عاد وثمود

البرهان على صدقه:

وحينئذٍ بدأ فصل جديد لدعوة نبي الله صالح (ع) وقد جهد المستكبرون من قومه ان لا يبلغ صالح (ع) في دعوته لهذه المرحلة وذلك لأنهم كانوا يحتملون إن لم يكونوا واثقين بقدرته على انْ يخرج منها منتصراً. وقد وقع ما كان يخشونه، إذ استجاب له ربه فأخرج لهم ناقةً حُبلى من جبلٍ أصم فكانت على الوصف الذي تحدوا به نبيَّ الله صالح (ع) فأُسقط في أيديهم فقال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ…﴾(23).

 

وقد ورد في الروايات ان قوم ثمود طلبوا من صالح (ع) لإثبات دعوته انْ يُخرج لهم من جبلٍ أصم عينوه له ناقةً حمراء شديدة الحمرة، وبراء كثيرة كثيرة الوبر، عشراء أي أنها حبلى لعشرة أشهر، فاستجاب لهم ودعا ربَّه انْ يُخرج لهم ما سألوا، فاجتمعوا حول ذلك الجبل، فرأوه وقد تصدَّع فما لبث انْ أظهرت الناقةُ رأسها الشقِّ الذي تصدع عنه الجبل ثم ما لبثت ان خرجت إليهم سوية تامة فكانت على الوصف الذي سألوه فانتابهم الفزع والذهول ثم سألوه بأن تُلقي فصيلها الذي كانت تحمله في رحمها، فدعا ربَّه فما برح حتى ألقت فصيلها فقام بينهم يدرج على الأرض.

 

فتلك آية لا محيص عن الإذعان لها، ناقةٌ تتخلَّق من صخور صمّاء دون لقاح ودون تدُّرج في النمو تنبعث فيها الحياة وتنبعث في رحمها حياةٌ لفصيلٍ سويٍّ تام لم يكن قد نشأ كما تنشأ الأجنَّة، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظام تكتسي بلحم، فقد طوى كلَّ هذه المراحل التي تقتضي شهوراً عشرة في أقل من لمح البصر. فما انْ تظهرُ الناقةُ لهم حتى تُلقي بين أيديهم وبمرأى منهم فصيلها. فوجدوها وبْراء كما سألوا، وكانت حمراء شديدة الحمرة كما وصفوا، فقد قطعت عليهم بذلك كلَّ عذر ولهذا قال الله تعالى في وصفها: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا..﴾(24) فهي آية مبصرة أي أنها شديدة الوضوح أثرها التبصير لو كانوا يبحثون عن الحق، ولكنهم ظلموا بها.

 

ثم إنَّ هذه الناقة التي نسَبَها اللهُ تعالى لنفسه لم تكن آيةً في نشأتها وحسب بل كانت آيةً في بقائها وأثرها، فلعل أحداً لم يكن قد شهد نشأتها فيكون وجودها في قوم ثمود وما يرونه من أثرها آيةً ملزمة له، ولعل ذلك هو ما يُستفاد من وصفها بالآية المُبصِرة. كما لعلَّه الظاهر من التنويه المتكرِّر بها من قبل نبيِّ الله صالح (ع): ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ﴾(25).

 

ثم ان الظاهر من اقتسام الماء بينها وبين قوم ثمود جميعاً بصغارهم ومواشيهم تعبيرٌ جليٌّ عن انَّ الناقة كانت ذاتَ خصوصيةٍ خارقةٍ للعادة: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾(26)، وفي سورة الشعراء: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾(27).

 

فالقِسمةُ تعبيرٌ عن انَّ الناقة كانت آيةً في وجودها كما كانت آيةً في نشأتها، وقد أفادت الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) انَّ قوم ثمود كانوا جميعاً يشربون من لبنها في اليوم الذي تكون القِسمةُ لها.

 

https://t.me/+uwGXVnZtxHtlNzJk

 

شاهد أيضاً

ثواب الأعمال – الشيخ الصدوق

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد القديم الأزلي، الذي لا يوصف بحد ولا نهاية ...