني
عثرت فيما عثرت عليه رسالة الله إلى الإنسانية ، التي بعثها منذ قرون متمادية ، وعثرت عليها في خزانة كنوز التاريخ ، فأخذتها وكانت أعظم رأس مال في حياتي .
أجل لقد طويت ليل العشرين عاماً من عمري عبر طلوع فجر يوم جديد ، بحيث منحتني شمس الإسلام الدفء ، وبعثت في نفسي النشاط والحيوية بعد سبات شتائي طويل امتد لسنوات طوال ” .
ثم تصف الأخت تأنيا حالها مع الآخرين ولا سيما مع عائلتها بعد تشرفها بالإسلام قائلة : ” أمّا أنا فعلى الرغم ممّا أعيشه من وحدة ظاهرية ومشاكل كثيرة مع عائلتي بسبب تشرّفي بالإسلام ، إلاّ أنني لا زلت أعيش مع والدي ووالدتي ، وبالطبع كانت فيما بيننا طيلة هذه الفترة مساجلات ونقاشات عديدة ، لكنهما أدركا أنني جادة في انتمائي للإسلام ، وهو ما قلل إلى حدّ كبير شدّة النزاعات فيما بيننا ، وأضحى والدي ووالدتي يستحسنان في واقع الأمر أخلاقي وشخصيتي الإسلامية على نحو هو أفضل مما كانت عليه تصرفاتي في السابق ” .
وبهذه العزيمة الراسخة والإرادة المتينة تمكّنت تأنيا من إجتياز الكثير من العقبات التي اعترت طريقها إلى الإسلام ، وذلك بفضل إرتقاء مستواها الفكري الذي اكتسبته من معارف مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتمكنت من الصمود أمام التيارات المعاكسة ، وتثبت جدارتها في ميدان العمل لتكون نموذجاً لكل إنسان حرّ متمسّكاً بمبادئه لا تأخذه في الله لومة لائم .

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية