الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / حَقّ … فاجْعَلْهُ حِطّةّ لِذُنوبِهِمَا ، وَعَلُوّا
3

حَقّ … فاجْعَلْهُ حِطّةّ لِذُنوبِهِمَا ، وَعَلُوّا

الأثر الخالد في الولد والوالد

حَقّ … فاجْعَلْهُ حِطّةّ لِذُنوبِهِمَا ، وَعَلُوّا
في دَرَجَاتِهِمَا ، وَزياَدَةً في حَسَناَتِهِماَ ، يَا مُبَدّلَ
السّيئّاتِ بأضْعَافِهَا مِنَ الحْسَناَتِ .


( أللهم خفّض لهما صوتي ) غض الصوت وخفضه من الآدب الشرعية والعرفية ، بخاصة عند مخاطبة الكبار وأهل المكانة . وفي الآية 19 من لقمان : « واغضض من صوتك ان أنكر الأصوات لصوت الحمير » ( وأطب لهما كلامي ) قال سبحانه : « فلا تقل لهما أف ولاتنهرهما وقل لهما قولا كريماً ـ 23 الأسراء » على أن الكلمة الطيبة بوجه عام كالشجرة الطيبة « أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين ـ 25 ابراهيم » ( عريكتي ) طبيعي ( رفيقاً ) : لطيفاً لا فظاً غليظاً .
( أللهم واشكر لهما … ) أجزهما بالاحسان احساناً ، وبالسيئات غفواً وغفراناً ( واحفظ لهما ما حفظاه مني في صغري ) أجزل لهما الأجر والثواب على ما لقيا من التعب والعناء في سبيلي رضيعاً وصبياً . وقال رجل للنبي (ص) : ان أبوي بلغا من الكبر عتياُ ، وأنا أولي منهما ـ أباشر ـ ما وليا مني في الصغر فهل قضيت حقهما ؟ قال : لا ، فانهما كانا يفعلان ذلك وهما يحتان بقاءك ، وأنت تفعله ، وتريد موتهما ( أللهم وما مسهما مني من أذى …) كل ما أصابهما بسبي من مكروه ( فاجعله حطة ) : محواً ( لذنوبهما وعلواً ) لمقامهما عندك بحيث يكون شقاؤهما بي في الدنيا سبباً لسعادتهما في الآخرة .
( يا مبدل السيئات بأضعافها حسنات ) لمحو السيئات العديد من الطرق منها التوبة ، ومنها اصلاح ذات البين وكل عمل نافع مفيد للفرد والجماعة ، ومنها المرض فانه يحط السيئات ، ويحتها حت الأوراق ، على حد تعبير


( 154 )

نهج البلاغة ، ومنها العدوان حيث يتحمل المعتدي سيئات المعتدى عليه ، وأيضاً يأخد هذا حسنات ذاك ، وسبقت الاشارة الى ذلك في الدعاء 22 عند تفسير « تقاضي به من حسناتي وتضاعف به من سيئاتي » .


أللّهُمَّ وَمَا تَعَدّيَا عَلَيّ فيِه مِنْ قَوْل ، أوْ
أسْرَفا عِلِيّ فِيٍه مِنْ فعٍل ، أوْ ضَيَّعاهُ لي مِنْ حَقّ ،
أوْ قَصّرا بي عنَْهُ مِنْ واجِبٍ … فَقَدْ وهَبْئُهُ
لَهُمَا ، وَجُدْتُ بِهِ علَيْهِمَا ، وَرَغبتُ اليَك في
وَضْع تبَعتِه عَنْهمَا ، فانّي لا أتهّمُهُمَا ، عَلى نَفْسي ،
وَلا أستْبْطئُهُمَا في بِرّي ، وَلا أكْرهُ مَا تَولَياَهُ
مِنْ أمرْي يَارَبّ ؛ فهُمًا أوجبُ حَقاً عَلَيّ ،
وَأقْدم احْساناً الَيّ ، وأعظَمً منّةً لَدَيّ …
مِنْ أنْ أقاَصّهُمَا بِعَدلٍ ، أوْ أجَازِيهُمَا عَلى سِئْلٍ .
أيْن اذاً يَا الَهي طُولُ شُغْلِهِما بترَبيَني ؟ وأيْنَ
شِدُةُ تَعَبهِمَا في حِراستي ؟ وأيْنَ اقْتَارُهُمَا
عَلى أنفْسِهمَا للتَوْسِعَة عَلَيّ ؟ ؛ هًيْهَاتَ مَا
يسَتْوفِيَانِ مِنّي حَقّهُمَا ، وَلا أدْركُ مَا يَحِبُ
عَلَيّ لَهُمَا ، وَلا أنَا بِقَاضٍ وَظيفَةَ خِدْمَتِهِمَا .

( أللهم وما تعديا علي فيه .. ) كما أوجب سبحانه حقوقاً للوالدين على والولد ، أوجب أيضاَ حقوقاً له عليهما ، ومن أهمل وقصّر استحق اللوم والعقاب والداً كان أو ولداً ، والامام السجاد ( ع ) يتجاور ويتنازل عما


( 155 )

افترضه الله له على أبويه ، وحملهما من حقه أياً كان نوعه ويكون ، وعبّر عن هذا التسامح والتجاوز بقوله : ( وهبته لهما … ) أسألك اللهم أن لا تؤاخذ أبوي على أي شيئ يتصل بي من قريب أو بعيد ( فاني لا أتهمهما على نفسي …) هما عندي وفي عقيدتي من الناصحين المخلضين لا تواني منهما في ولا تقصر ( ولا أكره ما توليا من أمري ) مهما أبي من المحبوب محبوب ، والعكس بالعكس .
( فهما أوجب حقا علي واحساناً الي …. ) لي حق ولهما حق ، ولكن حقهما اقدم وأعظم ( من أن أقاصهما بعدل …) لا مقاصة عادلة الامع المساواة ، ولا مكان لها بين المنعم والمنعم عليه . ومن هنا يُقتل الولد بوالده ، ولا يُقتل الوالد بالولد .
( أين اذن يا الهي طول شغلهما … ) لقد تحملا الضيق والشدة لاعيش في سعة ، والتعب والعناء لأكون في راحة ، والذل والهوان من أجل سعادتي ( هنهات ) بفتح التاء وكسرها وضمها : اسم فعل بمعنى بعد ( ما يستوفيان حقهما …) أقر وأعبرف بالعجز عن القيام بحقهما مهما اجتهدت وبالغت ، لأنه جسيم وعظيم .
وبعدُ ، فمن أراد أن يستدرك ما فرط من حق أبويه بعد موتهما ، فليستغفر الله لهما ، ويقض دينهما ، ان كان عليهما شيء منه الله أو للناس والا تصدق عنهما بما يستطيع . وفي الحديث : من الابرار يوم القيامة رجل برّ والديه بعد موتهما .


فَصَلّ عَلى مُحمّدٍ وَآلِه ، وَأعِنّي يَا خيْرمَنْ
أسْتَعينُ بِهِ ، وَوَ فقْني يَا أهْدى مَنْ رُغبَ الَيْهِ ،


( 156 )

وَلا تَجْعَلْني في العْقُوقِ للأباءِ وَألأمّهَاتِ يَوْمَ
تجزْى كُلّ نَفْسٍ بمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
أللّهُمّ صَلّ عَلى مُحَمّدٍ وَآلهِ وَذُرّيّتِهِ ، وَاخْصُصْ
أبَويّ بأفْضلِ مَا خَصَصْتَ بِهِ آباء عِبَادك المُؤمنينَ
وَأمّهَاتِهِمْ ، يَا أرْحم الرّاحِمينَ .


( وأعني يا خير من أستعين به …) كل أدعية أهل البيت (ع) ومناجاتهم ، تهدف الى طلب الهداية والعون والتوفيق للعلم بالحق والخير والعمل بموجبه ، لأن التوفيق هو الأصل والمنطلق لكل نفع وصلاح دنيا وأخرة ( ولا تجعلني في أهل العقوق ) : العصيان والتمرد ( للآباء والأمهات ) ولا أدري كيف يعق الولد والديه ، وهو على علم اليقين أنهما أرحم به من نفسه ، وأنهما يضحيان بالنفس والنفيس من أجله ، ولا يجزي الاحسان بالاساءة الا من فيه طبع الحية والعقرب .
( وصل على محمد وآله وذريته ) قيل : الذرية أخص من الآل ، لأن الآل لكل ذي رخم ، والذرية للنسل فقط . ولكن المراد هنا العكس ، لأن القصد من كلمة الآن في الصلاة عليه وعليهم ، المعصومون بالخصوص ، أما الصلاة على الذرية فتعم كل مؤمن صالح من نسل الرسول الأعظم ( ص ) ( واخصص أبوي بأفضل ) ما تخص به المقربين لديك .

أللّهُمّ لا تُنْسنِي ذِكْرَهُمَا في أدْبَار صَلَواتي ،
وفي انيً مِنْ آنَاءِ لَيْلي ، وفي كُلّ سَاعَةٍ مِنْ
سَاعَاتِ نَهَاري .


( 157 )

أللّهُمّ صَلّ عَلى مُحَمّدٍ وَآلِهِ ؛ واغْفِرْ لي
بدُعَائي لهَما وَاغْفِرْ لَهُمَا بِبِرّهِمَا بي مَغْفِرةً
حَتْماً ؛ وَارْضَ عَنْهُما بِشَفاعتَي لهُما رضىً
عَزْماً ، وَبَلغْهُمَا بِالْكرامَةِ مَواطِنَ السّلامَةِ .
أللّهمّ وَانْ سَبَقَتْ مَغْفِرتُكَ لَهُمَا فَشَفَّعهُما
فيَّ ، وَانْ سَبَقَتْ لَهُمَا مَغْفرتُكَ لي فَشَعْني فِيهِما ،
حَتّى نَجْتْمِع بِرأفتِكَ في دارِ كَرامَتِكَ وَمَحَلّ
مَغْفْرتُكَ وَرَحْمَتِكَ .
إنّكَ ذُو الْفضلِ العْظِيمِ ، وَالمْنّ الْقديمِ ،
وَأنْتَ أرحْمُ الرّاحِمنَ .


( أللهم لا تنسني ذكرهما في أدبار صلواتي ) كان الشعب العاملي ، المعروف الآن بجنوب لبنان ، من أشد الناس ولاء لأهل البيت (ع) وأحرصهم على حفظ مناقبهم وآثارهم ، وبخاصة الأدعية حيث يكررونها صباح مساء ، وكان من عادة العامليين أن يقرأوا سورة الفاتحة بعد الصلاة ، يهدون ثوابها إلى الأبوين ، وما زال الكثير منهم على ذلك . وغير بعيد أن يكون المصدر هذا الدعاء بالذات ( وفي آناء من آناء ليلي وفي كل ساعة …) لا تنسني ذكرهما في أي وقت وحين .
( واغفر لي …) اجعل ثوابي عندك على البر بهما ، وثوابهما على البر بي ـ مغفرتك ورحمتك لي ولهما ( حتماً ) : غفراناً محتوماً ( رضىّ عزماً ) : معزوماً أي مقصوداُ ( وبلغهما بالكرامة ومواطن السلامة ) تكرم


( 158 )

عليهما بالجنة وتفضل ( وإن سبقت مغفرتك لهما …) إن تك منزلتهما لديك أعلى وأرفع من مكانّي فارحمني بشفاعتهما ، وإن تك منزلتي أعلى فارحمهما بشفاعتي ( حتى نجتمع ) في جنانك ، ونسعد برضوانك .
والخلاصة أن للوالدين حقوقاً تمتاز عن أكثر الحقوق حتى عن حق المؤمن على المؤمن ولو كان الأبوان مشركين بنص القرآن الكريم : « وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ـ 15 لقمان » .

شاهد أيضاً

300e904f-fa86-4cdf-b7d8-d36f05b3f5eb

18 وظيفة في زمن الغيبة

الوظيفة الثامنة عشر: عدم قسوة القلوب لطول الغيبة   فقد يقسو قلب المرء بسبب طول ...