الرئيسية / بجوث اسلامية / الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الصفحة (135)

فهل فَقَدت زينب (عليها السّلام) رباطة جأشها ؟ هل ارتجّت أعصابها فاختلّ توازنها ؟ هل تزعزعت ثقتها بنفسها وبإيمانها وبحكم ربّها ؟ هل جدّفت أو رفعت رأسها إلى السماء تتساءل لِمَ هي دون غيرها يجب أن تتحمّل كلّ هذا ؟ هل فَقَدت حسّ الاُمومة وإحساس القدسيّة والقدرة على التصرّف قولاً وفعلاً ؟

أبداً ، فإنّ شيئاً من ذلك لم يحدث ، فابنة علي وفاطمة لم تتزعزع ، حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) لم تفقد إيمانها ، اُخت الحسنَين لم تكفر بحكمة الله ، بل ما زادتها المحن والآلام إلاّ ثبات جنان ورجاحة عقل واعتصاماً بحكمة الخالق وإذعاناً لمشيئته .

وارثة مبادئ علي (عليه السّلام)

ولا عجب ، فهي غذيّة حكمة أبيها أمير المؤمنين ، ووارثة مبادئ آل البيت التي لقّنها إيّاها أبوها وهي لمّا تزل طفلة تحبو ، حيث كانت تسمعه يجاهر بهذا المبدأ الذي حفر في وجدانها الغض : (( إنّ أشدّ الناس بلاءً النبيّون ، ثمّ الوصيّون ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، وإنّما يُبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة . فمَن صحّ دينه وحسن عمله ، اشتدّ بلاؤه ؛ ذلك أنّ الله لم يجعل الدنيا ثواباً للمؤمن ولا عقوبة للكافر . ومَن سخف دينه ضعف عمله وقلّ بلاؤه ، وأنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر إلى قرار الأرض )) .

وإذا كنّا قد تكلّمنا حتّى الآن عن معجزات الشهادة الروحيّة التي ردّت إلى

الصفحة (136)

الضمائر إحساسها البشري ، وجعلتها تقف على فداحة تقصيرها تجاه الحسين (عليه السّلام) ودَور زينب (عليها السّلام) في إزكاء الحميّة في الرؤوس ، وإيقاظ النفوس الهاجعة وحمل لواء النفسيّة التي هي تتمّة للحرب التي نفّذها أخوها الحسين (عليه السّلام) فوق ثرى كربلاء ، فإنّ لبقيّة عقيلات آل البيت أدوارهن المكمّلة لدور الحوراء في تبيان الحقيقة ، وإثارة شعور الندم في القلوب .

فها هي فاطمة بنت الحسين (عليها السّلام ) ما أن رأت عمّتها زينب (عليها السّلام) تنتهي من خطبتها في جموع الكوفة حتّى وقفت تخطب في هذه الجموع وتوضّح لها دَورها المتخاذل عن نصرة أبيها ، وحقدها على رسالة النبي ، وحذّرتهم ألاّ يشتطوا كثيراً في فرحتهم بما أصابوا من دمائهم ، ونبّهتهم إلى توقّع اللّعنة والعذاب من السماء ، ولعنة الظالمين منهم .

وما أن أتمّت خطبتها حتّى ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب ندماً وحزناً ، وصاحت الجموع بصوتٍ واحد : حسبكِ يابنة الطاهرين ، فقد أحرقتِ قلوبنا وأنضجتِ نحورنا وأضرمتِ أجوافنا(1) .

وتلتها في اللوم والتقريع وإثارة الضمائر اُمّ كلثوم ، فقرّعتهم على نزع الرحمة من قلوبهم ، وحذّرتهم من لعنة الدماء الذكيّة التي سفكوها ، ومن غضبة الله على قتلهم خير الرجالات بعد النبي .

فضجّ الجمع بالبكاء ، ونشرت النساء شعورهنّ وخمشن وجوههنّ ولطمن خدودهنّ ، ودعون بالويل والثبور ، حتّى صار الجمع بين باكٍ ولاطمٍ .

ـــــــــــــــ
(1) لقد ثبت علمياً أنّ مشاعر الغضب والحزن والندم ، تُبدِّل كيماوية الجسم ، فيشعر صاحبه بالحرقة في قلبه ، والاكتواء في حجابه الحاجز ، والتآكل في معدته .

الصفحة (137)

بلاغة السجّاد (عليه السّلام)

ولمّا جيء بعلي بن الحسين (عليه السّلام) على بعير والجامعة في عنقه ، والغلّ في يدَيه إلى عنقه ، وأوداجه تشخب دماً ، بادر الجمع بهذه الأبيات :

يا اُمّةَ السوءِ لا سُقياً iiلربعِكُمُ      يـا اُمّـةً لم تراعي جدَّنا iiفينا
لو أنّنا ورسولُ الله iiيجمعُنا      يـومَ الـقيامةِ مـا iiكنتم تقولونا
تُسيّرونا على الأقتاب عاريةً      كـأنّنا لـم نـشيّد فيكُمُ iiدينا

وأومأ إلى الناس فسكتوا ، بينما أخذ (عليه السّلام) يعرّفهم مَن هو قائلاً : (( أيّها الناس ، مَن عرفني فقد عرفني ، ومَن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . أنا ابنُ مَن انتهكت حرمته وسُلبت نعمته ، وانتهب ماله وسُبي عياله , أنا ابنُ المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابنُ مَن قُتل صبراً وكفى بذلك فخراً . . . )) .

ثمّ أخذ (عليه السّلام) يبيّن لهم كيف خانوا أباه بعد أن أعطوه من أنفسهم العهود والميثاق والبيعة ، وقاتلوه . وسألهم بأيّة عين ينظرون إلى رسول الله بعد قتلهم لعترته وانتهاك حرمته ؟ فارتفعت الأصوات ضاجّة بالبكاء وقالوا بأجمعهم : نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون ، حافظون لذمامك غير زاهدين فيك ولا

الصفحة (138)

راغبين منك ، فمُرنا بأمرك يرحمك الله ؛ فإنّا حرب لحربك ، وسِلم لسِلمك ، نبرأ ممّن ظلمك وظلمنا .

ولكنّ الوقت كان قد فات ، ولم يعد ينفع الندم ، فردّ عليهم السّجّاد (عليه السّلام) : (( هيهات هيهات أيّها الغدرة المكرة ! حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم . أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى أبي من قبل ؟ كلاّ وربّ الراقصات ؛ فإنّ الجرح لمّا يندمل ، قُتل أبي بالأمس وأهل بيته ، ولم ينسَ ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي ))(1) .

وكان لهذه الخُطَب ردّ فعل قويّ في النفوس فانفعلت معها انفعالاً عميقاً ، كان كفيلاً ببعث الروح النضاليّة الهامدة في جذوة جديدة ، وهزّ الضمائر الميّتة هزّات أحيتها ، فكان أن خطت ثورة الحسين الوليدة اُولى خطواتها في الدرب الذي طمحت للسير فيه ، ففتحت عيون الناس على زيف الحياة الروحيّة التي كانت تحتويهم .

وبدأ الإطار الديني المغلّف لحكم الاُمويّين باسم الإسلام يتزعزع ويتشقّق تمهيداً لانهياره القادم ، وتنبّهت النفوس إلى الروح الجاهليّة التي تغلغلت في أركان الحكم ، وبدأ الشعور بالإثم يتفاعل داخل القلوب ، وبدأت معه اُولى خطوات نقد الذات وتقويم المجتمع لنفسه ، والبحث عن مناقبية جديدة للإنسان المسلم بعد أن فقد إنسانيّته ، فجاءت ثورة الحسين (عليه السّلام) لتنبّهه إلى فقدان هذه الإنسانيّة .

وقد ساهمت معركة الطّفِّ وحوادث السبي في إيقاد جذوة الإيمان من جديد في وجدان الاُمّة ، ساعدها في ذلك ما ظهر من وحشيّة الاُمويّين في مناجزة الحسين وقتله مع نخبة كريمة من آله وصحبه (عليهم السّلام) ، وما رافق ذلك من مظاهر البربريّة المتمثّلة في حمل

ـــــــــــــ
(1) كلّ هذه الخطب ذكرها ابن طاووس في اللهوف ، وابن نما في مثير الأحزان .

الصفحة (139)

الرؤوس على الحراب إلى دمشق ، وما برهن ذلك على تجرّد الاُمويّين من كلّ نزعة دينيّة وإنسانيّة .

وكانت اليقظة الروحيّة لاُمّة الإسلام هي الاُعجوبة الخارقة التي تشكّل أساس كلّ المعجزات التي أتتها الشهادة فوق أرض كربلاء ، والتي شكّلت فيما بعد المحوَر الذي دارت عليه المعجزات المتتالية الاجتماعيّة منها والزمنيّة .

إذ كما هو متّفق عليه في نظريّات علم النفس أنّ يقظة الضمير وتفتّح البصيرة بعد موات وهمود من شأنه أن يقلب حياة الإنسان رأساً على عقب ، ويجعله يحطّم كلّ ما يحيط به ويذكّره بهوانه وتقصيره الذي أدّى به إلى ما وقع له أو به(1) .

ولعلّ ما زاد في تأجّج عامل الندم في نفوس المسلمين تلك الفرص التي أتاحها لهم الشهيد ، سواء ما كان منها قبل المعركة أو خلالها ، للكفّ عن قتاله وتلويث أيديهم بدماء آل البيت وتجنيبهم الندم ، كما سبق ذكره في متن الكتاب .

وعندما يبدأ التأجّج ـ كما عرف في علم الطبيعة والفيزياء ـ فإنّ الحمم تصبّ فوق بعضها ، وتحمي ذرّات بعضها البعض ، فيزداد اللهب وتتضاعف الحرارة . وكما قيل : فإنّ الإقناع يزداد كلّما كان الشاهد أقرب الى المشهود عليه(2) ، وهذه نقطة مهمّة ودالّة على معجزات شهادة الحسين الروحيّة ؛ فقد كشف همجيّة مجزرة الطفّ الجنود العائدون ، وأذاعوا تفاصيلها في طول البلاد الإسلاميّة وعرضها ، وكان لكلامهم وشهاداتهم أبلغ الأثر في تأجيج نار المشاعر ضدّ الذين فكّروا وقاموا بهذه المجزرة المشينة .

ـــــــــــــــ
(1) لـ( سيجموند فرويد ) رأي في كتابه ( سيكولوجيّة الشذوذ النفسي ) / 189 يقول فيه : إنّ يقظة ضمير الإنسان تحيل صاحبها إلى ديّان رهيب لا يخاف لوم ذاته ومعاقبتها بأقصى العقوبات الممكنة .
(2) السيّد المسيح قال : (( من فمِك اُدينك )) .

الصفحة (140)

مهزلةُ الخروج على الأئمّة

وعلى الرغم من نشاط فرقة ( المرجئة ) التي أنشأها النظام الاُموي لتغطية نشاطه السياسي ، وإسباغ صفات دينية على تصرّفاته ، فإنّ الغضبة التي اشتعل أوارها لم تكن لتهدأ إلاّ لتثور مجدّداً وبشكل أعنف .

وقد أعادت ملحمة كربلاء إلى الأذهان ما أفتى به الفقهاء الموظّفون : من أنّه لا يجوز الخروج على الأئمّة ، وقتالهم حرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين . ففتحت هذه الأذهان على عمليّات التمويه الرسميّة التي موّلها حكّام بني اُميّة لوأدّ كلّ مطالب عادلة ، والوقوف أمام كلّ تحريف للسنّة ، والسكوت عن مخارف الجَور والانتهاكات .

وفي مقابل تفتّح الأذهان على أضاليل فرقة المرجئة ومؤسّسيها الاُمويّين تفتّحت هذه الأذهان على مبدأ الإمام الشهيد (عليه السّلام) الذي قاله مخاطباً الوليد بن عتبة بن أبي سفيان : (( أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم . ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يُبايع مثله ))(1) .

فهذه الكلمات على بساطتها تدلّ دلالة واضحة على جواز نقد الخليفة والثورة على أحكامه والخروج عليه ، وتبيّن في الوقت ذاته أساليب المراوغة والتحريف التي

ــــــــــــ
(1) مثير الأحزان ـ لابن نما الحلّي .

الصفحة (141)

رفعها الاُمويّون فوق الرؤوس لإيهام الناس وإخافتهم .

وكان لا بدّ للفرد المسلم من المقارنة بين هذا المبدأ الحسيني وذلك المبدأ الاٍُموي ، وما كان من نتيجتهما ؛ كي يخلص إلى نتيجة واحدة لا مزاحم لها في النهاية ألا وهي : أنّ الحُكم الاُموي حُكم مارق كافر يلعب بالسُنَن ، ويسرق الخلافة ، ويغتصب البيعة اغتصاباً . فكيف إذا كان على رأس هذا الحُكم خليفة مثل يزيد يجاهر بفسقه ، ويتحدّى الله ورسوله ، ويزاحم آل بيته على حقّ الخلافة ، فذلك معناه موافقة ضمنيّة على فسقه ، ومساعدة غير مباشرة على تحدّيه الله .

وعندما يعلن إمامٌ كالحسين (عليه السّلام) منحدر من معدن النبوّة أنّ (( يزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرّمة(1) ، معلن بالفسق … )) . فمعنى ذلك أنّه إفتاء للاُمّة الإسلاميّة بجواز إسقاط هذا الخليفة المزيّف والثورة عليه ؛ لأنّ معنى المبايعة هو بيع النفس للخليفة الذي يرمز إلى الشريعة وجوهر الدين ، وحامي القرآن الكريم ، وولي عهد الرسول المصطفى (صلّى الله عليه وآله) على المسلمين ، وفي مبايعته إقرار ضمني بالاستماتة في سبيله عملاً بقوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، فألزم على المسلم طاعة الخليفة ؛ لأنّها تدخل في طاعته عزّ وجلّ .

وعندما يكتشف الإنسان المسلم أنّ بيعه نفسه لخليفة فاحش قد كلّفه التفريط بعقيدته ، وبيع نفسه للظلم والفحش الذي يمثّله هذا الخليفة ، وبالتالي كسب غضبة الله جرّاء عصيانه ، فإنّه يحتقر نفسه ، ويزدري قلّة تعقّله حينما بايع خليفةً مزيّفاً ، فيتحرّك ضميره ويتفاعل إحساسه بازدراء نفسه ولومها مع مخافة الله

ـــــــــــــ
(1) ( ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ ) ، راجع النصّ الكامل للآية 33 من سورة الإسراء .

الصفحة (142)

وعدله ، فيثور ويحطّم أصنامه ويموت دون مبدئه راضياً مؤمناً .

وبدءاً من فرضيّة الندم ثمّ مراجعة النفس والوقوف على حقيقتها وحقيقة الاُمور ، والظروف التي دوّمتها في دوّامتها ، وتبيان الحقيقة الساطعة ، مروراً بفترة المراجعة وكمون الأفكار والانفعالات ، ونجاحها في تحويل صاحبها من إنسان خامل بلا عقيدة إلى إنسان ديناميكي معبّأ بالمبادئ ، فضلاً عن تحرّك الظروف خارج نفس الإنسان وتفاعلها في نواحٍ اُخرى بما يدعم مبدأه الجديد وعقيدته المستيقظة ، ممّا يزيد من تصميمه على استمرار الاستسلام لهتافه الداخلي الذي يقوده إلى دروب لم يكن يحلم بالمسير بها ، ويفتح أمام بصيرته مغاليق كانت كالسدّ في وجهه ، فيندفع بإيحاء من فقدان ثقته بما كان ، وانسجاماً مع هتافه الداخلي ، ورغبةً منه في تغيير الأوضاع إلى الثورة والتحطيم واقتلاع كلّ زيفٍ من جذوره .

وشهادة الحسين (عليه السّلام) في كربلاء وما تلاها من حوادث السبي نجحت في إيصال الإنسان المسلم إلى بدء رحلة الألف ميل نحو تحرّره وتمكين جذور عقيدته في نفسه بخطوة واحدة ، إذ ما كاد ركب السبي يدير ظهره إلى دمشق عائداً إلى الأرض التي تضمّ الجسوم الطاهرة حتّى بدأ الندم يستشري في ضمير اُمّة الإسلام ، وبدأت معه عمليّة مراجعة النفس التي ستشكّل محور ما سيأتي بعدها من تغيّرات وانتفاضات تعمّ هذه الاُمّة التي ابتلاها الله بالضعف من بعد قوّة ، فيتنادى للتغيير والثورة أقصاها وأدناها(1) .

ــــــــــــــــــ
(1) شهادة الحسين (عليه السّلام) في كربلاء بحاجة إلى دراسة علميّة ونفسيّة وروحيّة وزمنيّة وافية على أعلى المستويات . إنّ في طوايا هذه الملحمة تكمن اُسس أخلاقيّة لو اُظهرت للبشريّة بشكل علمي مدروس لتغيّرت نظريّات كثيرة ، ولأُعطيت أجوبة شافية للعديد من المسائل الروحيّة والزمنيّة ، وكيفيّة الربط بينهما .

إنّ نهضة الحسين (عليه السّلام) على الرغم ممّا قدّمته حتّى زمننا هذا لم تزل تطوي في جوهرها كنوزاً من الكيفيّات والدساتير والأساليب والنتائج ذات الصلة الماسّة بمختلف الأصعدة الإنسانيّة بشكل عام ، وبالعديد من قضايا الإنسان المعاصر بشكل خاص . فهل تلقى دعوتنا لهذه الدراسة تقبّلاً واقتناعاً ؟

الصفحة (143)

معجزاتُ الشهادة الاجتماعيّة

ما أن غادر موكب السبي دمشق حتّى كانت مرحلة الندم والبكاء وقرع الصدور ؛ حزناً وتأسّياً وإحساساً بالذنب المتأتّي عن التقصير قد بلغت مداها ، وفرّخت مرحلة مراجعة النفس ، والوقوف على حقيقتها وحقيقة الاُمور والظروف التي دوّمتها في دوّامتها .

وكان لا بدّ لها من نموذج للأخلاق أسمى ؛ إذ من المسلّمات التي تعقب عمليّة اهتزاز القيم والمعايير السائدة أن يبدأ الفرد الذي هو ركن المجموع بالبحث عمّا ينقصه ، فتبلبله حيرة لا يعرف معها أيّ شكل من أشكال الاختيار التي تفتّح عليها عقله ، وعرضت أمام بصيرته المتيقّظة لتوّها ، فيبدأ في البحث عن نموذج أخلاقي يلائم نظرته الجديدة إلى نفسه وإلى الآخرين ، وإلى مخارف الدنيا وزخرفها وزهدها ومختلف عناصرها .

وبعد ثورة الحسين (عليه السّلام) مباشرة كان النموذج الأخلاقي للمجتمع الإسلامي هو ذاته الذي كان قبلها ، نموذج فيه من المثالب ما لا حصر له ، فلم يكن غريباً على المسلمين آنذاك السكوت على البغي ، والخضوع للطغي ، بل والمشاركة فيه ، ولم يكن مستهجناً مبدأ المساومة على المبدأ وبيع النفس ، والرضى بخنوع مُذل إذا رافقه

الصفحة (144)

استمرار تدفّق المنافع الدنيويّة ، وكان يزيد وحاشيته هم المرآة التي تعكس كلّ هذا للمسلمين ، بما يغريهم لأن يكونوا على شاكلتهم ومثالهم سواء أكان ذلك بالترغيب أم بالتّرهيب .

وما كان ممقوتاً مرذولاً في صدر الإسلام ؛ من تكالب على المنافع ، وحبّ الذات ، وإيثار السلامة والدعة ، غدا شيئاً مألوفاً ، بل ومُطالب به كهدف وغاية يسعى إليها المسلم على قدمَيه ، مع علمه بأنّ هذا المطلب الذي قدّسه كغاية بحدّ ذاته يحمل في طيّاته هجر القِيَم الإسلاميّة ، والرنو إلى الأخلاق الجاهليّة التي جاءت رسالة محمّد (صلّى الله عليه وآله) فبدّدتها ، ووطّدت مكانها قِيَماً سماويّة .

وبعد الهزّة الحسينيّة صار يطيب للفرد المسلم أن يعيد تذكّر مبادئ الحسين التي أعلنها مراراً وتناقلتها الألسن فيما سبق ، دون أن تحرّك في الضمائر أيّة إشارة لتقبّلها ، حينما كان مدّ الأطماع والغيّ في أقصى حدوده .

أمّا بعد الهزّة فصار لهذه المبادئ وَقْع كوَقْع السحر ، تذكّر المسلمون معها مقولة الإمام الشهيد (عليه السّلام) حينما اُحيطت به النوازل وقيل له بالنزول على حُكم بني اُميّة : (( لا والله ، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد . ألا وإنّ الدعيّ بن الدعي قد ركز بين اثنتين : بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طابت وحجور طهرت ، واُنوف حميّة ونفوس أبيّة لا تؤثّر طاعة اللئام على مصارع الكرام ))(1) .

وفي التذكّر عبرة سيّما إذا كان الدأب هو البحث عن نموذج جديد للأخلاق يلائم المرحلة الجديدة ـ ما بعد الثورة ـ فوعى المسلم لأوّل مرّة هذا الخُلق الاجتماعي

ــــــــــــــــ
(1) تليها أبيات أنشدها الشهيد لفروة بن مسيك المرادي ، ورواها ابن عساكر في تاريخ دمشق 4 / 333 .

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية