الرئيسية / شخصيات اسلامية / شهيد الولاء حجر بن عدي الكندي

شهيد الولاء حجر بن عدي الكندي

قبيلته
حجر من قبيلة كندة ( وكندة اسمه ثور بن عفير بن عدي بن الحارث ابن أدد بن
زيد بن عمر بن عريب بن كهلان ) ( 18 ) ، ويذكر فريد وجدي ( كندة بطن من كهلان فهم
قحطانيون ) ( 19 ) .
ولكندة تاريخ ضخم ، قل أن حصل لغيرها من القبائل ، فقد كونت في مرحلة زمنية
معينة دولة في اليمن ، وأخرى في الحجاز ، كما يقول ذلك صاحب كتاب نهاية الإرب في
معرفة أنساب العرب : ( وبلاد كندة في اليمن ، وكان لكندة هؤلاء ملك بالحجاز واليمن )
( 20 ) .
أصل كندة ( واصلهم من البحرين والمشقر ، هاجروا إلى حضرموت فأقاموا ببلدة اسمها
كندة ، فكانوا هنالك موالين للحميريين ، فاتفق أن حجر بن عمرو آكل المرار ، سيد
كندة ، كان أخا حسان بن تبع ملك حمير من أمه ، فولاه قبائل
معد كلها . ولكن اليعقوبي قال : إن سبب نزوح كندة من حضرموت أن وقع
بين القبيلتين حروب طالت حتى كادت تفنيهما فرحلت كندة من اليمن
فصارت إلى ارض معد ، فجاورتهم ، ثم ملكوا رجلا منهم
اسمه مرتع بن معاوية بن ثور ، فكان أول ملوكهم ، ثم خلفه آخر وآخر حتى الحارث بن عمر
بن حجر الذي حاربه النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهزمه ، ثم تمكن منه وقتله لمنافسة
كانت بينهما فبقي أولاده الأربعة يحكم كل منهم في الجهة التي عينه بها أبوه قبل
موته ، فأغرى النعمان بينهم العداوة فلم يبق بينهما غير اثنين وهما حجر بن
الحارث على بني أسد ، ومعدي كرب بن الحارث صاحب قيس وعيلان ، ثم ثار بنو أسد فقتلوا
حجرا ، فهب ابنه امرؤ القيس بن حجر – الشاعر المشهور – للأخذ بثاره ، فأوقع ببني
أسد ، ثم قصد قيصراً ليمده بجنود فمات بالقسطنطينية . وقيل بل سمه قيصر فضعفت دولة
كندة ، ولم يبق منها إلا معدي كرب بن الحارث على بني قيس وبني عيلان ، وأمراء آخرون
لهم سيادة على بعض القبائل وكان اشهر فروع تلك الدولة في دومة الجندل والبحرين
ونجران وغمر ذي كندة فبقيت في كل منها دولة صغيرة حتى ظهر الاسلام ، فانقرضت جميعا .
تأسست هذه الدولة في القرن الخامس للميلاد وانقرضت بوفاة امرى القيس ) ( 21 ) .
ويظهر من هذا الحديث ان كندة كونت دولة في اليمن زاحمت بها دول
الحميريين ، مما أدى إلى نشوب الحرب ، فالرحيل إلى الحجاز ، حيث كونت دولة أيضا زاحمت بها
المناذرة ( سيدة العرب آنذاك ) وأدى ذلك إلى نشوب الحرب بينهما ، والى غيرها من
الحروب مع سائر القبائل الأخرى ، وهذه الحروب أدت إلى انهيار دولة هذه القبيلة
الموحدة وزعامتها ، وتفرقت إلى قبائل عديدة بظهور الاسلام . ولم يبق منها إلا
عنوانها الذي كان لها ذات يوم ، دولة واسعة موحدة .
وأبان الفتوحات الاسلامية التي زحفت على الفرس والروم ، والتي بدا
نشاطها منذ عهد الرسول ( ص ) ، بعد ان تجمعت القبائل تحت ظل راية الاسلام
، ونفخ فيها الروح الاسلامية ، وحفزت المسلمين ، على نشر هذه المبادئ الاسلامية
في ارجاء العالم ، والتصدي لهجمات الآخرين ، زحفت هذه القبائل لكي تهز عروش قيصر
وكسرى ، وان تدخلت بعد ذلك في بعض الفتوحات بعض الأهداف الأخرى التي لا تتلاءم
والتعاليم الاسلامية الحقة ( 22 ) وهذه إحدى الأسباب في تغرب بعض القبائل عن موطنها
الأصلي .
وبعد استقرار الحروب ، رأى المسلمون حاجتهم إلى اتخاذ موطن لهم في هذه
البلاد الغريبة والبعيدة عن بلادهم ، فأقام البعض منهم في الكوفة . فبعد ان
اسقط العرب – المسلمون المدائن عاصمة الإمبراطورية الساسانية ،
وثبتت اقدامهم في العراق ، أرادوا ان يبنوا لهم دار هجرة تكون محلا لإقامتهم ، ومعسكراً
لحامياتهم التي بها يوطدون سلطانهم على العراق ، ومن الواضح ان الأسباب التي دفعت
المسلمين للاستيطان في البلدان المفتوحة ، عديدة ولا تنحصر في سبب واحد ، فمنها أسباب
دينية ، ومعيشية ، واجتماعية وغيرها .
وكان المسلمون قد أقاموا بالمدائن أول الأمر وبنوا بها المساجد غير أنهم
استوخموها واستوبأوها ، وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بضرورة تركها وارتياد غيرها ،
ويروى ان سعدا ارتاد أماكن مختلفة فلم ترقه ، اما لعدم صلاحها للأغراض الحربية
، أو لعدم توافر الشروط الصحية فيها ، وأخيرا اهتدوا إلى ارض الكوفة غربي الفرات ،
التي توفر فيها الشروط المذكورة ، العسكرية ، والصحية والطبيعية ، وبعد تخطيط
الكوفة قسمت الأماكن الأخرى ، وعرف كل حي بمن نزله من العرب ) .
واختلفت الروايات في تاريخ بناء الكوفة ، ولعل الأكثر يرجح انها بنيت عام ( 17 ) هجرية
، اما موقع كندة ، فيذكر الشيخ علي الشرقي نقلا عن تاريخ الكوفة : ( وكانت أرباع
الكوفة تنقسم إلى خمسة عشر منهجا . . مناهج الربع الثاني – وموقعه في جهة القبلة
جنوبا محلات بني أسد ونخع وكندة والأزد ) ( 23 ) .
وهكذا رأينا أن كندة كسائر القبائل الأخرى تسكن الكوفة . وإذا علمنا أن حجرا كان
من زعماء قومه ، إضافة إلى أن كندة كانت في يوم من الأيام من القبائل المالكة ، فلا
بد أن يتميز حجر عن سائر الافراد بحكم بيته ، وعن بقية القبائل الأخرى بحكم قبيلته
بصفات وخصائص يتميز بها أمثال هؤلاء الافراد المنحدرين عن بيوت وقبائل مالكة ، إلا
أننا لا ننكر أن القسم الأكبر من صفاته العالية تسرب إليه من خلال عقيدته الاسلامية
، ويعتقد السبيتي ، إن حجرا كان شريفا شجاعا رئيسا ، وهذه الصفات لم يقدمها الاسلام
إليه فحسب ، بل وصلت إليه أيضا من خلال الوراثة والبيئة ، بعد ما عرفنا ما لهذين
العاملين من تأثير في شخصية الفرد في طفولته .
ومع ذلك فلم يقدم لنا التاريخ توضيحا عن طفولة حجر ، إلا أن المزايا والصفات التي
إمتازبها في كبره تنبئ عن طفولته ، وعن تربيته ووراثته .
اسلامه وصحبته
اسلامه :
لم يحدد زمان اسلامه ، وهناك كلام واحد يكرره أكثر المؤرخين
الذين تحدثوا عن حجر ، ربما دل على اسلامه في حياة الرسول ( ص ) ، ( انه وفد على النبي
( ص ) مع أخيه هانئ بن عدي ) ( 24 ) ، وقد تقدم في الحديث عن ولادته ووفاته ،
وسيأتي حين الحديث عن صحبته ، ما يلقي الضوء على اسلامه ، ولكن لم يعين زمان
اسلامه ، ولو أردنا ابداء الرأي فيه ، فلا يكون إلا تخمينا ، وقد حاول السبيتي ذلك
فقال : ( وليس من السهل أن نحدد وقت اسلامه ، ويلوح أنه كان متأخرا ، وربما كان بعد
فتح مكة ، ومن هنا يتبين لنا أن صحبته لم تتجاوز السنتين ) ( 25 ) ، ولكن هذا لا
يعدو أن يكون تخمينا .
ولعل الحق انه اسلم في حياة الرسول ( ص ) . يدل على ذلك وفادته على الرسول ( ص
) وملاقاته إياه في حياته ، وما ذكره مترجموه انه كان من الصحابة ، وما
ذكر له من أحاديث رواها عن الرسول ( ص ) بنفسه .
والظاهر أن وفادة حجر – بملاحظة عمره – كانت على الرسول ( ص ) في المدينة ،
ولعلها في أواخر حياته ( ص ) ، وبعد قوة الاسلام وانتشاره ، حيث وفد آنذاك الكثير من
القبائل والافراد من أجل الاسلام على يدي الرسول ( ص ) ، وهذا ما يؤيد ان مقصود حجر
من الوفادة هو الاسلام .
والملاحظ ان اسلامه منذ البداية كان عن وعي وعمق ، ولذلك اعتبر من فضلاء الصحابة
بالرغم من صغر سنه ، وتأخر اسلامه .
صحبته : تحدثنا عن تعريف الصحابي ، والتابعي والمخضرم ، في دراستنا لأبي الأسود
الدؤلي ، ويظهر مما ذكرناه هناك ان حجرا صحابي وذلك لان الصحابي هو من لاقى النبي
( ص ) وهو مسلم ، ومات على اسلامه ومثل هذا التعريف ينطبق على حجر . وهناك آراء أخرى
في تعريف الصحابي .
وقد عرفنا ، ان حجرا وفد على النبي ( ص ) مع أخيه هانئ بن عدي ، وكان من الصحابة
. وروى بعض أحاديثه ، إضافة إلى تصريح المترجمين والمؤرخين انه من الصحابة . قال
في الاستيعاب : ( وكان حجر من فضلاء الصحابة ، وصغر سنه عن كبارهم ) ( 26 ) ، وقال
في أسد الغابة : ( وكان – حجر – من فضلاء
الصحابة ) ( 27 ) ، ويقول ابن سعد :
( قال : وذكر بعض رواة العلم انه وفد على النبي ( ص ) مع أخيه هانئ بن عدي ، وكان
حجر جاهليا اسلاميا ) ( 28 ) ، وقال عنه ابن عساكر : ( حجر بن عدي الأدبر بن معاوية
بن عدي يتصل نسبه بكهلان بن سبا . وفد على النبي وكان مع الجيش الذي فتح الشام )
( 29 ) وفي الإصابة : ( انه وفد على النبي ( ص ) هو وأخوه هانئ بن عدي ) ( 30 ) ،
ولعل وفادته هو وأخيه على النبي ( ص ) كانت من أجل الاسلام على يديه .
إضافة إلى أحاديث رويت عنه انه رواها عن الرسول ( ص ) بنفسه .
ولكن هناك من القدماء والمعاصرين من اعتبر حجرا من التابعين ، وأنكر اعتباره من
الصحابة . ففي الإصابة : ( وأما البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن الخياط
وابن حبان فذكروه في التابعين ، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة
، فاما ان يكون ظنه آخر ، واما ان يكون ذهل ، وروى ابن قانع في ترجمته من طريق شعيب
بن حرب عن شعبة عن أبي بكر بن حفص عن حجر بن عدي رجل من أصحاب النبي ( ص ) عن النبي
( ص ) قال : ان قوما يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ) ( 31 ) . إذن
فصاحب الإصابة نفسه يناقش من ذهب إلى أن حجرا كان تابعيا .

وفي دائرة المعارف الاسلامية : « حجر بن عدي الكندي أول شهداء الشيعة ، وتميل هذه
الطائفة إلى تلقيبه ( بصاحب النبي ) ولكن اقدم الثقات ينكرون ذلك » ( 32 ) . ولكن
ما ذكرناه يرد هذا القول .
واعترض السبيتي على هؤلاء المنكرين لكونه صحابيا : ( وأول ما نلاحظ ان هؤلاء لم
يقدموا دليلا على أنه لم يكن صحابيا وأرسلوا القول ارسالا ، والذي لا شك فيه انه
صحابي ، وعليه اجماع الشيعة وهو سلفهم ) ( 33 ) .
ولكن الملاحظ ان علماء الشيعة ، وكتب رجالهم لم تصرح بأنه صحابي ، بل جميعها
ذكر انه من أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) ، ولكن كلمات علمائنا لم تنكر كونه صحابيا .
وإنما ذكرت انه كان من أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) ، وهذا لا ينفي كونه صحابيا . نعم
ذكر في الدرجات الرفيعة نقلا عن غيره ( انه حامل راية النبي ( ص » ( 34 ) . ولكن لم
أجده في غيره . والسيد الأمين أثبت صحابته بمختلف الأدلة ( 35 ) . كما أن بعض كتب
علمائنا قد نقلت أقوال أهل السنة التي تصرح بأنه كان من الصحابة دون ان تناقشه ،
ولعله يؤيد امضاء هذا الرأي ، كما يلاحظ ذلك في تنقيح المقال ، وبهجة الآمال
وغيرهما .
على كل حال . فلعل الرأي الأصح ان حجرا لم يكن من التابعين ، وانما كان من الصحابة
، لما ذكرناه من أدلة وشواهد على ذلك .
ولعل السبب في عده من التابعين – في رأي البعض – انه عاصر الرسول ( ص ) فترة قصيرة
، وكان صغير السن آنذاك ، وكانت علاقته أكثر بالإمام ( ع ) وسائر الصحابة من أنصاره ،
ولم يذكر التاريخ مشاركته في الغزوات والوقائع والحوادث في زمن الرسول ( ص ) إلا
ما ذكره الشهيد ولم يذكره غيره . كما لم يذكر الشهيد أين حمل الراية ، ولعل العلماء
وسعوا مفهوم ( التابعي ) تجوزا بما يشمل بعض الصحابة أيضا ممن كانوا صغار السن في
حياة الرسول ( ص ) ، أو لم يلاقوا الرسول إلا فترة قصيرة جدا .
ومما يثير التساؤل أكثر حول صحابيته ، هو اختفاؤه في زمان أبي بكر ، وحوادث السقيفة
، مع أنه كان من الموالين للإمام ( ع ) ، ولم يذكر أي دور أو موقف عنه في مثل
هذه الحوادث ، ويدل كلامه وأحاديثه ان ولاءه للإمام ( ع ) كان منذ بدايات اسلامه .
لقد كان صغير السن ، ولم يسلم إلا في أواخر حياة الرسول ( ص ) ، ولم يبق في
المدينة مع الرسول ( ص ) بعد اسلامه ولقائه به بل رجع إلى بلده . ويمكن ان
يدل على ذلك قولهم : ( وفد على . . ) مما يشعر بأنه لم يستقر في إقامته كثيرا .
وذهب قاموس الرجال إلى كونه صحابيا ، فناقش من لم يعده من الصحابة بقوله : ثم
عدم عده من أصحاب رسول اللّه ( ص ) غفلة ، وقد اتفقت
العامة كابن قتيبة وابن عبد البر وأبي موسى والجزري على كونه منهم ، وأما
عد الفضل بن شاذان له من التابعين فالظاهر أنه اشترط في الصحابة الكبر
والرواية ، وهو كان من صغارهم ولم ينقل عنه رواية ،
والشيخ لم يشترط ذلك ، بدليل انه عد في أصحاب رسول اللّه ( ص ) محمد بن أبي
بكر الذي ولد في حجة الوداع ( 36 ) .

شاهد أيضاً

بيان تعزية الإمام الخامنئي للمجاهد العظيم سماحة السيّد حسن نصر الله إثر رحيل والدته المكرّمة

 يكفي كرامة لتلك المرحومة أنّ سيّد المقاومة المناضل خرج من حجرها الطّاهر ☑️ أصدر قائد ...