مدينة الطاقة .. المشروع الذي ينتظره العراق منذ عقود ..
أياد السماوي
حين أعلن رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي من مدينة هيوستن الأمريكية ، عن خطط إنشاء مدينة الطاقة في الفاو ، لم يكن الإعلان متعلقا بمصفاة نفط أو محطة كهرباء أو منشأة غازية منفردة ، بل بمشروع متكامل يضم مجمعات لتكرير النفط الخام ، وإنتاج وتجميع الغاز ، ومحطات للطاقة الكهربائية ، ويرتبط بخطوط الأنابيب الاستراتيجية وطريق التنمية ..
أهمية إعلان هيوستن عن إنشاء مدينة الطاقة في الفاو لا تكمن في الإعلان نفسه ، بل في قدرة الحكومة على تحويله سريعًا من مشروع على الهواء إلى مشروع حقيقي على الأرض .. فقد شهد العراق في مراحل سابقة ، الإعلان عن مشاريع استراتجية كبيرة انتهى بها المطاف عند حدود التصريحات وبعض الدراسات على الورق ، فيما بقي الاقتصاد العراقي ينتظر مشروعًا استراتيجيًا يغيّر بنيته ويضعه على طريق النمو .. فهل سيتحقق الحلم الذي انتظره العراقيون أم سيذهب أدراج الرياح كما حصل مع طريق التنمية ؟ ..
ومدينة الطاقة يمكن أن تكون هذا المشروع المنتظر ، لأنها لا تقوم على إنشاء مصفاة أو محطة كهرباء منفردة ، بل على بناء منظومة متكاملة تجمع النفط والغاز والتكرير والكهرباء والصناعة والنقل في مركز اقتصادي واحد ..
وهنا تكمن أهمية فكرة مدينة الطاقة في الفاو ، أنها تفتح الطريق أمام انتقال العراق من تصدير النفط الخام إلى تصنيع جزء أكبر من ثروته داخل البلاد .. فالقيمة الحقيقية للنفط والغاز لا تتحقق عند استخراجهما ، بل عند تحويلهما إلى مشتقات وصناعات بتروكيمياوية وكهرباء ومنتجات قابلة للتصدير .. وهذا التحول يعني إيرادات أكبر وفرص عمل أكثر ، وتقليلًا للاستيراد ، وتوسيعًا للقاعدة الإنتاجية ..
أما أهميتها الثانية ، فتتمثل في جمع ملفات ظلت تدار بصورة منفصلة .. فالنفط بمعزل عن الغاز ، والكهرباء بعيدًا عن الصناعة ، والموانئ دون قاعدة إنتاجية متكاملة . مدينة الطاقة تستطيع إنهاء هذا التفكك ، وبناء سلسلة اقتصادية تبدأ من الموارد الوطنية وتنتهي بالصناعة والتصدير .. كما يمكن للمشروع أن يكون المحرك الاقتصادي الحقيقي لميناء الفاو وطريق التنمية .. فالممرات والموانئ لا تصنع نهضة بمفردها ، ما لم ترتبط بمراكز إنتاج وصناعة وتجارة .. ووجود مدينة للطاقة في الفاو سيحوّل المنطقة من منفذ لتصدير الخام إلى قاعدة صناعية ولوجستية متكاملة ..
وإذا نجح المشروع ، فإنّ أثره لن يقتصر على قطاع الطاقة ، بل سيمتد إلى الصناعة والنقل والاستثمار والتكنولوجيا وسوق العمل ، وقد يضع الأساس لنموذج اقتصادي جديد يقوم على الإنتاج والقيمة المضافة بدل الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية ..
لكن ذلك كله مرهون بالانتقال الفوري من الإعلان إلى العمل ، عبر وضع خريطة طريق واضحة ، وإدارة موحدة ، وتمويل مستقر، وشراكات حقيقية ، وجدول زمني معلن للتنفيذ .. فمدينة الطاقة أكبر من أن تبقى وعدًا ، وأهم من أن تُترك للروتين وتعدد الجهات ..
إنّ إعلان هيوستن يمكن أن يكون نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل اقتصادي زاهر للعراق ، شريطة أن تبدأ خطوات التنفيذ الآن .. فالفرق بين إعلان يمرّ ، ومشروع يصنع التاريخ ، هو إرادة الدولة وقدرتها على الإنجاز .. ومن هنا فإنّ هذه المدينة ينبغي ألا تُقرأ بوصفها مشروعًا نفطيًا فحسب ، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا للتنمية المستدامة ، يرتبط مباشرة بالأمن الكهربائي الذي تحدثنا عنه في الأيام الماضية ، واستثمار الغاز المصاحب ، وتطوير الصناعة النفطية ، وهي الملفات الثلاثة التي تشكل معًا الأساس الحقيقي لبناء اقتصاد عراقي منتج ومتنوّع ..
في ١٧ / ٧ / ٢٠٢٦
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله


