الرئيسية / القرآن الكريم / قراءة القرآن وآداب تلاوته ومقاصده

قراءة القرآن وآداب تلاوته ومقاصده

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يفهم معنى النزول ويُعدّد الأقوال فيه.

2- يعرف أوّل وآخر ما نزل من القرآن.

3- يشرح الفروق بين المكّي والمدني.

 

مقدمة

هناك مسألة ذات أهميّة تمسّ جانب نزول الوحي قرآناً، وارتباطه مع بدء الرسالة، حيث اقترنت البعثة ـ وكانت في شهر رجب ـ بنزول شيء من القرآن (خمس آيات من أوّل سورة العلق) في حين تصريح القرآن بنزوله في ليلة القدر من شهر رمضان فما وجه التوفيق؟

 

وهكذا تعيين المدّة التي نزل القرآن خلالها تدريجاً، والسور التي نزلت قبل الهجرة لتكون مكّيّة ـ اصطلاحاً ـ والتي نزلت بعدها لتكون مدنيّة.

 

معنى النزول

النون والزاء واللام كلمة صحيحة تدلّ على هبوط شيء ووقوعه… والتنزيل ترتيب الشيء ووضعه منزله[1]. والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ: أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُه مفرَّقاً، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ…﴾[2] … وممّا ذُكِرَ فيه الإنزال وأُريد به الدفعة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[3].[4]

الأقوال في نزول القرآن

ذُكِرَ في نزول القرآن عدّة أقوال[5]، أبرزها:

أ- القول الأوّل: وهو قول المشهور من العلماء والمفسّرين، ومفاده: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنّه قَالَ: “أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى السَمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَكَانَ اللهُ يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِ الِلهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ”[6].

 

وقد تعرّضت مجموعة من الروايات لنزول القرآن إلى السماء الدنيا، فأشار بعضها لنزول القرآن إلى السماء الرابعة، وبعضها الآخر لنزوله إلى البيت المعمور أو إلى بيت العزّة وهو في السماء الرابعة. ولكنّها لم توضّح حقيقة المراد من السماء الدنيا أو السماء الرابعة أو البيت المعمور أو بيت العزّة[7].

 

ب- القول الثاني: نزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما قدَّر الله إنزاله في هذه السنة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً طيلة السنة. وهكذا كلّ سنة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

ج- القول الثالث: ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً في أوقات مختلفة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

د- القول الرابع: أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأنّ الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأنّ جبريل نجّمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين سنة، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ عِنْدِ الِلهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ سَنَةً”[8].

هـ. القول الخامس: التفريق بين الإنزال والتنزيل: وهو ما ذهب إليه العلّامة الطباطبائي قدس سره، حيث أفاد: “أنّ الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي… فقوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾[9]، ظاهر في نزوله تدريجاً في مجموع مدّة الدعوة، وهي ثلاث وعشرون سنة تقريباً، والمتواتر من التاريخ يدلّ على ذلك، ولذلك ربما استشكل عليه بالتنافي “مع آيات أخرى يستفاد من مجموعها نزول القرآن في ليلة القدر”. والذي يُعطيه التدبّر في آيات الكتاب…: أنّ الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنّما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدالّ على الدفعة دون التنزيل، كقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ…﴾[10] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ…﴾[11] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[12]… وبالجملة، فإنّ المتدبّر في الآيات القرآنية لا يجد مناصاً عن الاعتراف بدلالتها على كون هذا القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدريجاً متّكئاً على حقيقة متعالية عن أن تُدركها أبصار عقول العامّة أو تتناولها أيدي الأفكار المتلوّثة بألواث الهوسات وقذارات المادّة، وأنّ تلك الحقيقة أُنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنزالاً، فعلّمه الله بذلك حقيقة ما عناه بكتابه[13].

 

فوائد النزول التدريجي

إنّ نزول القرآن منجّماً طيلة مدّة البعثة النبوية الشريفة يحمل في طيّاته فوائد وآثاراً بالغة الأهمّيّة، ما كانت لتترتّب لو نزل دفعة واحدة فقط. ومن هذه الفوائد والآثار:

أ- ردّ القرآن على اعتراض الكفّار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾[14].

ب- في النزول التدريجي تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواساة لقلبه الشريف، وكذلك للمؤمنين من باب أولى، قال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾[15].

 

ج- إنّ نزول المعارف الدينية بشكل تدريجي تُتيح للناس أن يُنظّموا شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية وفقاً له، ويصلوا من خلال ذلك إلى مرحلة الكمال. وهذا من أفضل أساليب التعليم والتربية، قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾[16].

 

د- أتاح النزول التدريجي الفرصة للصحابة لكي يحفظوا آياته بسهولة. وهذا ما أدّى إلى المساهمة في تفويت الفرصة على أعداء الدِّين الذين أعدّوا العدّة لتحريف القرآن وإطفاء نور الهداية الإلهية.

 

أوّل ما نزل من القرآن

ما هي أوّل آية أو سورة نزلت من القرآن؟

فإن كانت هي سورة العلق أو أيّاً منها فلم سُمّيت سورة الحمد بفاتحة الكتاب؟ إذ ليس المعنى أنّها كُتبت في بدء المصاحف لأنّ هذا الترتيب شيء حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لا أقلّ في عهد متأخّر من حياته ـ فرضاً ـ في حين أنّها كانت تُسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب”[17].

 

والأقوال في ذلك ثلاثة:

1- سورة العلق

في تفسير الإمام عليه السلام: “هبط إليه جبرائيل وأخذ بضبعه وهزَّه، فقال: يا محمّد! اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمّد! ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[18][19].

2- سورة المدَّثِّر

روي عن ابن سلمة، قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري: أيّ القرآن أُنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلتُ: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ أحَدِّثكم ما حدَّثنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّي جاورت بحراء، فلّما قضيت جواري نزلت فاستنبطت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ـ ولعلّه سمع هاتفاً ـ ثمّ نظرتُ إلى السماء فإذا هو ـ يعني جبرائيل ـ فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثّروني، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾[20][21].

 

ولعلّ جابراً اجتهد من نفسه أنّها أوّل سورة نزلت، إذ ليس في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دلالة على ذلك والأرجح أنّ ما ذكره جابر كان بعد فترة انقطاع الوحي فظنّه جابر بدء الوحي[22]. حيث روى جابر حديث فترة انقطاع الوحي أيضاً: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميُحدّث عن فترة انقطاع الوحي، قال: “فبينما أنا أمشي إذ سمعت هاتفاً من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثثت منه فرقاً ـ أي فزعت ـ فرجعت ـ فقلت: زمِّلُوني زمِّلوني فدثَّروني، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾[23] ـ وهي الأوثان ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثمّ تتابع الوحي”[24].

 

3- سورة الفاتحة

قال الزمخشري: أكثر المفسّرين على أنّ الفاتحة أوّل ما نزل[25].

 

وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: “سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء فأوّل ما نزل عليه بمكّة: فاتحة الكتاب، ثم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾”[26].

ولا شكّ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُصلّي منذ بعثته، وكان يُصلّي معه عليّ وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة[27] فقد ورد في الأثر: أوّل ما بدأ به جبرائيل أن علّمه الوضوء والصلاة[28]، فلا بدّ أنّ سورة الفاتحة كانت مقرونة بالبعثة.

 

وبعد… فلا نرى تنافياً جوهريّاً بين الأقوال الثلاثة نظراً لأنّ الآيات الثلاث أو الخمس من أوّل سورة العلق إنّما نزلت تبشيراً بنبوّته صلى الله عليه وآله وسلم وهذا إجماع أهل الملّة. ثمّ بعد فترة جاءته آيات ـ أيضاً ـ من أوّل سورة المدّثِّر كما جاء في حديث جابر ثانياً.

 

أمّا سورة الفاتحة فهي أوّل سورة نزلت بصورة كاملة وبسمة كونها سورة من القرآن كتاباً سماوّياً للمسلمين.

 

ومن هنا صحّ التعبير عن سورة الحمد بسورة الفاتحة أي أوّل سورة كاملة نزلت بهذه السمة الخاصّة.

 

آخر ما نزل من القرآن

هناك أقوال:

1- سورة النصر

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “وآخر سورة نزلت: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾[29][30].

 

2- سورة براءة

روي أنّها آخر سورة نزلت. نزلت في السنة التاسعة بعد عام الفتح عند مرجعه صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك، نزلت آيات من أوّلها فبعث بها النبي مع عليّ عليه السلام ليقرأها على ملأ من المشركين[31].

 

3- روي أنّ آخر آية نزلت هي آية: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ

مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾[32] نزل بها جبرائيل، وقال: ضعها في رأس المأتين والثمانين من سورة البقرة، وعاش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحداً وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيام[33].

 

4- روي أنّ آخر آية نزلت هي آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾[34].

 

قال اليعقوبي: كان نزولها يوم النّص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بغدير خم[35].

 

الجمع بين الأقوال:

لا شكّ أنّ سورة النّصر نزلت قبل براءة لأنّها كانت بشارة بالفتح أو بمكّة عام الفتح[36] وبراءة نزلت بعد الفتح بسنة.

 

فطريق الجمع بين هذه الروايات: أنّ آخر سورة نزلت كاملة هي سورة النّصر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنّ نفسي نعيت إليّ. وآخر سورة نزلت باعتبار مفتتحها هي سورة براءة. وأمّا آية ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ…﴾ فإن صحّ أنّها نزلت بمنى يوم النحر في حجّة الوداع ـ كما جاء في رواية الماوردي[37] ـ فآخر آية نزلت هي آية الإكمال ـ كما ذكرها اليعقوبي ـ لأنّها نزلت في مرجعه صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع في الثامن عشر من ذى الحجّة. وإلّا فلو صحّ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاش بعد آية: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ…﴾ أحداً وعشرين يوماً أو سبعة أيّام، فهذه هي آخر آية نزلت عليه صلى الله عليه وآله وسلم.

 

والأرجح ما ذهب إليه اليعقوبي، نظراً لأنّها آية الإعلام بكمال الدِّين، فكانت إنذراً بانتهاء الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم بالبلاغ والأداء. فلعلّ تلك الآية كانت آخر آيات الأحكام، وهذه آخر آيات الوحي إطلاقاً.

المكّي والمدني

لمعرفة المكّي والمدنيّ فائدة كبيرة تمسّ جوانب أسباب النزول وتمدّ المفسّر والفقيه في تعيين اتّجاه الآية وفي مجال معرفة الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والقيد من الإطلاق، وما أشبه، وفي تعيين المكّي والمدنيّ ثلاث نظريات:

الأولى: ما نزل قبل الهجرة أو في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة فهو مكّي وما نزل بعد ذلك ولو في غير المدينة حتى ولو نزل في مكّة عام الفتح أو في حجة الوداع فهو مدنيّ.

 

الثانية: ما نزل بمكّة وحواليها ـ ولو بعد الهجرة ـ فهو مكّي، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ وما نزل خارجاً عنهما فهو لا مكّي ولا مدنيّ.

 

الثالثة: كلّ شيء نزل فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكّة وكلّ شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة[38].

 

قال الزركشي: لأنّ الغالب على أهل مكّة الكفر، والغالب على أهل المدينة الإيمان[39].

 

والمشهور الذي جرى عليه أكثرية أهل القلم هو الاصطلاح الأوّل40. وكان التحديد الآتي في نظم السور حسب ترتيب نزولها معتمداً على هذا الاصطلاح.

 

ترتيب النّزول

اعتمدنا في هذا العرض على عدّة روايات متّفق عليها وثق بها العلماء أكثرياً وعمّدتها رواية ابن عباس بطرق وأسانيد اعترف بها أئمة الفن[40].

 

والنظر في هذا العرض كان إلى مفتتح السّور، فالسورة إذا نزلت من أوّلها بضع آيات، ثم نزلت أخرى، وبعدها اكتملت الأولى، كانت الأولى متقدّمة على الثانية في ترتيب النزول، حسب هذا الاصطلاح، لكن هذا التحديد لم يكن متفقاً عليه عند الجميع.

 

وقد وضعنا في صفحة المطالعة لهذا الدرس قائمة السّور المكّية، وعددها: ستّ وثمانون سورة، متقدمة على السّور المدنيّة، وعددها: ثمان وعشرون سورة، مع غضّ النظر عن السور المختلف فيها.

المفاهيم الرئيسة

– التنزيل يدلّ على هبوط شيء ووقوعه… والتنزيل ترتيب الشيء ووضعه منزله.

 

– ذُكِرَ في نزول القرآن عدّة أقوال، أبرزها:

الأول: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة.

 

الثاني: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة.

 

الثالث: ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً في أوقات مختلفة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.

الرابع: أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأنّ الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأنّ جبريل نجّمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين سنة.

 

الخامس: التفريق بين الإنزال والتنزيل: وهو ما ذهب إليه العلّامة الطباطبائي قدس سره، حيث أفاد: أنّ الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي.

 

– وفي تعيين المكّي والمدنيّ ثلاث نظريات:

الأولى: ما نزل قبل الهجرة أو في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة فهو مكّي وما نزل بعد ذلك ولو في غير المدينة.

 

الثانية: ما نزل بمكّة وحواليها ـ ولو بعد الهجرة ـ فهو مكّي، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ وما نزل خارجاً عنهما فهو لا مكّي ولا مدنيّ.

 

الثالثة: كلّ شيء نزل فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكّة وكلّ شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة.

للمطالعة

 

ترتيب المصحف السورة ترتيب النزول
96 العلق 1
68 القلم 2
73 المزّمّل 3
74 المدَّثِّر 4
1 الفاتحة[41]
111 المسد 6
81 التكوير 7
87 الأعلى 8
92 الليل 9
89 الفجر 10
93 الضحى 11
94 الشرح 12
103 العصر 13
100 العاديات 14
108 الكوثر 15
102 التكاثر 16
107 الماعون 17
109 الكافرون 18
105 الفيل 19
114 الناس 21
112 التوحيد 22
53 النجم 23
80 عبس 24
97 القدر 25
91 الشمس 26
85 البروج 27
95 التين 28
106 قريش 29
101 القارعة 30
75 القيامة 31
104 الهمزة 32
77 المرسلات 33
50 ق 34 
90 البلد 35
86 الطارق 36
54 القمر 37
38 ص 38
7 الأعراف 39
72 الجّن 40
36  يس 41
25 الفرقان 42
35 فاطر 43
19 مريم 44
20 طه 45
56  الواقعة 46
26 الشعراء 47
27 النمل 48
28 القصص 49
17 الإسراء 50
10 يونس 51
11 هود 52
12 يوسف 53
15 الحجر 54
6 الأنعام 55
37 الصّافات 56
31 لقمان 57
34 سبأ 58
39  الزمر 59
40 غافر 60
41 فصّلت 61
42 الشورى 62
43 الزخرف 63
44 الدخان 64
45 الجاثية 65
46 الأحقاف 66
51 الذاريات 67
88 الغاشية 68
18 الكهف 69
16 النحل 70
71 نوح 71
14 إبراهيم 72
21 الأنبياء 73
23 المؤمنون 74
32 السجدة 75
52 الطور 76
67 الملك 77
69 الحاقّة 78
70 المعارج 79
78 النبأ 80
79 النازعات 81
82 الانفطار 82
84 الانشقاق 83
30 الروم 84
29 العنكبوت 85
83 المطفّفين 86
2 البقرة 87
8 الأنفال 88
3 آل عمران 89
33 الأحزاب 90
60 الممتحنة 91
4 النساء 92
99 الزلزال 93
57 الحديد 94
47 محمّد 95
13 الرعد 96
55 الرحمان 97
76 الإنسان 98
65 الطلاق 99
98 البينة 100
59 الحشر 101
110 النصر 102
24 النور 103
22 الحجّ 104
63 المنافقون 105
58 المجادلة 106
49 الحجرات 107
66 التحريم 108
62 الجمعة 109
64 التغابن 110
61 الصف [42] 111
48 الفتح 112
5 المائدة [43] 113
 9 براءة 114

 

[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ص 417.، ج5، مادّة “نزل”.

[2] سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194.

[3] سورة القدر، الآية 1.

[4] الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 799 – 800، مادّة “نزل”.

[5] الأقوال الأربعة الأولى ذكرها السيوطي في كتابه الإتقان. انظر: السيوطي، الإتقان، ج1، ص146-149. والقول الرابع ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره الميزان. انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص15-18.

[6] النيسابوري، أبو عبدالله: المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 530، إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي، لاط، لام، لان، لات، ج2، تفسير سورة إنّا أنزلناه.

[7] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص628-629، النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص222.

[8] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص119.

[9] سورة الإسراء، الآية 106.

[10] سورة البقرة، الآية 185.

[11] سورة الدخان، الآية 3.

[12] سورة القدر، الآية 1.

[13] السيّد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص15-18.

[14] سورة الفرقان، الآية 32.

[15] سورة يس، الآية 76.

[16] سورة الإسراء، الآية 106.

[17] ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، تحقيق آقا مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء – قم، ط 1، 1983م.

[18] سورة العلق، الآيات 1 – 5.

[19] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص 206.

[20] سورة المدثر، الآيتان 1 و 2.

[21] محمد بن مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، ج 1، ص 99، نشر دار الفكر – لبنان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

[22] الزركشي، البرهان، ج 1، ص 206، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط 1، 1957م.

[23] سورة المدثر، الآيات 1 – 5.

[24] صحيح مسلم، ج 1، ص 98.

[25] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 775، مكتبة مصطفى البابي الحلي وأولاده، 1966م.

[26] الطبرسي، مجمع البيان، ج 10، ص 405.

[27] القمي علي بن إبراهيم، تفسير علي بن إبراهيم القمي، ص 353.

[28] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص 184، ح 14 وص 194، ح 30.

[29] سورة النصر، الآية 1.

[30] السيد هاشم البحراني، تفسير البرهان، ج 1، ص 29.

[31] م.ن، ج 1، ص 680.

[32] سورة البقرة، الآية 281.

[33] السيد عبدالله شبّر، تفسير شبّر، ص 83.

[34] سورة المائدة، الآية 3.

[35] أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 35.

[36] أسباب النزول بهامش الجلالين، ج 2، ص 165.

[37] الزركشي، البرهان، ج 1، ص 187.

[38] الزركشي، البرهان، ج 1، ص 190.

[39] م.ن، ج 1، ص 187.

[40] راجع البرهان: ج 1، ص 187.

[41] سقطت الفاتحة من رواية ابن عباس، فأثبتناها على رواية جابر بن زيد: السيوطي، الإتقان، ج 1، ص 25 وعلى نص تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 26.

[42] جعل الزركشي في البرهان سورة الصف بعد التحريم وقبل الجمعة.

[43] قدّم الزركشي براءة على المائدة وجعل هذا الأخير آخر السور.

شاهد أيضاً

حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عليه السلام – أحمد حسين يعقوب – ج ١

حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عليه السلام – أحمد حسين يعقوب – ج ١