الرئيسية / القرآن الكريم / القرآن في الاسلام – الأستاذ العلامة السيد الطباطبائي

القرآن في الاسلام – الأستاذ العلامة السيد الطباطبائي

ان جميع ما نشاهده في الكون يتبع هذه القاعدة المطردة وليس لنا دليل ثابت على أن
الانسان شاذ عنها في مسيرته الطبيعية إلى هدفه الذي جهز بالآلات اللازمة للوصول
اليه بل الأجهزة الموجودة فيه أحسن دليل على أنه مثل بقية ما في الكون له هدف خاص
يضمن سعادته وتوفرت فيه الوسائل للوصول اليه .
وعليه فخلقة الانسان وخلقة الكون الذي ليس الانسان الا جزءا منه ، تسوقه إلى السعادة
الحقيقية ، وهي توحي اليه أهم وأحسن واثبت القوانين التي تضمن سعادته .
يقول تعالى : ( ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) ( 1 ) .
ويقول : ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ( 2 ) ويقول : ونفس وما سواها . فألهمها فجورها
وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها ) ( 3 ) .
ويقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله
ذلك الدين القيم ) ( 1 ) .
ويقول : ( ان الدين عند الله الاسلام ) ( 2 ) .
ويقول : ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) ( 3 ) .
ومحصل هذه الآيات وآيات أخرى بهذا المضمون لم نذكرها أن الله تعالى يسوق كل واحد من
مخلوقاته – بما فيهم الانسان – إلى الهدف والسعادة الأسمى التي خلقهم لأجلها ،
والطريقة الصحيحة للانسان هي التي تدعوه اليه خلقته الخاصة ، فيجب أن يتقيد في
أعماله بقوانين فردية واجتماعية نابعة من فطرته السليمة ، ولا يتبع مكتوف اليد هواه
وعواطفه وما تمليه عليه ميوله وشهواته . ومقتضى الدين الفطري ( الطبيعي ) أن لا يهمل
الانسان الأجهزة المودعة في وجوده ، بل يستعمل كل واحدة منها في حدودها وما وضع له
لتتعادل القوى الكامنة في ذاته ولا تغلب قوة على قوة .
وبالتالي يجب أن يحكم على الانسان العقل السليم لا مطاليب النفس والعواطف المخالفة
للعقل ، كما يجب أن يحكم على المجتمع الحق وما هو الصالح له حقيقة لا انسان قوي
مستبد يتبع هواه وشهواته ولا الأكثرية التي تخالف الحق والمصالح العامة
ونستخلص من البحث الذي مضى نتيجة أخرى ، هي : أن تشريع الأحكام ووضع القوانين راجع
إلى الله تعالى ، وليس لأحد أن يشرع القوانين ويصنع المقررات غيره ، لأننا عرفنا من
البحث السابق أن الآداب والقوانين التي تفيد الانسان في حياته العملية هي المستوحاة
من خلقته الطبيعية ، ونعني بها القوانين والآداب التي تدعو إليها العلل والعوامل
الداخلية والخارجية الكامنة في خلقته ، وهذا يعني أن الله تعالى يريدها ومعنى أنه
يريدها أنه أودع في الانسان العلل والعوامل التي تقتضي تلك القوانين والآداب .
نعم الإرادة تنقسم إلى قسمين : قسم منها تجبر على ايجاد الشئ كالحوادث الطبيعية
التي تقع في كل يوم ، وهي المسماة ب‍ الإرادة التكوينية ، والقسم الآخر يقتضي ايجاد
الشئ من طريق الاختيار لا الجبر كالأكل والشرب وأمثالهما ، وهي المسماة ب‍ الإرادة
التشريعية .
يقول تعالى : ( ان الحكم الا لله ) ( 1 ) .
* * * وبعد وضوح هذه المقدمات يجب أن يعلم : ان القرآن الكريم مع رعايته للمقدمات الثلاث
المذكورة – وهي أن للانسان هدفا يجب أن يصل اليه طول حياته بمساعيه وأعماله ولا يمكن
الوصول إلى هدفه الا باتباع قوانين وآداب ، ولابد
من درس تلك القوانين والآداب من كتاب الفطرة والخليقة ونعني به التعليم الإلهي – مع
رعاية القرآن الكريم هذه المقدمات وضع مناهج الحياة للانسان كما يلي :
جعل أساس المنهج على معرفة الله وجعل الاعتقاد بوحدانيته أول الأصول الدينية ، ومن
طريق معرفة الله دله على المعاد والاعتقاد بيوم القيامة الذي يجازى فيه المحسن
باحسانه والمسئ بإساءته وجعله أصلا ثانيا ، ثم من طريق الاعتقاد بالمعاد دله على
معرفة النبي لأن الجزاء على الأعمال لا يمكن الا بعد معرفة الطاعة والمعصية والحسن
والسئ ولا تتأتى هذه المعرفة الا من طريق الوحي والنبوة – كما سنفصله فيما بعد وجعل هذا أصلا ثالثا .
واعتبر القرآن الكريم هذه الأصول الثلاثة – الاعتقاد بالتوحيد والنبوة والمعاد أصول الدين الاسلامي .
وبعد هذا بين أصول الأخلاق المرضية والصفات الحسنة التي تناسب الأصول الثلاثة
والتي لابد أن يتحلى بها كل انسان مؤمن ، ثم شرع له القوانين العملية التي تضمن
سعادته الحقيقية وتنمي فيه الأخلاق الطيبة والعوامل التي توصله إلى العقائد الحقة
والأصول الأولية .
وهذا لأننا لا يمكن أن نصدق أن انسانا يتصف بعفة النفس وهو منهمك في المسائل الجنسية
المحرمة ويسرق ويخون الأمانة ويختلس في معاملاته ، كما أننا لا يمكن أن نعترف بسخاء
شخص يفرط في حب المال وجمعه وادخاره ومنع حقوق الآخرين ، وكذلك لا نعتبر رجلا مؤمنا
بالله تعالى واليوم الآخر وهو لا يعبد الله ولا يذكره في أيامه ولياليه . فالأخلاق
المرضية لا تبقى حية في الانسان الا إذا قورنت بأعمال تناسبها .
ومثل هذه النسبة التي ذكرناها بين الأعمال والأخلاق توجد أيضا بين الأخلاق
والعقائد ، فان انسانا مغمورا بالكبر والغرور وحب الذات لا يمكن ان يعتقد بالله تعالى
ويخضع لعظمته ، وهكذا من لم يعلم طول حياته معنى الانصاف والمروءة والعطف على
الضعفاء لا يدخل في قلبه الايمان بيوم لقيامة والحساب والجزاء .
يقول تعالى بصدد ربط العقائد الحقة بالأخلاق المرضية : ( اليه يصعد الكلم الطيب
والعمل الصالح يرفعه ) ( 1 ) .

شاهد أيضاً

ألف سؤال وإشكال (المجلد الأول) / الصفحات: ٢٦١ – ٢٨٠

ألف سؤال وإشكال (المجلد الأول) / الصفحات: ٢٦١ – ٢٨٠ ٢٦١ وحده، فبناه على ما ...