الفصل الأول: الهجرة والجهاد
عبداً لخاف من مولاه”1. الإمام عليه السلام قال هذه الكلمة وانصرف، فعادت الجارية إلى الدار وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر، فسألها: ما الذي أبطأك؟ فروت له ما دار بينها وبين الإمام عليه السلام، وسمع ما نقلته من قول الإمام عليه السلام: “صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه” فهزّه هزّاً عنيفاً أيقظه من غفلته، وأيقظه من نومة الغفلة عن الله، ثمّ سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجَّه إليها الإمام، فأخبرته فانطلق يعدو خلفه، حتى أنّه نسي أن ينتعل حذاءه. في الطريق كان يحدث نفسه بأنّ هذا الرجل هو الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام، فتاب على يده واعتذر وبكى ثمّ هوى على يدي وقدمي الإمام يقبّلها وهو يقول: سيّدي أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله، لا أريد هذه الحرية المذلة التي تأسر الإنسانيّة فيَّ، وتطلق العنان للشهوة الحيوانية، لا أريد حرية السعي وراء الجاه والمنصب، لا أريد حرية الخوض في مستنقع الذّنوب وأغدو أسيراً لها، لا أريد أن تؤسر فيَّ الفطرة السليمة والعقل السليم، من هذه الساعة أريد أن أصبح عبداً لله وحده، حراً تجاه غيره. وتاب بشر على يد الإمام الكاظم عليه السلام. ومنذ تلك اللحظة هجر الذّنوب ونأى عنها وأتلف كلّ وسائل الحرام، وأقبل على الطاعة والعبادة. إذن، بشر هذا هو مهاجر أيضاً لأنّ “المهاجر من هجر السيّئات”.
1 عندما فتحت الجارية الباب كانت أصوات الغناء والعيدان تصل إلى الشارع من داخل دار بشر وسمعها الإمام عليه السلام.
18
12
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
ثانياً: جهاد النفس
ولهذا المنحى في تفسير الهجرة، شبيه في باب الجهاد أيضاً حيث إنّ “المجاهد من جاهد نفسه”1 والمجاهد هو من يجاهد النفس الأمّارة بالسوء وأهواءها الداخلية، ومعروف أنّ الصراع الداخلي موجود باستمرار، قائم بين النفس وأهوائها من جهة والعقل من جهة أخرى.
يقول أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام: “أشجع الناس من غلب هواه”2.
نموذج “بورياي ولي”
هناك مثال آخر يوضح الشجاعة الحقيقية نستخلصه من القصة المعروفة التي حدثت لـ “بورياي ولي”. وقد كان هذا من كبار أبطال المصارعة في العالم، وكان يعتبر نموذجاً للبطولة والرجولة والعرفان في آن واحد، يروى أنّ هذا البطل كان قد سافر مرة إلى إحدى المدن للتباري مع بطلها في المصارعة. وعُين موعد للمباراة، وذلك في ليلة الجمعة، وخلال تجواله في تلك المدينة، شاهد “بورياي ولي” امرأة عجوزاً كانت توزع الحلوى على الناس وتطلب منهم الدّعاء، ولم تكن تعرف “بورياي
1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج11، ص 124.
2 نهج البلاغة، وللإمام عليّ عليه السلام حكمة بالغة توضح هذا المعنى إذ يقول عليه السلام: “ما ظفر من ظفر الإثم به، والغالب بالشرّ مغلوب”. نهج البلاغة، ص 533 (تحقيق صبحي الصالح).
19
13
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
ولي” من قبل، فقدمت له الحلوى وسألته الدّعاء، ولكنّه سألها عن حاجتها ما هي؟ فقالت: “إنّ ابني هو بطل مدينتنا في المصارعة، وقد جاءنا منافس له من مدينة أخرى لمنازلته، وسيلتقيان خلال الأيام القليلة المقبلة، وأنا أخشى أن يخسر ولدي المباراة، فخسارته لا تعني انتكاسة شخصية له وحسب، بل تعني انقطاع مورد رزقنا الوحيد الذي يأتينا من الراتب الذي يقدم لولدي في هذه اللعبة، ولذلك فإنّ فشله في المباراة يعتبر تدميراً لحياتنا، وأنا امرأة عجوز لا أقوى على شيء.
عندما سمع “بورياي ولي” حديث المرأة، قال لها: “اطمئني سأدعو لك” ثم استغرق هذا الرجل في التفكير مع نفسه محدثاً إيّاها عمّا سيفعله في المباراة “هل أصرعه إذا كنت أقوى منه أم لا؟” هنا تذكر هذا البطل مقولة إن: “أشجع الناس من غلب هواه”. وفي اليوم المقرر للمباراة، صعد إلى الحلبة فوجد منافسه أضعف منه كثيراً ويستطيع أن يطرحه أرضاً بحركة واحدة، لكنّه ومن أجل أن يجعل المباراة تجري وكأنّها حقيقة – كي لا يفهم المشاهدون القرار الذي اتخذه بعد التغلب عليه – راح يكثر من الدوران ويطيل المصاولة والمجاولة مع منافسه ثم مكّنه بعد ذلك من أن يصرعه. وهنا يذكرون عن هذا البطل، أنّه وفي تلك اللحظة التي صُرع فيها، أحسَّ وكأنّ قلبه انفتح لله وكأنّه يرى بقلبه عالم الملكوت، هذا الرجل – لأنّه جاهد نفسه وانتصر عليها في تلك اللحظة – قد
20
14
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
أصبح من أولياء الله، لماذا؟ لأنّ: “المجاهد من جاهد نفسه” ولأنّ: “أشجع الناس من غلب هواه” ولأنّه أظهر شجاعة فاق بها كلّ الأبطال1.
نموذج أمير المؤمنين علي عليه السلام وعمرو بن عبد ود العامري
وأعظم من هذه الحادثة، قصة الإمام عليّ عليه السلام مع عمرو بن عبد ود، هذا البطل الذي كان يوصف بفارس يليل2، الفارس الذي يعدل ألفاً. في معركة الخندق كان عسكر المسلمين في جهة من الخندق وعسكر العدو في الجهة الثانية منه، بحيث لم يكن
1 وممّا يؤسف له أنّ هذه المعنويات فقدت بين رياضيي هذا العصر، ففي السابق كان الرياضيون يرون في الإمام علي عليه السلام النموذج الأكمل للبطل، لأنّه عليه السلام كان بطلاً على كلا الجبهتين، جبهة الصراع مع أعداء الله في ميادين الحرب، وجبهة الصراع مع النفس الأمّارة بالسوء وأهوائها.
القوّة الحقيقية والبطولة المثلى لا يمكن أن تحقّق إلّا إذا تحرر الإنسان من عبودية الهوى والشهوة، أي إنّ البطل والشجاع حقّاً من لا يتصدى لأعراض الناس، لأنّ روح الشجاعة الحقّة تمنعه من ذلك، وهو لا يزني لأنّ روح الشجاعة والبطولة لا تسمح له بذلك، وهو لا يشرب الخمر لأنّ روح الشجاعة ترفض ذلك.
والبطل القوي والشجاع، لا يكذب، فالشجاعة تأبى أن تكون حليف الكاذب، والشجاع لا يتملق فالملق ضدّ الشجاعة والقوّة.
فالبطل الحقيقي، ليس ذلك الذي يقدر على رفع ثقل كبير أو صخرة ضخمة بل الأهم هو أن يقدر على هوى نفسه وينتصر عليها.
2 وسبب تسميته بهذا الاسم هو أنّه كان مقبلاً في ركب من قريش حتى إذا وصلوا إلى وادي يليل – وهو واد قريب من بدر – تعرضت لهم بنو بكر في عدد من الفرسان. فقال عمرو بن عبد ود لأصحابه: أمضوا، فمضوا، وتصدى وحده لبني بكر ومنعهم من أن يصلوا إليه فعرف بذلك”.
تفسير الميزان: ج 16، ص 197 في تفسير سورة الأحزاب”.
21
15
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله