الرئيسية / القرآن الكريم / القرآن في الاسلام – الأستاذ العلامة السيد الطباطبائي

القرآن في الاسلام – الأستاذ العلامة السيد الطباطبائي

بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم يبحث عن أهم مصادر الشريعة الاسلامية ، والموضوع
الذي يتناوله هو أهمية القرآن الكريم في العالم الاسلامي ، فيتحدث عن :
ما هو القرآن ؟
وما قيمته لدى المسلمين ؟
القرآن كتاب عالمي دائم
القرآن وحي سماوي وليس من إبداع الفكر الانساني .
القرآن والعلوم .
صفات القرآن .
وفي الحقيقة نتحدث في هذه الرسالة عن كتاب لا يتردد في اعتباره واحترامه وقدسيته أي
واحد من المسلمين ، مع ما مني به الاسلام – كبقية الأديان الكبيرة الأخرى – من
الاختلافات الداخلية والتفرق المذهبي . . .
ومن هنا نهدف في بحثنا هذا إلى التعريف بأهمية القرآن الكريم كما يدل عليه هو بنفسه
لا كما نعتقده ونتصوره نحن
وواضح أن بين هذين الموضوعين فروقا كثيرة لمن أمعن النظر .
وبلغة أجلى : ان الأهمية التي نتصورها نحن – كان عليها دليل أم لم يكن – لا تخلو من
أحد أمرين لا ثالث لهما : اما أن تكون مناقضة ومخالفة لما في الآيات القرآنية فليس
لها قيمة في عالم الحق والحقيقة ، واما أن تكون ممن لم نجد في القرآن دليلا عليه
فلا يمكن اقناع كل المسلمين به لأنهم يختلفون فيما بينهم .
فعليه لا محيص من الإجابة على هذا السؤال : ماذا يقول القرآن في الموضوع ؟ لا الإجابة
على : ماذا نقول نحن الذين من أتباع مذهب كذا . . . .
الفصل الأول قيمة القرآن لدى المسلمين
القرآن يشمل على منهاج الحياة :
الدين الاسلامي الذي يشتمل على أتم المناهج للحياة الانسانية ويحتوي على ما يسوق
البشر إلى السعادة والرفاه ، هذا الدين عرفت أسسه وتشريعاته من طريق القرآن الكريم ،
وهو ينبوعه الأول ومعينه الذي يترشح منه .
والقوانين الاسلامية التي تتضمن سلسلة من المعارف الاعتقادية والأصول الأخلاقية
والعملية ، نجد منابعها الأصيلة في آيات القرآن العظيم .
قال تعالى : ( ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ( 1 ) .
وقال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) ( 2 ) .
وواضح كل الوضوح أن في القرآن كثيرا من الآيات التي نجد
فيها أصول العقائد الدينية والفضائل الأخلاقية وكليات القوانين العملية ، ولا نرانا
بحاجة إلى سرد كل هاتيك الآيات في هذا المجال الضيق .
* * * وبشئ من التفصيل نقول :
لو دققنا النظر في النقاط التالية ندرك كيف اشتمل القرآن الكريم على المناهج
الحياتية التي لا بد من توفرها للانسان :
1 لا يهدف الانسان من حياته الا السعادة والهناء والوصول إلى الأماني التي
يتمناها . السعادة والهناء لون خاص من ألوان الحياة يتمناها الانسان ليدرك في ظلها
الحرية والرفاه وسعة العيش وما أشبه هذا .
والذي نراه في حالات شاذة أن بعض الناس يدير وجهه عن السعادة والرغد ، كأن ينتحر أو
يحرم كثيرا من وسائل الرفاه على نفسه . هكذا انسان مبتلى بعقد نفسية يرى من جرائها
ان السعادة فيما يقوم به من الأعمال المضادة للسعادة . فمثلا يصيب البعض أنواع من
متاعب الحياة ولا يتمكن من حملها فيلجأ إلى الانتحار لأنه يرى الراحة في الموت ، أو
يتزهد بعضهم ويجرب أنواع الرياضات البدنية ويحرم على نفسه اللذائذ المادية لأنه يرى
السعادة في هكذا حياة نكدة .
إذا الجهد الذي يبذله الانسان ليس إلا لدرك تلك السعادة
المنشودة . نعم تختلف الطرق المتبعة للوصول إلى الهدف المذكور ، فبعضهم يسلك السبيل
المعقول وبعضهم يخطئ فيقع في متاهات الضلال .
2 الأعمال التي تصدر من الانسان لا تكون الا في اطار خاص من الأنظمة والقوانين .
هذا بديهي لا يقبل الانكار ، ولو خفي في بعض الحالات ليس إلا لشدة وضوحه .
ذلك لأن الانسان من جهة لا يعمل شيئا الا بعد أن يريده فعمله صادر عن إرادة نفسية
يعلمها هو ولا تخفي عليه . ومن جهة أخرى انما يعمل ما يعمل لأجل نفسه ، يعني انه يحس
بضرورات حياتية لا بد من توفرها ، فيعمل ليوفر تلك الضرورات على نفسه . فبين أعماله
ارتباط مستقيم يربط بعضها ببعض .
الأكل والشرب والنوم واليقظة والجلوس والقيام والذهاب والمجئ ، هذه الاعمال وغيرها
من الأعمال الكثيرة التي يقوم بها الانسان ، هي ضرورية له في بعض الحالات وغير
ضرورية في حالات أخرى ، وهي تنفع في بعض المجالات وتضر في مجالات أخرى . فكل ما يعمله
الانسان نابع من قانون يدرك كلياته في نفسه . ويطبق جزئياته على أعماله وأفعاله .
كل شخص في أعماله الفردية يشبه حكومة كاملة لها قوانينها وسننها وآدابها ، والقوى
الفعالة في تلك الحكومة عليها أن تطبق أعمالها أولا مع تلك القوانين ثم تعمل .
والأعمال الاجتماعية في مجتمع ما تشبه الأعمال الفردية
فتحكم فيها مجموعة من القوانين والآداب التي تواضع عليها أكثر أفراد ذلك المجتمع ،
والا فسوف تسود الفوضى في أقرب وقت وينفصم عراهم .
نعم إذا كان المجتمع مجتمعا مذهبيا تحكم فيه أحكام المذهب وقوانينه ، ولو كان غير
مذهبي ولكن له نصيب من المدنية فيصبغ أفعاله بصبغة القانون المدني ، أما إذا كان
المجتمع متوحشا فتحكم فيه الآداب والقوانين الفردية المستبدة أو القوانين التي وجدت
من جراء احتكاك مختلف العقائد والآداب بصورة فوضى غير منظمة .
فإذا لابد للانسان من هدف خاص في أفعاله الفردية والاجتماعية ، وللوصول إلى ذلك
الهدف لا محيص من تطبيق أعماله بقوانين وآداب خاصة موضوعة من قبل دين أو اجتماع أو
غيرهما .
والقرآن الكريم نفسه يؤيد هذه النظرية حيث يقول : ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا
الخيرات ) ( 1 ) .
والدين في عرف القرآن يطلق على الآداب والقوانين بصورة عامة ، فان المؤمنين
والكافرين – وحتى المنكرين لله تعالى – لا يخلون من دين ما ، لأن كل انسان يتبع
قوانين خاصة في أعماله ، كانت تلك القوانين مستندة إلى نبي ووحي أو موضوعة من قبل
شخص أو جماعة ما ، يقول تعالى في أعداء
الدين : ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ) ( 1 ) .
3 ان أحسن وأثبت الآداب التي يليق بالإنسان أن يتبعها هي الآداب التي توحيها اليه
الفطرة السليمة ، لا النابعة من العواطف والاندفاعات الفردية أو الاجتماعية .
ولو تأملنا في كل جزء من أجزاء الكون لنرى ان له هدفا خاصا وجهته من أول يوم خلقته
تحقيق ذلك الهدف من أقرب الطرق وأحسنها ، وهو يشتمل على ما لا بد منه لتحقيق هدفه من
الوسائل والآلات . هذا شأن كل مخلوق في الكون ذي روح أم غير ذي روح .
مثلا حبة الحنطة من أول يوم توضع في بطن الأرض وتخرج منها الخضرة تسير في طريق
التكامل لتكون لها سنابل تحمل حبات كثيرة من الحنطة ، وهي مجهزة بوسائل خاصة تستفيد
بواسطتها من العناصر التي لا بد من توفرها من أجزاء الأرض والهواء بنسب معلومة ،
وتعلو يوما فيوما وتتحول من شكل إلى آخر حتى يكون لها سنابل في كل سنبلة ، حبات ،
وحينئذ تكون قد وصلت إلى هدفها المنشود وكمالها الذي كانت تهدف اليه .
وشجرة الجوز لم نحقق فيها النظر لنرى انها تسير أيضا نحو هدف معين من أول يوم
خلقتها ، وللوصول إلى ذلك الهدف جهزت بآلات خاصة تناسب سيرها التكاملي وقوتها
وضخامتها وهي في مسيرتها لا تتبع الطريقة التي اتبعتها الحنطة كما أن الحنطة لم تسر
سير الجوزة .

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية