الرئيسية / بجوث اسلامية / بناء المجتمع في دولة امير المؤمنين عليه السلام

بناء المجتمع في دولة امير المؤمنين عليه السلام

الحلقة الثانية

السيدعبد الستار الجابري

بناء المجتمع في دولة امير المؤمنين عليه السلام 

المباني الاجتماعية في الاسلام


في العقد الثامن من القرن السادس الميلادي اشرقت انوار النبي محمد (صلى الله عليه واله) في مكة المكرمة في عام الفيل، وبعد اربعين سنة بعثه الله تعالى نبياً للعالمين فابتدأ دعوته في مكة، وبعد 13 سنة، هاجر الى المدينة واقام نواة دولته فيها، وفي سنة 12 للبعثة النبوية – 8 للهجرة – فتح مكة قلعة الشرك الحصينة لتنتهي خلال سنتين بعدها كل مظاهر الشرك في جزيرة العرب وتمتد الدولة النبوية لتبلغ حدود العراق وبلاد الشام شمالا والبحر الاحمر غربا وبحر العرب جنوبا والخليج شرقا.

كانت الدعوة النبوية دعوة الى عبادة الله الواحد الاحد الفرد الصمد والايمان بالانبياء السابقين والايمان باليوم الاخر، وجاءت الرسالة النبوية لبناء الفرد والمجتمع على ضوء التشريعات التي ربطت ببين العلاقة بين العبد وربه من جهة والعبد والمجتمع المؤمن من جهة اخرى والعبد والمجتمعات الانسانية من جهة ثالثة، كما تضمنت التشريعات الاسلامية قوانين العلاقات مع الدول والكيانات السياسية الاخرى والتي طبقت عمليا في حياة النبي (صلى الله عليه واله).

المطلب الاول: بناء الانسان في المجتمع النبوي


1- العقيدة وبناء الفرد والمجتمع
عند مراجعة المحاور الثلاث التي عادت ما يقسم اليها الدين وهي العقيدة والتشريع والاخلاق، فاننا نجد على مستوى العقيدة الدعوة الى الايمان بوحدانية الله تعالى والايمان بالنبوات والايمان باليوم الاخر، ويمكن ان ينظر الى القيم العقائدية في الاسلام من زاويتين الاولى الزاوية الواقعية لما هو متحقق خارجا في ظرف وجود الانسان الزماني والثاني الزاوية التربوية المترتبة على الواقع.

فمن الزاوية الاولى نجد العقيدة الاسلامية تدعو الى تحرير العقل الانساني من الخرافات والعقائد التي صنعها الانسان بتسويل الشيطان وخداع نفسه، وتنمية ذهن الانسان لادراك الحقائق والمنع من التلاعب بادراكاته الذهنية بالنحو الذي يجعله مستغرقا في الجهل، ولذا شنت العقيدة الاسلامية حرباً عظمية على الشرك والادعاءات الكاذبة لتعدد الارباب وفي الوقت ذاته شنت حربا ضروساً على منكري الالوهية وقد تضمن القران الكريم الكثير من الاستدلالات التي تخاطب عقل الانسان وادراكه لاثبات ان لهذا الكون موجداً وان هذا الموجد واحد فقط، وان حق العبودية مختص به محضاً، وان العبودية لغيره جرم عظيم لا يمكن التسامح فيه.

كما تضمنت ايات الذكر الحكيم الاشارة الى ان العبودية لله الواحد الاحد في واقعها تحقيق للكمال الانساني، ومن يلقي نظرة في التمييز بين عبادة الله وعبادة غير الله يجد ان من يعبد غير الله يفقد حريته امام ذلك الغير فلو كان الانسان عبداً مملوكاً لانسان اخر سواء كان ذلك المالك فرد والمملوك فرد كما هو حال العبودية التي كانت معروفة قبل ان تلغى او كان المالك دولة والمستعبد شعب او شعوب او دول وان لم يطلق اسم الاستعباد عليها بل اطلقت عليها اسماء اخر كالاستعمار ونشر قيم الحضارة الغربية في المجتمعات الاخرى او غير ذلك، فان المستعبِد يعمل على الغاء المستعبَد بمراتب مختلفة فتارة يصادر حريته واخرى يصادر ثقافته وثالثة يصادر جهوده وامواله، بحيث يكون المستعبَد مضطراً لاتباع المستعبِد دون ان يكون له اي خيار، اما في العبودية لله تعالى فالامر مختلف تماماً اذ يكون الانسان حراً في ظل الدستور الالهي، اي تكون حريته حرية منضبطة وليست حرية فوضوية، وان كل ما يقوم به العبد تجاه ربه من خلال الاطاعة والاتباع والانضباط يعود بالنفع اليه والى المجتمع الانساني، دون ان يكون هناك نفع يعود لله تعالى، اذ ان طاعة العبد لا تزيد في ملك الله شيء ومعصية كل الخليقة لله تعالى لا تنقص من ملكه شيء، بل هو الغني الحميد.

كما ان الايمان بالحياة الاخرى والجزاء الاخروي بالاضافة الى كونه حقيقة مستقبلية اخبر عنها الله تعالى في ضمن المسيرة التكاملية للانسان الذي عاش ويعيش ادوارا مختلفة ابتدأت في عالم الذر ثم في عالم الاجنة وبعدها في الحياة الدنيا ثم الى الحياة البرزخية وبعدها يوم القيامة ثم الخلود في النعيم او الجحيم، فان العقيدة باليوم الاخر والايمان به من شانها ان تبني الانسان اخلاقيا وتهذب طباعه وتأخذ بيده نحو الالتزام بقيم الشريعة واخلاقياتها حيث ان الذي ينتظر حياة اخرى لا يستشعر الخذلان والخسران فيما اذا فقد شيئا من دنياه المادية اذ كان ينتظر مغانم كبيرة يفيضها الرب تبارك وتعالى جزاء لطاعته واحسانه، فكما ان اصحاب المشاريع المادية الضخمة يبذلون الاموال الطائلة في سبيل تحقيق مكاسب اكبر واضخم فكذا المؤمن في الحياة الدنيا يقدم في حياته الدنيا ما من شانه ان يبني الحياة الاخروية لينال بذلك سعادة الدنيا والاخرة، خاصة وان من يؤمن بالدين لا يرى حالة انقطاع في مسيرته الحياتية بل يراها في حالة امتداد دائم سواء في الوجود الدنيوي المتواصل من خلال الذرية التي سيكون لايمان الاباء واحسانهم اثر كبير في رسم سعادة الاجيال اللاحقة كما وضحت ذلك صراحة قصة موسى والخضر (عليهما السلام) في جدار اليتيمين، او الحياة الدائمة التي تستمر بعد مغادرة الدنيا الى عوالم اخرى لها خصوصياتها التي اشارت اليها جملة من النصوص واحسها بالوجدان العديد من ابناء البشر وان كان العلم الحديث الى الان عاجزاً عن كشف غورها.

كما ان اختصاص العبودية بالله تعالى امر في غاية الاهمية اذ ان بعض الطبقات الاجتماعية من اتباع الديانات الحقة تجعل من نفسها حراساً للدين وكان الدين اصبح مختصاً بها وتستغل بذلك الشعوب لاشباع غرائزها وتحقيق مآربها فتستغل الجهل بالدين لتمرير غاياتها وتحريف الدين عن سبيل الحق واستغلال الدين استغلالاً مادياً يحول المجتمع من مجتمع عابد لله مؤمن بدينه الى مجتمع عابد لحراس الهياكل وكهنة المعابد تائهاً في بحر الضلالة التي يغلفها وعاظ السلاطين بغلاف من القدسية مستغلين بذلك جهل الناس وضعف ادراكهم وسذاجة تفكيرهم، ولذا دعى الله تعالى الناس الى اتباع تعاليم الانبياء (عليهم السلام) والحذر من تجار الدين، وقد اشار القران الكريم في العديد من الايات الكريمة الى تحريف الاحبار والرهبان الكلم عن مواضعه وخديعة البسطاء عن دينهم لتحقيق اغراض شخصية وبناء طبقات اجتماعية تستغل ايمان الناس وضعف ادراكها، وبين القران الكريم ان هذه الامة ليست بدعاً من الامم الاخرى، وانه سيجري فيها من الناحية العملية ما جرى في الامم الاخرى، فان الطبيعة البشرية واحدة في الجميع والاختلاف انما يكون في الطرق والاساليب.

ولضمان نجاة المجتمع من كيد الكائدين بين الله تعالى ان هناك اشخاصاً مصطفين هم القدوة التي على الانسان المؤمن اتباعها والحذر من الدعوات التي لا تنسجم مع ما جاء به اولئك المصطفون.
فمن هنا نجد ان العقيدة الاسلامية تبني الفرد والمجتمع على صعيد الاستقامة الفكرية من جهة والتطبيق العملي من جهة اخرى.

شاهد أيضاً

قراءة في نصوص الوحدة الاسلامية بين المدرستين السنة والشيعة بقلم سالم الصباغ

أربعون عاما مضت على قيام الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الامام الخميني رضوان الله عليه ...