الرئيسية / القرآن الكريم / بحوث قرآنية في التوحيد والشرك – أية الله جعفر السبحاني

بحوث قرآنية في التوحيد والشرك – أية الله جعفر السبحاني

بحوث قرآنية في التوحيد والشرك / الصفحات: ١٢١ – ١٤٠

كتاب بحوث قرآنية في التوحيد والشرك للأستاذ جعفر السبحاني ص ١٢٠ – ص ١٢٨

١٢١
الصفحة: ١٢٢ فارغة
ربّى ولداً صالحاً يدعو له، فهو ينتفع بصدقاته وعلومه ودعاء ولده.ونظيره الجسر الذي بناه، والنهر الذي أجراه، والمدرسة التي شيّدها، والطريق الذي عبّده، فقد ينتفع به لاَنّها أعمال قام بها بنفسه باقية بعد موته.

أخرج مسلم في صحيحه انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)،قال:«إذا مات الاِنسان انقطع عنه عمله إلاّمن ثلاثة:إلاّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».(١)

وأخرج مسلم، عن جرير بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه: من سنَّ في الاِسلام سنّة حسنةفعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء، ومن سنَّ في الاِسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء.(٢)

ففي هذا المورد ينتفع الميت بعد موته بعمل الغير لقيامه في ترغيب ذلك الغير وتشويقه إلى فعله، فانّ من سنّ سنة حسنة كأنّه يدعو الغير بعمله هذا إلى الاقتداء به.

إنّما الكلام فيما إذا لم يكن للميت نصيب في العمل، فهل يصل ثواب عمل الغير إليه إذا أهدى صاحب العمل ثوابه إليه ؟

 

 

١ ـ صحيح مسلم:٥/٧٣، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت من كتاب الهبات.٢ ـ صحيح مسلم:٨/٦١، باب «من سنّ سنة حسنة أو سيئة» من كتاب العلم.

 

١٢٣
اللّه مفيداً، فما معنى نقله سبحانه عنهم كما عرفت.وأمّا الروايات فحدّث عنها ولا حرج.

١.أخرج مسلم، عن عائشة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.(١)

٢. وأخرج أيضاً عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول اللّه انّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضي عنها، قال: نعم، فدين اللّه أحقّ أن يقضى.(٢)

٣. روى سعد بن عبادة، انّه قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أُمّي ماتت و عليها نذر أفيجزي عنها أن أعتق عنها، قال: اعتق عن أُمّك.(٣)

٤. روى أبو هريرة، انّرجلاً قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يكفر عنه ان أتصدق عنه؟ قال: نعم.(٤)

٥. روى سعد بن عبادة، انّه قال: يا رسول اللّه، إنّ أُمّ سعد ماتت، فأي الصّدقة أفضل؟ قال: الماء. قال: فحفر بئراً، وقال: هذه لاَُمّ سعد.(٥)

 

 

١ ـ صحيح مسلم:٣/١٥٥ـ ١٥٦، باب قضاء الصيام عن الميت، وفي هذا الباب روايات تركنا ذكرها للاختصار.٢ ـ صحيح مسلم:٣/١٥٥ـ ١٥٦، باب قضاء الصيام عن الميت، وفي هذا الباب روايات تركنا ذكرها للاختصار.

٣ ـ سنن النسائي:٦/٢٥٣، باب فضل الصدقة على الميت.

٤ ـ صحيح مسلم:٥/٧٣، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت من كتاب الهبات.

٥ ـ سنن أبي داود:٢/١٣٠ برقم ١٦٨١، باب «في فضل سقي الماء».

 

١٢٤
الصفحات: ١٢٥ – ١٢٧ فارغة
واللام في قوله: هذه لاَُمّ سعد هي لام الاختصاص، نظير قوله سبحانه: (إِنَّما الصَّدقات لِلْفُقَراء)(١) هي دالة على الجهة التي تصرف فيها الصدقة، وليست من قبيل اللام الداخلة على لفظ الجلالة في قولنا: نذرت للّه، فانّ اللام هناك للتقرب وفي المقام لبيان المحل.وقد اقتصرنا بالقليل من الكثير فمن أراد الوقوف على مصادر الروايات فليرجع إلى المصدر أدناه.(٢)

وعلى ذلك سارت المذاهب الفقهية الاَربعة حيث يفتون بانتفاع الميت بعمل الحي حتى إذا لم يوص به ولم يكن له في السعي نصيب.

فهذه الروايات والفتاوى تثبت ضابطة كلية وهي وصول ثواب كلّ عمل قربي إلى الميت إذا أُوتي به نيابة عنه سواء أكان من قبيل الصوم والحج أو غيرهما.

وعلى هذا يعلم صحّة عمل المسلمين حيث يقومون بأعمال حسنة صالحة ربما أهدوا ثوابها إلى أحبائهم وأعزتهم الموتى وهو أمر يوافق عليه الكتاب والسنة، فما يقوم به المسلمون لموتاهم من إهداء ثواب الاَعمال الصالحة لهم، أو ما يفعلونه عند قبور الاَنبياء والاَولياء من إطعام الطعام وتسبيل الماء بنية أن يصل ثوابها إليهم إنّما

 

١ ـ التوبة/٦٠.٢ ـ لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات: صحيح مسلم:٥/٧٣ـ ٧٨، كتاب النذر؛ سنن النسائي:٦/٢٥١ فضل الصدقة على الميت.

 

١٢٨
الصفحات: ١٢٩ – ١٣١ فارغة
كتاب بحوث قرآنية في التوحيد والشرك للأستاذ جعفر السبحاني ص ١٢٩ – ص ١٣٩

١٣٢
الصفحات: ١٣٣ – ١٣٥ فارغة
إنّ تبرك الصحابة لم يقتصر على ذلك بل كانوا يتبركون بماء أدخل فيه يده المباركة، وبماء من الآنية التي شرب منها، وبشعره، وعرقه، وظفره، والقدح الذي شرب منه، وموضع فمه، ومنبره، والدنانير التي أعطاها، وقبره وجرت عادتهم على التبرك به، ووضع الخد عليه والبكاء عنده.وقد ألف المحقّق العلاّمة محمد طاهر بن عبد القادر كتاباً باسم «تبرك الصحابة»، وهو من علماء مكة المكرمة قال فيه: أجمعت صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على التبرك بآثار رسول اللّه والاهتمام في جمعها وهم الهداة المهديون والقدوة الصالحون فيتبركون بشعره وبفضل وضوئه وعرقه وثيابه وآنيته وبمسِّ جسده الشريف، وبغير ذلك ممّا عرف من آثاره الشريفة التي صحت به الاَخبار عن الاَخيار.

وقد وقع التبرك ببعض آثاره في عهده وأقرّه ولم ينكر عليه،فدلَّ ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته، ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه وحذّر منه.

وكما تدل الاَخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته تدل على قوة إيمان المتبركين وشدّة محبتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الاَعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) كقول الشاعر:

أمرّ على الديار ديار ليلىأقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبيولكن حبّ من سكن الديارا(١)

 

١ ـ تبرك الصحابة:٥٠. 

١٣٦
الصفحة: ١٣٧ فارغة
ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)(١) وهذا هو الاَصل الثابت في الاِسلام، وأمّا كيفية الدفاع فلم يرد فيها دليل خاص، بل أوكله الشارع إلى مقتضيات الزمان فالتزوّد بالاَسلحة الحديثة كالسفن الحربية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من وسائل الدفاع ليس بدعة، بل تجسيد للاَصل الثابت في الشرع أعني: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ،فهذا النوع من التسليح ورد في الشرع أصله وإن لم يرد بخصوصياته.ب. حثّ الاِسلام على الاِحسان إلى اليتامى والمساكين والرأفة بهم والعطف عليهم وحفظ أموالهم بيد انّ هذا الاَمر الكلي الذي جاء في الشرع له أساليب مختلفة تُجاري مقتضيات كلّعصر ومصر وإمكانياتهم المتاحة، فاللازم امتثال ما ندب إليه الشرع، أعني: الاَصل الكلي، وأمّا تبيين كيفيته فمتروك إلى المستجدات الزمانية.

ج. ندب الشرع المقدس إلى التربية والتعليم ومكافحة الاَُميّة ولا شكّ انّ لهذا الاَمر الكلي أشكالاً وألواناً مختلفة تتبدل حسب تبدل الظروف حيث كانت التربية والتعليم في العصور السابقة تتحقق من خلال الكتابة بالقصب والدواة، وجلوس المتعلم للاستماع إلى معلّمه، إلاّانّ ذلك تطور اليوم إلى أساليب جديدة تستخدم فيها الاَجهزة المتطورة كالاذاعة والتلفزة والكومبيوتر

 

١ ـ الاَنفال/٦٠. 

شاهد أيضاً

الأزمة الإنسانية في غزّة سبقت “طوفان الأقصى” بـ16 عاماً.. 7 أكتوبر لم تكن البداية

لأنّ المقاومة في الأساس تتشكل من شعب يسعى للقمة عيش كريمة، وحبّة دواء من دون ...