الرئيسية / شخصيات اسلامية / عجائب شتّى في شخصيّة الإمام عليّ عليه السلام

عجائب شتّى في شخصيّة الإمام عليّ عليه السلام

سيرة الإمام عليّ عليه السلام في الحكم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾9.

ممّا يستحيل نسيانه بخصوص أمير المؤمنين عليه السلام تلك المعالم العمليّة والسلوكيّة الّتي تجلّت خلال البرهة الوجيزة من حكمه عليه السلام على امتداد البلاد الإسلاميّة الشاسعة وخلّدها التاريخ.

إنّ للمراتب المعنويّة والشمائل الأخلاقيّة والشخصيّة الّتي تحلّى بها هذا الرجل العظيم شأناً؛ فلو راجعتم المصادر ستجدون فصولاً مسهبةً تتعرّض

8- كلمة الإمام الخامنئي  دام ظله ، في تاريخ: 13/ رجب/ 1423ﻫ.ق.

9- سورة البقرة، الآية: 207.

 لبيان ملامح أمير المؤمنين عليه السلام ، فعلمه وتقواه وشجاعته وسابقته في الإسلام وزهده وممّا شابه ذلك، كلّها ممّا يفوق مستوى الحصر المتعارف ومن العظمة وممّا يثير الدهشة، وكلّ منها كالشمس الساطعة في بريقها، بَيْدَ أنّ ما أراه يسمو عليها جميعاً هو سيرة هذا الحكيم في الحكم الّتي تعد موضع امتحان جوهريّ، حيث تصبح السلطة بِيَدِ أمير المؤمنين عليه السلام وهي سلطة تمتدّ على بقعة شاسعة في البلاد.

فلتكن هذه السيرة الفريدة من نوعها والّتي تثير الإعجاب قدوة لنا؛ وكلّ المطّلعين على سيرته عليه السلام في الحكم إنّما يتحسّرون أسفاً على قصر مدّة حكمه؛ لأنّ هذا النهج لو قدّر له الاستمرار سنوات عديدة فلربّما تغيّر مسار التاريخ العالميّ، ولو كتب لهذا النموذج الدوام وأصبح في متناول البشريّة سنوات مديدة فلربّما انعطف مصيرها, ولم تبرز إلى الوجود هذه القوى القائمة على الفساد والثروة والشهوة والغطرسة والإجحاف, والّتي شهدها التاريخ, وجرّت البشريّة نحو الظلمات وغياهبها.

إنّ حكومة أمير المؤمنين عليه السلام بمثابة الأسوة على صعيد إقامة العدل والدفاع عن المظلوم ومقارعة الظالم وملازمة الحقّ في جميع الأحوال، ولا بدّ من الاحتذاء بها؛ وهذا ممّا لا يبلى، فبوسعه أن يغدو قدوة في ظلّ جميع الظروف الّتي تمرّ بها الدنيا علميّاً واجتماعيّاً لتحقيق السعادة لبني الإنسان، ونحن لا نريد تقليد ذات النهج الإداريّ لتلك الحقبة, وندّعي أنّه ممّا يخضع للتطوّر الزمنيّ, ونقول باستمرار ولادة المناهج الحديثة يوماً

بعد يوم، بل إنّنا نصبو لاقتفاء أثر المسار الّذي اختطّته تلك الحكومة والّذي حاز الخلود إلى الأبد؛ فالدفاع عن المظلوم صفحة زاهرة على الدوام؛ وعدم مسالمة الظالم، ورفض الارتشاء من المتجبّر الثريّ، والثبات على الحقيقة، كلّها من الأمور الّتي لا ينتابها القدم في الدنيا أبداً؛ ولها شأنها تحت ظلّ مختلف الأوضاع والظروف، وعلينا الاقتداء بها؛ لما تمثّله من أصول، وإنّ ما نطلق عليه الحكم الأصوليّ إنّما يعني الاقتداء بمثل هذه القيم الخالدة الّتي لا تبلى والثبات عليها.

نماذج من حكم الإمام عليّ عليه السلام

وتأسيساً على هذا فإنّني أطرح هذه الأمور أمام الملأ العام مثلما خاطب أمير المؤمنين عليه السلام الأمّة بمثل هذه القضايا؛ فكتبه عليه السلام بالرغم من أنّها كانت موجّهة إلى أشخاص معيّنين, بَيْدَ أنّ الجميع كانوا يطّلعون عليها؛ وكذا الخطب الّتي كان عليه السلام يدلي بها بمرأى من أنظار الأمّة؛ وإليكم نماذج من ذلك:

في مستهلّ حكومته ساوى أمير المؤمنين عليه السلام في تقسيم بيت المال بين الناس؛ لأنّ الأمور سارت على مدى ما يقرب من عشرين عاماً قبل مجيء أمير المؤمنين عليه السلام على تفضيل بعضهم لسابقتهم في الإسلام, أو انتمائهم للمهاجرين أو الأنصار أو… على من سواهم، فكان يجري تقسيم ما يجبى إلى بيت المال من غنائم وزكاة على الأشخاص فرادى، وهكذا جرت العادة في المجال الماليّ يوم ذاك, ولم تكن على ما عليه

المؤسسات الحكوميّة في عالم اليوم، وكان دأبهم يومئذ تفضيل بعض الناس في العطاء، فجاء عليه السلام وألغى ما كان سائداً، إذ قال إنّ من كان متديّناً وأكثر إيماناً فأجره على الله، ومن كان ذا قوّةٍ ويسعى في حياته لكسب المال فله ما كسب، أما بيت المال فإنّني أقسمه بالسويّة. فجاءه بعضهم مشفقاً محذراً من أنّ نتيجة ذلك ستكون الإخفاق وتدفع ببعض الناس إلى الوقوف بوجهك!، فردّ عليه السلام: “أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَالله لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً”10. فأمير المؤمنين عليه السلام يرفض كسب التأييد على حساب الظلم والجور.

وفي موضع آخر يقول في كتابه المعروف إلى عثمان بن حنيف:

“أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُوم إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ”11.

وهنا يشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى ملبسه ومأكله اللّذين كان يشابه بهما أفقر الناس يومها، ويقول أنا إمامكم أعيش هكذا حياة.

ثم يقول لابن حنيف: “أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد”12 ؛ وذاك ما يخاطبنا به أمير المؤمنين عليه السلام اليوم: تجنّبوا المخالفات والذنوب وما كان غير مشروع، واجتهدوا للاقتراب

10- نهج البلاغة: الخطبة 126.

11- م. ن، الكتاب 45 كتبه  عليه السلام  إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و هو عامله على البصرة.

12- م. ن.

 بأنفسكم ممّا وسعكم الوصول إليه.

وفي أحد المواضع يخاطب ابن عبّاس قائلاً: “فلا يكن حظّك في ولايتك مالاً تستفيده ولا غيظاً تشتفيه”13 ؛ أي لا يكن ما تجنيه من ولايتك الّتي بعثناك إليها مالاً أو نقمة تفرغها على واحد من بني البشر، كأن تستغلّ السلطة ضدّ فرد أو فئة أو طبقة نحن على خلاف معها، فذلك ممّا لا يجوز لك، ثمّ يقول عليه السلام: “ولكن إماتة باطلٍ وإحياء حقّ”14 ، أي إنّ نصيبك من هذه الحكومة أن تميت باطلاً أو تقيم حقّاً.

وجاء أحدهم عند أمير المؤمنين عليه السلام يطلب مالاً، فقال عليه السلام: “إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ”15.

هذا هو منطق أمير المؤمنين عليه السلام في تعامله مع مثل هذه الأمور؛ فلقد كان تطبيق العدالة والدفاع عن المظلوم والشدّة مع الظالم أيّاً كان الظالم وأيّاً كان المظلوم مهمّ بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام.

لم يجعل أمير المؤمنين عليه السلام من الإسلام شرطاً للدفاع عن المظلوم؛ فأمير المؤمنين عليه السلام المتمسّك بالإسلام، المؤمن من الطراز الأوّل، أمير

13- بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 4، ص 328.

14- م. ن.

15- نهج البلاغة، الخطبة: 231، من كلام له  عليه السلام  كلّم به عبد الله بن زمعة.

 الفتوحات الإسلاميّة، لم يضع الإسلام شرطاً في دفاعه عن المظلوم؛ ففي واقعة (الأنبار) وهي إحدى مدن العراق حيث أغارت مجموعة من أتباع حكومة الشام على المدينة وقتلوا واليها المنصوب من قِبَل أمير المؤمنين عليه السلام, وحملوا على الناس وداهموا البيوت وقتلوا عدداً من الناس ثمّ قفلوا راجعين، خطب أمير المؤمنين عليه السلام تلك الخطبة الّتي تعدّ من الخطب العواصف الّتي وردت في نهج البلاغة، وهي خطبة الجهاد16 ، حيث يقول عليه السلام: “إِنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ”، قاصداً فيها حثّ الناس على التحرّك؛ لمواجهة هذا الظلم الشنيع، فيقول: “وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالأخْرَى المُعَاهَدَةِ”، فلا فرق لدى أمير المؤمنين عليه السلام بين أن تكون المرأة المعتدى عليها من أهل الكتاب يهوديّة أم مسيحيّة أم مجوسيّة أو مسلمة، فهو عليه السلام يذكرهنّ بلسان حال واحد، ” فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا17 وَقُلْبَهَا18 وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا19 ، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ”، ثم يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً!”.

وفي كتابه المشهور لمالك الأشتر حيث يحدّد له فيه طبيعة التعامل مع الناس, وأن لا يكون سبعاً ضارياً، يردف كلامه قائلاً: “فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا

16- نهج البلاغة، الخطبة: 27.

17- الحِجْل ـ بالكسر و بالفتح و بكسرين ـ : الخلخال.

18- القُلُب ـ بضمتين ـ : جمع قُلْب ـ بالضم فسكون ـ : السوار المُصْمَت.

19- الرعاث ـ جمع رَعثة ـ وهو: ضرب من الخرز.

 أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ”20.

وبناءً على هذا؛ فإنّ الإسلام ليس مناطاً بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام في دفاعه عن المظلوم وإحقاق حقوق الإنسان، فالمسلم وغير المسلم كلاهما يتمتّع بهذا الحقّ.

انظروا أيّ منطق رفيع هذا, وأيّ لواء خفّاق رفعه أمير المؤمنين عليه السلام على مرّ التاريخ! وهناك الآن نفر يهتفون باسم حقوق الإنسان في العالم زوراً ورياءً, وهم لا يراعون للإنسان حقوقاً أبداً حتّى داخل بلدانهم, ناهيك عن سائر أصقاع الدنيا، فحقوق الإنسان بمعناها الحقيقيّ هي تلك الّتي صرّح بها أمير المؤمنين عليه السلام وعمل بها.

20- نهج البلاغة: كتاب: 53 من عهد له  عليه السلام  كتبه للأشتر النخعي  رحمه الله  لمّا ولّاه على مصر وأعمالها.

خاتمة:

 

 

 

آلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

 

معاناة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

لقد عانى أمير المؤمنين عليه السلام مصاعب جمّة، ولعلّ ليس هناك من سمعه يبوح بشكاواه الأصليّة خلال حياته، وإن كان عليه السلام كثيراً ما يشتكي القوم ويؤنّبهم من على المنبر، ولم تقتصر شكواه على مساءلة الناس على عدم توجّههم إلى ميادين الجهاد، فلقد كان قلب أمير المؤمنين عليه السلام يعتصر ألماً؛ ففي دعاء كميل1 المعروف وهو من إنشائه عليه السلام يخاطب عليه السلام ربّ العالمين “إلهي وسيّدي ومولاي ومالك رقّي..”. ومن بين ما احتواه خطابه هذا المقطع الّذي طرق سمعي ومخيلتي بفائق حساسيته: “يا من إليه شكوت أحوالي”، فلقد كان عليه السلام يبثّ شكواه إلى الله وكان فؤاده يطفح بالألم، وكان الهاجس الّذي يقلق أمير المؤمنين عليه السلام يتعلّق بوضع الأمّة والمجتمع، ومسيرة الدين والاتجاه الديني في النظام الإسلاميّ الّذي كان حديث عهد يومذاك، وكذلك شعوره بثقل مسؤوليّته الّتي لم يفرط بواحد من الألف منها2.

شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

أشير هنا باقتضاب إلى ذكرى يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان

1- مصباح المتهجد، الكفعمي، ص 849، وهو دعاء الخضر  عليه السلام .

2- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1422ﻫ.ق.

عام أربعين للهجرة، وهو يوم استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ، فكيف كان وضع الكوفة في مثل هذا اليوم؟

أنتم تتذكّرون تلك اللحظة الّتي عَلِمَ فيها أهالي طهران برحيل الإمام الخمينيّ قدس سره, ورأيتم كيف كان البكاء وكيف خَيّم الحزن على القلوب، مع فارق أنّ الإمام قدس سره كان مريضاً لمدّة من الزمن, وكان بعض الناس يخشى نزول المكروه.

بينما كان أمير المؤمنين عليه السلام حتّى قبل ساعة من ضربته يوقظ النائمين في المسجد، وصوت أذانه يدوي في أرجاء الكوفة، وكان الناس حتّى الأمس وحتّى البارحة يسمعون صوته الملكوتيّ, وفجأة تناهى إلى أسماعهم صوت هاتف يقول: “تهدّمت والله أركان الهدى، قتل عليّ المرتضى”3 وهكذا سمع أهالي الكوفة ومن بعدهم جميع العالم الإسلاميّ بشهادة أمير المؤمنين عليه السلام.

كان أمير المؤمنين عليه السلام قد أنبأ مرّات ومرّات بخبر شهادته، لعلّ جميع المقرّبين إليه كانوا يعلمون ذلك.

ففي زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما وقعت معركة الخندق وبرز فيها الإمام عليّ عليه السلام كان شاباً له من العمر نيف وعشرون سنة لعمرو بن عبد ود الّذي كان من أبطال العرب, وله في قلوب قريش وغيرها هيبة ما بعدها هيبة, وظنّوا أنّه سيقضي على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وبارزه وقتله, جُرِح عليه السلام

3- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 42، ص 239.

 في تلك المبارزة في جبهته وسال منها الدم, ولما رآه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على تلك الحالة رقّ له قلبه, ومسح بمنديله الدم عن جبهته وأمر بتضميد جرحه، ثم اغرورقت عيناه بالدموع, وقال: “أين أكون إذا خُضّبت هذه من هذه؟”4 إشارة إلى اليوم الّذي تخضّب فيه محاسنه بدماء رأسه.

نقل محمّد بن شهاب الزهريّ رواية جاء فيها: “كان أمير المؤمنين عليه السلام يستتبع قاتله”, أي إنّه كان يترقّب أن يأتي هذا الشقيّ ويفعل فعلته، كان يحصي حركة الزمن, بانتظار وقوع هذه الحادثة, ويقول: “متى يكون إذا خضّبت هذه من هذه؟”5.

إذاً فهو كان يترقّب، والمقرّبون منه على علم بالأمر, إلّا أنّ عظم الحادثة مع أنّهم قد أخبروا عنها سلفاً قد أذهل الجميع…

قرأت رواية في كتاب بحار الأنوار جاء فيها أنّه كان يغمى عليه عليه السلام بين حين وآخر. كانت ابنته أم كلثوم جالسة أمامه تبكي، فلما فتح عينيه وقع عليها بصره, قال عليه السلام لها: “لا تعزّيني يا أم كلثوم، فإنّك لو ترين ما أرى لم تبك، إنّ الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيّين يقولون: انطلق يا عليّ فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه”6 7 ،.

لَمّا سقط السيف على رأس أمير المؤمنين عليه السلام وهو في محراب العبادة كانت العبارة الّتي سُمعت منه وتناقلتها المصادر هي “بسم الله

4- بحار الأنوار، ج42، ص 195.

5- م. ن.

6- في رحاب أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، ج 2، ص 255.

7- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1417ﻫ.ق.

وبالله وعلى ملّة رسول الله، فزت وربِّ الكعبة”!8. فتلك الليلة الّتي هي بمثابة العزاء والمصيبة بالنسبة للمسلمين جميعاً، تحوّلت إلى ليلة ظفر وسرور وفوز بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام الّذي كان على موعد معها. ويبدو أنّها كانت ليلة جمعة؛ ففي بعض الروايات كانت ليلة التاسع عشر ليلة جمعة، فيما تقول روايات أخرى: إنّ ليلة الحادي والعشرين كانت ليلة جمعة، وفي تلك الليلة أفطر عليه السلام عند أمّ كلثوم بالصورة الّتي سمعتم بها, حيث اقتصر إفطاره على الخبز والملح وهذا يعني الإفطار بخبز وحده في واقع الأمر حيث رُفع اللبن وبقي الخبز، فأمضى عليه السلام تلك الليلة بالعبادة حتّى الفجر حيث دخل المسجد، بعدها رفع صوته مؤذّناً ونزل إلى محراب الصلاة، وإذا بالمنادي ينادي أثناء الصلاة: “تهدّمت والله أركان الهدى!”. ومن المؤكّد أنّ الناس كانوا قد فهموا المعنى من “تهدّمت أركان الهدى”9، بَيْدَ أنّ المنادي سرعان ما أردف تلك العبارة بأخرى توضّح مفهومها إذ نادى: “قُتل عليّ المرتضى”10.

يقول لوط بن يحيى بن أبي مخنف11: “لما أحسّ الإمام بالضربة لم يتأوّه” أي إنّه لم يتأوَّه ولم يتألّم عندما نـزلت الضربة على رأسه وشقّت جبهته وهو في المحراب، “وصبر واحتسب، ووقع على وجهه وليس عنده أحد” إذ لم تبدأ الصلاة بعد وكان المسجد مظلماً فيما كان الناس

8- بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 42، ص 239.

9- م. ن.

10- م. ن، ص 282.

11- أنظر: تاريخ الطبري، ج 4، ص 110.

مشغولين بالنافلة أشتاتاً، وعليه لم يفهم أحد ماذا جرى بادئ الأمر، “قائلاً: باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله”12 ، فكانت أُولى العبارات الّتي تلفّظ بها بعد ضربته، هي تلك العبارات الّتي طرقت أسماعنا في حالات أُخرى، فبعد أن أُصيب سيد الشهداء عليه السلام ووقع على الأرض نُقلت عنه هذه العبارة: “بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله”13. فقد بذلوا ثمرة حياتهم في هذا الدرب.

ثم نُقلت عن أمير المؤمنين عليه السلام هذه العبارة إذ قال: “فزت وربّ الكعبة” وجاء في رواية أُخرى أنّه قال: “لمثل هذا فليعمل العاملون”14 ، وهذا ما يبرهن على مدى اتصال هذه الروح الطاهرة المطهّرة بعوالم الملكوت حتّى في الوقت الّذي لَمّا يزل عليه السلام على قيد الحياة في هذه الدنيا “ثم صاح وقال: قتلني اللعين”15. وبعد مناجاته تلك صاح عليه السلام كي ينتبه الناس ولا يدعوا القاتل يهرب, فلمّا سمع الناس الضجّة أي سمعوا صوت أمير المؤمنين عليه السلام فزع إليه كلّ من كان في المسجد فتوجّه الجميع نحو محراب المسجد دون أن يعرفوا ماذا حصل وماذا عليهم أن يفعلوا ثمّ أحاطوا بأمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يشدّ رأسه بمئزره والدم يجري على وجهه ولحيته وقد خضّبت بدمائه، فلما اجتمع الناس حوله وجدوه يشدّ جرحه بمئزرٍ له بالرغم من حالة الضعف وانفلاق هامته وأنّ

12- بحار الأنوار، ج 42، ص 281.

13- م. ن.

14- م. ن، ج35، ص261.

15- م. ن، ج42، ص 281.

 لحيته الّتي كانت بيضاء قد تخضّبت بدمه وهو يقول: “هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله” فلقد تحقّق وعدهما16 17 ،.

بعد أن وقعت تلك الفاجعة الكبرى، سُمع هاتف غيبيّ يقول: “تهدّمت والله أركان الهدى”18.

كان أهل الكوفة ومن حولها – ممّن بلغهم الخبر – في اضطراب، حيث كان أمير المؤمنين عليه السلام محبوباً من قِبَل الصغير والكبير، وكان الاضطراب بادياً على بعض الأصحاب المقرّبين من الإمام عليه السلام ، وفي الليلة الّتي سبقت استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ازدحم الناس حول داره، يريدون عيادته إلّا أنّ حالة الإمام عليه السلام الصحيّة كانت قد ساءت ولم يعد بالإمكان عيادته، فخرج الإمام الحسن عليه السلام على ما ينقل واعتذر إليهم وأمرهم بالانصراف، فتفرّقوا إلّا الأصبغ بن نباتة لم تطاوعه نفسه بالانصراف، حتّى خرج الإمام الحسن عليه السلام بعد هنيئة فإذا به يرى الأصبغ لا يزال واقفاً، فقال له عليه السلام: أما سمعت ما قلته للناس؟ فقال: يا بن رسول الله لا طاقة لي على الانصراف، فأذن لي حتّى أرى الإمام، فدخل الإمام الحسن عليه السلام ثم خرج وأذن له في الدخول.

يقول الأصبغ: “فدخلت وإذا بالإمام أمير المؤمنين مسجّى على سرير المرض، وقد شُدَّ موضع جرحه بعصابة صفراء، فلم أستطع  أن

16- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 19/ رمضان/ 1424ﻫ.ق.

17- بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 42، ص 281.

18- م. ن.

أُميِّز أيهما أشد صفرة، وجهه أم العصابة! وكان عليه السلام يُغمى عليه حيناً، ويفيق حيناً آخر، وفي واحدة من إفاقاته أخذ بيدي وحدّثني” – وهذا هو معنى قول الهاتف “تهدّمت والله أركان الهدى” حيث إنّ الإمام عليه السلام لم يترك هداية الناس حتّى وهو في هذه الحالة – فلم يضُنّ على الأصبغ بالحديث، فنقل له حديثاً مطولاً، ثمّ أغمي عليه، ثمّ لم يره الأصبغ ولا غيره من أصحاب الإمام عليه السلام ، حتّى انتقل إلى جوار رحمة ربّه في ليلة الحادي والعشرين وترك الدنيا والتاريخ متّشحين بثياب السواد19.

وعندما انتصف الليل أخذوا الجسد الطاهر ودفنوه ورجعوا، ولم يكن المشيّعون سوى أولاد علي عليه السلام وبعض خواصّ أصحابه. وقد فكّرت في مظلومية الإمام عليه السلام في ذلك التشييع المظلوم والدفن البعيد عن أنظار الناس وفي بيت الإمام عليه السلام المظلم، والأيّام الصعبة الّتي مرّت على أهل البيت عليه السلام…

لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم20.

اللّهم نقسم عليك بمحمّد وآل محمّد إلّا ما صلّيت وترحّمت وتحنّنت على أمير المؤمنين عليه السلام وجعلتنا من أتباعه وشيعته الحقيقيّين.

والحمد لله ربِّ العالمين

19- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/رمضان/ 1425ﻫ.ق.

20- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1414 ﻫ.ق.

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية