نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم و يليه نفثة المصدور فيما يتجدد به حزن العاشور

أقول: شجاعة الحسين (عليه السلام) يضرب بها المثل، و صبره في مواقف الحرب أعجز الأواخر و الأول، و مقامه في مقاتلة هؤلاء الفجرة عادل مقام جده (صلى الله عليه و آله) ببدر فاعتدل، و صبره على كثرة أعدائه و قلة أنصاره صبر أبيه في صفين و الجمل، و ناهيك في هذا المقام ما في الزيارة الواردة عن الناحية المقدسة على صاحبها آلاف السلام:

«و بدءوك بالحرب فثبتّ للطعن و الضرب و طعنت جنود الفجار و اقتحمت قسطل الغبار مجالدا بذي الفقار كأنك علي المختار، فلما رأوك ثابت الجأش غير خائف و لا خاش نصبوا لك غوائل مكرهم و قاتلوك بكيدهم و شرهم، و أمر اللعين جنوده فمنعوك الماء و وروده و ناجزوك القتال و عاجلوك النزال و رشقوك بالسهام و النبال و بسطوا إليك أكف الاصطلام و لم يرعوا لك ذماما و لا راقبوا فيك أثاما في قتلهم أوليائك و نهبهم رحالك و أنت مقدم في الهبوات و محتمل للأذيات، قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات، فأحدقوا بك من كل الجهات و أثخنوك بالجراح و حالوا بينك و بين الرواح، و لم يبق لك ناصر و أنت محتسب صابر تذب عن نسوتك و أولادك، حتى نكسوك عن جوادك فهويت إلى الأرض جريحا تطؤك الخيول بحوافرها و تعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك و اختلفت بالانقباض و الانبساط شمالك و يمينك، تدير طرفا خفيا إلى رحلك و بيتك و قد شغلت بنفسك عن ولدك و أهاليك» [1].

و أما علمه (عليه السلام)

فينبغي أن يعلم أن علوم أهل البيت (عليهم السلام) لا تتوقف على التكرار و الدرس، و لا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، و لا يعلمونها بالقياس و الفكر و الحدس، فسمات معارفهم و علومهم بعيدة عن الإدراك و اللمس. فمن أراد ستر فضائلهم كان كمن أراد ستر وجه الشمس.

و هذا مما ينبغي أن يكون ثابتا مقررا في النفس، إنهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة و يقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة، و هم كما في نفوس أوليائهم و محبيهم و زيادة، فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا و ما استكانوا في الجواب و لا ضعفوا.

فأيهم اعتبرت أحواله و تدبرت أقواله وجدته فريدا في مآثره وحيدا في مزاياه و مفاخره مصدقا قديم أوله بحديث آخره، تقر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم و تصغى الأسماع إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم، و يقف كل ساع عن شأوهم فلا تدرك غايتهم و لا تنال طرائقهم.

سجايا منحهم بها خالقهم و أخبر بها صادقهم، فإنه (صلى الله عليه و آله) أزال الشبهة و الالتباس و صرح بفضلهم كيلا يفتقر في إيضاحه إلى الدليل و القياس، فقال: انا بني عبد المطلب سادات الناس‌ [1].

و أما كرمه و جوده (عليه السلام)

فقد روي أنه أتت فاطمة (عليها السلام) بابنيها الحسن و الحسين (عليهما السلام) الى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) في شكواه التي توفي فيها، فقالت: يا رسول اللّه هذان ابناك فورثهما شيئا. فقال: أما الحسن فإن له هيبتي و سؤددي و أما الحسين فإن له جودي و شجاعتي‌ [2].

و قد اشتهر النقل عنه (عليه السلام) أنه كان يكرم الضيف و يمنح الطالب و يصل الرحم و ينيل الفقير و يسعف السائل و يكسو العاري و يشبع الجائع و يعطي الغارم و يشفق على اليتيم و يعين ذا الحاجة، و قل أن وصله مال إلا و فرقه.

و روي أن معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير و ثياب وافرة و كسوات وافية

فرد الجميع عليه و لم يقبله منه‌ [1].

و هذه سجية الجواد و شنشنة الكريم و سمة ذي السماحة و صفة من حوى مكارم الأخلاق، فأفعاله شاهدة له بصفة الكرم ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم، و ينبغي أن يعلم أن الكرم الذي الجود من أنواعه كامل في أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله) ثابت لهم محقق فيهم و لا يعدوهم و لا يفارقهم، بل هو لهم على الحقيقة و في غيرهم كالمجاز. و لهذا لم ينسب الشح إلى أحد من بني هاشم و لا نقل عنهم، لأنهم يجارون الغيوث سماحة و يبارون الليوث حماسة.

قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خطبته بالشام: أعطينا العلم و الحلم و السماحة و الفصاحة و الشجاعة و المحبة في قلوب المؤمنين‌ [2].

فهم البحور الزاخرة و السحب الهامرة.

فما كان من خير أتوه فإنما * * * توارثه آباء آبائهم قبل‌

و هذه الأخلاق الكريمة اتخذوها شريعة و جعلوها إلى بلوغ غايات الشرف ذريعة لشرف فروعهم و كرم أصولهم، فهم مقتدى الأمة و رءوس هذه الملة و سروات الناس و سادات العرب و خلاصة بني آدم و ملوك الدنيا و الهداة إلى الآخرة و حجج اللّه على عباده و أمناؤه في بلاده، فلا بد أن تكون علامات الخير فيهم ظاهرة و سمات الجلال بادية باهرة.

و إن كل متصف بالجود من بعدهم بهم اقتدى و على منوالهم نسج و بهم اهتدى. و كيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة في موطن النزال، و كيف لا يسمح بالعاجل من همه بالآجل. و لا ريب عند العقلاء أن من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود، و من زهد في الحياة المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد.

و قال الشاعر:

يجود بالنفس إن ضن الجواد بها * * * و الجود بالنفس أقصى غاية الجود

و لهذا قالوا: إن السماحة و الحماسة رضيعتا لبان، و قد تلازمتا معا فهما توأمان فالجواد شجاع و الشجاع جواد. و هذه قاعدة كلية.

قال أبو تمام (رحمه الله) في الجمع بينهما:

و إذا رأيت أبا يزيد في الندى‌ * * * و وغى و مبدى غارة و معيدا

أيقنت أن من السماح شجاعة * * * تدني و أن من الشجاعة جودا

و قال أبو الطيب:

قالوا أ لم تكفه سماحته‌ * * * حتى بنى بيته على الطرق‌

فقلت إن الفتى شجاعته‌ * * * تريه في الشح صورة الفرق‌

كن لجة أيها السماح فقد * * * آمنه سيفه من الغرق‌

و قيل: الكريم شجاع القلب و البخيل شجاع الوجه.

و لما وصفهم معاوية وصف بني هاشم بالسخاء و آل الزبير بالشجاعة و بني مخزوم بالتيه و بني أمية بالحلم، فبلغ ذلك الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال:

قاتله اللّه أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه، و أن يشجع آل الزبير فيقتلون، و أن يتيه المخزوميون فيمقتوا، و أن تحلم بنو أمية فيحبهم الناس‌ [1].

و لعمري لقد صدق معاوية في بعض مقاله و إن كان الصدق بعيدا من أمثاله و لكن الكذوب قد يصدق، فإن السماحة في بني هاشم كما قال، و الشجاعة و الحلم فيهم في كل الأحوال، و الناس في ذلك تبع لهم فهم عليهم كالعيال، فإذا تفرقت في الناس خصال الخير اجتمعت فيهم تلك الخصال. و هذا القول هو الحق و ما بعد الحق إلا الضلال‌ [2].

شاهد أيضاً

السيد الحوثي: لن نقبل بخنق شعبنا ونعمل على تثبيت معادلة الحصار بالحصار

السيد الحوثي: لن نقبل بخنق شعبنا ونعمل على تثبيت معادلة الحصار بالحصار 2026-07-30 استهل قائد …