الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ساعتين مضت
الاسلام والحياة
11 زيارة
الأول: الظروف.
الثاني: مصلحة الاسلام كعقيدة وتشريع.
الثالث: مصلحة المسلمين الآنية والمستقبلية.
ففي العهد المكي لم تكن الظروف مؤاتية لاستخدام القوة في القضاء على المنكر، ولا مصلحة في ذلك لأنها تؤدي إلى قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظرف لا يملك القوة اللازمة للقضاء على رؤوس الكفر أو ردعهم عن منكراتهم، فاكتفى صلى الله عليه وآله وسلم بالتغيير باللسان.
وحينما هاجر إلى المدينة تغير الموقف حيث امتلك القوة اللازمة لخوض مهمة التغيير بقوة اليد، فاستخدمها صلى الله عليه وآله وسلم لردع العدوان على الاسلام والمسلمين.
كما استخدم صلى الله عليه وآله وسلم القوة لإزالة المنكرات الواقعية، فأمر بطرد بعض المنافقين من المسجد، وأمر باحراق منزل سويلم اليهودي لاجتماع المنافقين به، وأمر باحراق مسجد ضرار (1).
وحينما تمادى رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول في نفاقه بخلقه للفتن داخل المجتمع الاسلامي، رفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقتراح البعض في قتله، لان قتله يؤدي إلى حدوث الخلل في تماسك جبهة المسلمين لان له أنصارا وأعوانا وعشيرة مترامية الأطراف، وقد أثبت صلى الله عليه وآله وسلم صحة موقفه قائلا لمن حرضه على قتله: أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له
1) السيرة النبوية / ابن هشام 4: 160 – 177.
(٧١)
أنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته (1).
فالظروف والمصلحة الاسلامية هي التي تحدد الموقف العملي من تغيير المنكر، فقد يؤدي استخدام القوة أحيانا إلى إلحاق الضرر بالاسلام والمسلمين فلا يجب بل لا يجوز استخدامها، ويجب أن تؤجل إلى الظرف المناسب، وقد يؤدي التخلي عن استخدامها إلى الحاق الضرر بالاسلام والمسلمين، فيجب النهوض بها، كما هو الحال في تنوع مواقف أئمة أهل البيت عليهم السلام من رؤوس المنكر وأجهزتهم الممتدة في المجتمع الاسلامي، بين هدنة وحركة ملحة، واعداد العدة للظرف المناسب.
2 – المراحل العلاجية اللاحقة لوقوع المنكر:
إن اتخاذ الموقف من المرتكبين للمنكر، وتصنيفه أو توزيعه على مراحل، يعتمد على اكتشاف الواقع وإدراكه، وليس على وضع مراحل نظرية متدرجة، فالظرف والواقع الذي يعيشه المكلف ويعيشه المرتكب للمنكر، ونوعية المنكر كما ونوعا، ومن حيث التكرار وعدمه، كل ذلك له مدخلية في تحديد المراحل والخطوات.
وللوهلة الأولى تحدد هذه المراحل من خلال استقراء مسيرة المصلحين والمغيرين على طول التاريخ، والتي تكون قريبة من الواقع:
1 – اظهار الكراهية والتعريف بالمنكر: اظهار الكراهية للمنكرات والموبقات المرتكبة يساهم في ردع المرتكب لها، أو على الأقل التستر بها كخطوة أولى، واظهار الكراهية يبدأ بالوجه ثم باللسان الكاشف عن
1) السيرة النبوية / ابن هشام 3: 305.
(٧٢)
الكراهية القلبية.
والتعريف بالمنكر غالبا ما يكون مقارنا في مقطعه الزمني لاظهار الكراهية، فهو تذكير لمن يعرفه، وتعليم لمن لا يعرفه ويرتكبه جهلا منه بحرمته.
قال تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره… * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين…﴾ (1).
ومن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه كان يظهر كراهيته لبعض الممارسات الخاطئة، ويرتقي المنبر من أجل ذلك، فحينما بعث صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا لا مقاتلا، فلما وضعوا السلاح أمر بقتلهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى السماء، ثم قال:
اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد (2).
وحينما سمع بريدة يقع في علي عليه السلام قال له صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي (3).
فقد أظهر صلى الله عليه وآله وسلم كراهيته لهذا العمل، ثم عرف بريدة بكون ما ارتكبه منكرا.
فالبعض قد يرتكب ما ينافي الأوامر الإلهية ولا يعلم بحرمة ذلك،
١) سورة هود: ١١ / ٨٤ – ٨٦.
٢) السيرة النبوية / ابن هشام ٤: ٧٢.
٣) كنز العمال ١١: ٦٠٨.
(٧٣)
فلابد من توضيح ذلك إليه.
2 – الوعظ والنصح: بعد التعريف بالمنكر أو التذكير به يأتي دور الوعظ والنصح، فإن الموعظة والنصيحة لها تأثير ملموس على الانسان، لذا فإن الأنبياء والأئمة عليهم السلام لم يتوقفوا عن ابداء المواعظ والنصائح لاتباعهم وللمخالفين لهم.
ويتم ذلك عن طريق التنبيه لمضار الانحراف الفكري والسلوكي وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع. والتنبيه إلى الرقابة الإلهية المحيطة بالانسان والعالمة بسكناته وحركاته، وما يسر وما يعلن. وتذكيره بالثواب والعقاب يوم القيامة، وتخويفه من غضب الله تعالى في دار الدنيا. وتذكيره بحقوق الله تعالى وحقوق الناس، وتوجيهه إلى الآثار الايجابية للاستغفار والتوبة والعودة إلى الاستقامة، وابداء المعونة له للتغلب على الأسباب التي تدفعه للانحراف، والمساهمة في معالجة المشاكل التي تواجهه .
وقد حفل القرآن الكريم وكتب السيرة بالمواعظ والنصائح للمنحرفين. وأفضل أسلوب في هذا المجال هو الترغيب والترهيب.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات.
من أشفق من النار اجتنب المحرمات.
من خاف العقاب انصرف عن السيئات.
(٧٤)
ذكر الآخرة دواء وشفاء (١).
وقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة.. ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه (٢).
٣ – الزجر والتغليظ بالكلام: حينما يصر مرتكب المنكر على انحرافه، ولم تنفع معه المواعظ والنصائح المتكررة من قبل الفرد أو الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، فلا بد من استخدام الأساليب الرادعة له، والانتقال مع الأساليب من الأسهل إلى الأشد.
وكثيرا ما يكون الكلام اللاذع مؤثرا في ردع الانحراف، لأنه سيكون بمثابة المطرقة الموقظة التي تنبه العقل والضمير والإرادة، وتدفع المنحرف إلى التخلي عن انحرافه تجنبا للزواجر الموجهة إليه.
ومن ذلك قول إبراهيم عليه السلام – كما ورد في القرآن الكريم -: ﴿قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ (3).
وقد سمى القرآن الكريم أصنافا من المسلمين بالفاسقين والمنافقين لكي يرتدعوا.
وفي السيرة النبوية بعض الشواهد على ذلك، فحينما عصى بعض الصحابة أوامره صلى الله عليه وآله وسلم بالتوجه إلى جيش أسامة، غضب صلى الله عليه وآله وسلم وقال:
١) تصنيف غرر الحكم: ١٤٦.
٢) تحف العقول: ٢٨٧.
٣) سورة الأنبياء: ٢١ / 66 – 67.
(٧٥)
2025-11-29