الرئيسية / الاسلام والحياة / الإسلام منهج حياة – دروس من فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

الإسلام منهج حياة – دروس من فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

صفه الوارثين

وقد حدّد القرآن الكريم في نصٍّ آخر صفة هؤلاء المستضعَفين الّذين ترشّحهم ثورة الأنبياء عليهم السلام لتسلُّم مقاليد الخلافة في الأرض، إذ قال الله تعالى: “الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور “1.

ثانياً: إنّ صراع الأنبياء عليهم السلام مع الظلم والاستغلال لم يتّخذ طابعاً طبقيّاً كما وقع لكثير من الثورات الاجتماعيّة,
________________________________________
1-سورة الحج، الآية: 41.
لأنّه كان ثورة إنسانيّة قد حرّرت الإنسان من الداخل من خلال الجهاد الأكبر قبل كلّ شي‏ء، ولم يكن جانبه الثوريّ الاجتماعيّ إلّا بناء علويّاً.

وقد استطاع الإسلام بعمليّة التحرير من الداخل، أنْ يُنبّه في النفوس الخيّرة كلّ كوامن الخير والعطاء، ويُفجِّر فيها طاقات الإبداع على اختلاف انتماءاتها الطبقيّة في المجتمعات الجاهليّة، فكان الغنيّ يقف إلى جانب الفقير على خطّ المواجهة للظلم والطغيان، وكان مستغِلّ الأمس يندمج مع المستغَلّ في إطار ثوريّ واحد بعد أنْ يُحقّق الجهاد الأكبر فيه قيمه العظيمة.

إذاً: إنّ الثائر على أساس نبويّ ليس ذلك المستغِلّ الّذي يؤمن بأنّ الإنسان يستمدّ قيمته من ملكيّة وسائل الإنتاج وتمكّنه في الأرض، ويسعى في سبيل انتزاع هذه القيمة من يدٍ مستغِلّة، والاستئثار بها لنفسه، لكي تفرض طبيعة هذا الصراع أنْ يكون الانتماء إلى طبقة المستغِلّين أو المستغَلّين هو الّذي يُحدّد موقع الإنسان في الصراع، بل الثائر النبويّ هو ذلك الإنسان
الّذي يؤمن بأنّه يستمدّ قيمته الإنسانيّة من سعيه الحثيث نحو الله تعالى، واستيعابه لكلّ ما يعني هذا السعي من قيم إنسانيّة وفضائل أخلاقيّة، وفي الوقت ذاته يشنُّ حرباً لا هوادة فيها على الاستغلال، باعتباره هدراً لتلك القيم، وتحريفاً للإنسانيّة عن مسيرتها نحو الله وتحقيق أهدافها الكبرى.

شبهة أحكام الإسلام الثابتة في ظلّ أحكام الحياة المتغيّرة:

كثيراً ما يُثير المُشكِّكون سؤالاً حول كيفيّة معالجة مشاكل الحياة الاقتصاديّة1 في نهاية (القرن العشرين)2 على
________________________________________
1-الإشارة إلى المشكلة الاقتصاديّة دون المشاكل الأخرى (الثقافيّة – السياسيّة – الاجتماعيّة…) هو للدلالة على أنّ أكثر المشاكل تعقيداً وبالغة الصعوبة – والّتي نعيشها اليوم – هي المشكلة الاقتصاديّة، بل هي المدخل الرئيس – أحياناً كثيرة – إلى بروز المشاكل السياسيّة والاجتماعيّة وغيرهما. والدليل على هذا فإنّ الأزمة العالميّة المرتقبة في المستقبل القريب هي أزمة اقتصاديّة بامتياز، وتتمثّل في شح المياه العذبة، وندرتها، الأمر الّذي سيُسبّب مشاكل سياسيّة وحروب عسكريّة بين دول العالم، قد نتلمّس بعض معالمها ـ اليوم ـ بمحاولة العدوّ الصهيوني إعادة احتلال مياه الوزّاني في جنوب لبنان، ولو تطلّب ذلك حرباً عسكريّة شاملة مع لبنان وفي المنطقة كلّها.
2-كتب الشهيّد الصّدر قدس سره هذه الدراسة في أواخر سبعينات القرن العشرين المنصرم.

أساس الإسلام، مع ما طرأ على العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعد قرابة (1) قرناً من توسّع وتعقيد، وما يواجه إنسان اليوم من مشاكل نتيجة ذلك!.

والجواب: إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائماً، ذلك أنّ الاقتصاد الإسلاميّ تمثّله أحكام الفقه في الثروة والمال، وهذه الأحكام تشتمل على قسمين من العناصر:

1- العناصر الثابتة، وهي الأحكام المنصوص عنها في الكتاب والسُّنة فيما يتّصل بالحياة الاقتصاديّة.

2- العناصر المرنة والمتحرِّكة، وهي تلك العناصر الّتي تُستمدّ – على ضوء طبيعة المرحلة في كلّ ظرف – من المؤشّرات الإسلاميّة العامّة7 والّتي تدخل في نطاق العناصر الثابتة.
وبالتالي لا يُستكمل الاقتصاد الإسلاميّ إلّا باندماج العناصر المتحرّكة مع العناصر الثابتة في تركيب واحد
________________________________________
1-سيأتي توضيحها بالتفصيل لاحقاً.

تسوده روح واحدة وأهداف مشتركة.

أما عمليّة استنباط العناصر المتحرّكة وتحديدها من المؤشّرات الإسلاميّة العامّة فهي تتطلّب ما يلي:

1 – منهجاً إسلاميّاً واعياً للعناصر الثابتة.
2 – استيعاباً شاملاً ودقيقاً لطبيعة المرحلة، وشروطها الاقتصاديّة، وأهدافها، وأساليبها الّتي تتكفّل بتحقيقها.
3 – فهماً فقهيّاً قانونيّاً لحدود وصلاحيّات الحاكم الشرعيّ.

شاهد أيضاً

مع الامام الخامنئي والاحكام الشرعية حسب نظره

س873: الذين أُحيلوا على التقاعد ولا زالوا يأخذون الراتب إلى الآن، هل يجب عليهم أداء ...