الرئيسية / الاسلام والحياة / هذه هي الوهابية – محمد جواد مغنية

هذه هي الوهابية – محمد جواد مغنية

بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد
وآله وصحبه الطاهرين .
وبعد :
فإني ما فكرت آنا أن أبحث ، وأنقب في كتب الوهابية ، لأضع فيها كتابا خاصا
كهذا ، وما كنت لأستطيع ، لو فكرت واردت وحاولت . . ذلك أن الإرادة ، أو
المعرفة ، أو هما معا لا يثمران كتابا ، بل ولا مقالا ما لم يتدخل عنصر ثالث بصورة
فعالة – أقول هذا بالنسبة إلي – وهذا العنصر هو التجاوب بيني ، وبين الموضوع ،
وبالأصح بيني وبين الكتابة في الموضوع .
ومتى حصل هذا التجاوب كتبت بسهولة ويسر – وربما كان هذا سر الانتاج
السريع ، وإلا كنت كالذي يعصر الرمال والتراب . . وما دمت لا أملك من أمر هذا
التجاوب كثيرا

ولا قليلا فأنا – إذن – في جميع ما كتبت ، وما سأكتب مسير لا مخير ، حتى ولو
توفرت في الإرادة والمعرفة ، لأن النتيجة تتبع أضعف المقدمات .
وقد حصل هذا التجاوب تلقائيا بيني وبين الكتابة في هذه الموضوع بعد أن
سافرت إلى الحجاز ، وأديت المكتوبة ، واجتمعت بعلماء الوهابية ، ودار بيننا ما
سجلته في فصل ” مع علماء الوهابية ” من هذه الصفحات .

وأول كتاب قرأته في هذا الموضوع هو كتاب ” كش الارتياب في أتباع محمد
عبد الوهاب ” للمرحوم السيد محسن الأمين ( 1 ) وكنت طالبا في النجف الأشرف ،
وقد مضى على ذلك 35 عاما ، أو تزيد . . وارتاع الوهابيون يومذاك من هذا
الكتاب ، وضاقوا به ذرعا ، لأن المؤلف رضوان الله عليه ناقشهم نقاشا علميا ،
ونازلهم بكتاب الله ، وسنة نبيه ، كما أرغمهم على تعديل موقفهم من شيعة
الأحساء والقطيف بعد أن طلب أربعة عشر عالما وهابيا من الملك عبد العزيز أن
يرغم هؤلاء الشيعة على اعتناق الوهابية ، ومن أبى أخرجه من دياره ، ونفاه إلى
حيث يشاء السعودي الوهابي .

وبعد مضي أعوام طوال على قراءتي كتاب المرحوم
الأمين قرأت رسالة التوحيد ، ورسالة كشف الشبهات ، ورسالة شروط الصلاة ،
ورسالة هذه أربع قواعد لمحمد عبد الوهاب مؤسس مذهب الوهابية ، وفي هذه
السنة 1383 ه‍ . صحبت معي من مكة المكرمة كتاب مسائل الجاهلية لمحمد
عبد الوهاب ، وكتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لحفيده عبد الرحمن ، وكتاب
تطهير الإعتقاد من أدران الإلحاد لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ، وكتاب شرح الصدور
بتحريم رفع القبور لمحمد بن علي الشوكاني ، وكان الصنعاني والشوكاني معاصرين
لمحمد عبد الوهاب ، وقد أرشدني إلى هذه الكتب الشيخ سليمان بن عبيد رئيس
قضاة مكة حين قلت له : سأضع كتابا في عقيدة الوهابية ، وسألته عن أوثق
مصادرهم :

وأهم ما يلفت النظر في هذه الكتب هو الحرص الشديد على تكفير أمة محمد
صلى الله عليه وآله وسلم – غيرهم – حرصا بلغ حد الشهوة أو الانتقام ،
فمبدأهم الديني والاجتماعي والسياسي هو : ” أما أن تكون وهابيا ، وأما القتل لك ،
والنهب لأموالك والسبي لذراريك ” .

وما على من يريد التثبت من قولي هذا إلا أن يقرأ في هذه الصفحات ما نقلته
عنهم ، وقد مهدت للقارئ ، ويسرت له طريق مراجعة كتب العقائد عندهم ،
فذكرت اسم الكتاب ، ورقم الصفحة ، وسنة الطبع والإخراج .
ومن ألم بهذه الكتب الصحيحة المعتبرة الموثوقة عند كل وهابي لا يخامره الريب
بأن الهدف النهائي للوهابية هو إبادة
المسلمين إبادة تامة – غيرهم – أو إبادة من يستطيعون إبادتهم ، كمسلمي المملكة
العربية السعودية من غير فرق بين السنة والشيعة ، وأنه لا يروي عطشهم إلا هذه
السياسة الجهنمية . . وما أوقفهم عن محاولة تنفيذ هذه السياسة إلا قوة المسلمين ،
ونقمة الرأي العام في الشرق والغرب ، وقيام الثورات ضد الظلم والتحكم هنا
وهناك ، وإيمان الناس ، كل الناس إلا الوهابية بالحرية في ممارسة الدين والتعبير عنه
بكل أسلوب يريده المتدين .

ومن أجل هذه البواعث ، وهذا الوعي الذي يقضي على كل من يتخطاه
ويتجاهله مال الوهابيون إلى معاملة الحجاج باللين ستة فسنة ، بعد تلك القسوة
والجفوة ، وإلى إلغاء الرق شيئا فشيئا . . لقد تأكدوا – ولله الحمد – أن الرق قد
ذهب أوانه ، وأن الظروف لا تساعد على التعصب والتحكم ، ونحن بنارك هذه
الخطوة ، ونعتبرها هامة جدا في الأوساط الوهابية ، سواء أتخطوها عن طواعية ، أم
عن كراهية ، ونسأل الله سبحانه أن تتبعها خطوات إلى الأمام ، حتى تعود الحرية إلى
سابق عهدها في الحرمين الشريفين ، وفي كل شبر يحكمه الوهابيون .
ومهما يكن ، فإني تكلمت عن عقيدة الوهابية بما هي ، وكما جاءت في
مصادرها ، بصرف النظر عن سياسة الوهابيين ، ومعاملتهم مع الحجاج والزائرين . .

أما الأسلوب الذي اعتمدته للرد على هذه العقيدة وتنفيذها فهو نقض أقوالهم
وإلزامهم بالمحاذير
والمفاسد التي تترتب عليها . . وكنت ابحث وأنقب عن أقوالهم ، وأقارن بعضهما
ببعض ، حتى إذا رأيتها متضاربة متناقضة أعلنت هذا التهافت ، وألزمتهم به ، لقد
حرصت كل الحرص على أن تكون ملاحظاتي ، وردودي أشبه بشباك حيكت من
أقوالهم وآرائهم بالذات ، لا خيط فيها إلا منهم ولهم . . ولم أهتم كثيرا بذكر الآيات
والروايات ، لأنها تكررت في أكثر من تصنيف من الردود على الوهابية . إشارة :
منعت الحكومة السعودية من أراضيها كل كتاب يحمل اسمي ، لا لشئ إلا
لأني أقف لمن كاد ويكيد للإسلام والمسلمين ، ويحقد على الرسول وأهل بيته صلى
الله عليه وآله ويسعى جهده لبث السموم والأوباء في كل بلد توجد فيه رائحة
البترول ، أو مجاور لبئره ومصبه وممره ، ليضمن لأسياده الأمن والأمان ، وهم يمتصون
دماء العرب والمسلمين . . كالجبهان والحفناوي ومحب الدين الخطيب ، ومن إليهم ،
منعت الحكومة السعودية مؤلفاتي ، ولا إشارة فيها لعقيدة الوهابية من قريب أو
بعيد ، فبالأحرى أن تمنع كتابي هذا ، وتحرقه لو استطاعت . . ولا أشك أنها ستستأجر
أعداء الفضيلة والعدل ، وأنصار الرذيلة والظلم للسب والشتم .

ومهما فعلت ، وحاولت أن تفعل فإن اليوم الذي ستشرق فيه شمس الحرية على
أرض الحرمين الشريفين آت لا
محالة ، تماما كما أشرقت على غيرها ، وأن عهد مصادرة الكتب سيزول ، كما زالت
محاكم التفتيش التي كانت تحرق العلماء وكتبهم العلمية .
ولا أدري بأي شئ أفسر منع مؤلفاتي من السعودية ، وكثير غيرها من كتب
الهداية والرشاد ، وإفساح المجال لكتب الخلافة والفساد التي تشجع الفحش
والفجور ، وتنشر الفسق والدعارة ، وتسير بالنشئ إلى الحضيض ؟ . .
زرت مكتبات مكة التجارية ، ولم تفوتني واحدة منها – فيما أعتقد وقلبتها أو قلبت أكثرها ظهرا لبطن ، كعادتي مع مكتبات لبنان ، فلم أر كتابا
للشيعة يباع علانية إلا مجمع البيان ، ومكارم الأخلاق للطبرسي ” طبع مصر ” . .
ورأيت روايات الجنس العاري ، حتى من ” المايو ” تغطي الواجهات ، وتحتل الصدور
من المكتبات التي تحيد بالكعبة الطاهرة المطهرة ، بخاصة المكتبات المقابلة للمسعى
وجها لوجه .

ولا جابه الوهابيين بهذه الحقيقة في الساعة الراهنة كتبت أسماء الكثير منها . .
وهذا بعضها : نساء الليل . . شهر العسل . . امرأة من باريس . . الشريرة . . الخ ، مع
العلم بأني لا أعرف المحتوى والمضمون . . ولكني رأيت على الغلاف صورا لرجال
يفترشون العاريات المثيرات ، مع العناق والقبلات . . فما يخرج المحرم الطائف
العاكف من الكعبة المشرفة المعظمة ، حتى تواجهه هذه المنكرات ،
وصور الفاحشات ، والتي سمحت بها جماعة الأمر بالمعروف لأنها لا تنافي الدين
والآداب . . أما اللمس والتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشرك وإلحاد . .
هذا هو منطق الوهابيين ، وهذي هي سيرتهم . . يطلقون الحرية للأفاعي تنفث
السموم ، حتى عند أبواب الكعبة ، ويسدون نوافذ النور والهداية عن المسترشدين
والتائهين . . ومن يدري ؟ . . لعلهم فسحوا المجال لهذه الروايات والخلاعات ليثبتوا أن
المملكة العربية السعودية قد سبقت الشرق والغرب في مضمار التقدم والحضارة ؟ . .

وبالمناسبة – ولا بأس أن أطيل عليك أيها القارئ على خلاف عادتي لأن تناقضات
الوهابيين كالتسلسل لا آخر له – أقول بهذه المناسبة : أني دخلت ذات مساء إلى
مكتبة بمكة المكرمة ، فرأيت كتاب ” معاوية بن أبي سفيان ” لعمر أبو النصر يعرض
فيها علنا ، وما أن شرعت في الحفر والتنقيب عما أبتغيه من الكتب ، تماما كما يحفر
وينقب الغرب عن الذهب الأسود في السعودية ، حتى وقع بصري على كتاب
” الإمام علي ” للأستاذ جورج جرداق ، وكان صاحب المكتبة قد واره الأنظار . .
وأردت أن أعرف مدى خوفه لو اكتشف الوهابيون جريمته هذه . فأخذت
الكتاب بيدي – وهو لا يعرف من أنا – وقلت له مستنكرا : كيف تعرض هذا
للبيع ؟ . . ألا تعلم أنه ممنوع ؟ . . وأشعرته بأسلوب خفي أني سأشي به إلى الشرطة . .
فنظر إلي بذهول ، وقال : ” إيه إيه ما لو
علي ما لو علي ؟ ” . قلت : ما لو علي . ممنوع علي ، ممنوع علي . . قال : ” إيه بطال
علي ؟ بطال ؟ ” . .

سلام الله عليك يا علي . . وأقسم بمن عظمك وكرمك أنك لو أحببت الباطل
لكان كل كتاب يحمل اسمك العظيم يباع في المملكة السعودية علانية وجهرا ، لا
خفية وسرا ، وبدون أن يخاف البائع والمشتري ، تماما كما يباع كتاب معاوية ابن
آكلة الأكباد .والله سبحانه أن يعصمنا من النصب والمغالاة ، وأن يزيدنا إيمانا به وبجلاله ،
وولاء بالنبي وآله ، عليه وعليهم أزكى التحيات ، وأفضل الصلوات .

 

شاهد أيضاً

فيما يتعلق بالغداة مابين الفجر وطلوع الشمس

(الفصل الأول) فيما يتعلق بالغداة مابين الفجر وطلوع الشمس إعلم أن هذه الساعة من الساعات ...