الرئيسية / مقالات اسلامية / فقه الولاية / ثلاثون أدباً للمتعلّم
30

ثلاثون أدباً للمتعلّم

ما هو العلم؟

 

العلم مفهوم كباقي المفاهيم التي لها ظاهرٌ يتوجّه إلى الناس، وله باطنٌ يُعبّر عن حقيقته، ويُلامس خلفية وجوده.

 

ظاهر العلم‏

أمّا الظاهر، فهو ما أشارت إليه الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام حيث قال: “جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما العلم؟ فقال: الإنصات. قال: ثمّ مه يا رسول الله؟، قال؟ الاستماع. قال: ثم مه؟ قال: الحفظ. قال: ثمّ مه يا رسول الله؟، قال: العمل به. قال: ثمّ مه يا رسول الله؟، قال: نشره[1].

هذا هو العلم بحسب ظاهره.

 

باطن العلم‏

للعلم بُعدٌ آخر هو بُعد الباطن الذي يكشف عن الحقيقة والخلفيّة، ففي حديث عن الصادق عليه السلام: “ليس العلم بالتعلُّم، إنّما هو نور يقع في قلب من يرُيد الله تبارك وتعالى أن يهديه، فإنْ أردت العلم فاطلب أوّلاً في نفسك حقيقة العبوديّة، واطلب

العلم باستعماله، واستفهم الله يُفهمك”[2].

وقد أشار الإمام الخميني قدس سره إلى هذا البعد الباطني للعلم في كلماته حيث يقول: “العلم الحقيقيُّ هو ذلك العلم الذي يكون نوراً للهداية الملكوتيّة، والصراط المستقيم، والتقرُّب لدار الكرامة”[3].

 

كلّ العلم

روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “قال أمير المؤمنين‏ عليه السلام: “يا طالب العلم، إنّ العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النيّة، وعقله معرفة الأسباب والأمور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمّته السلامة، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة، العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، ورداؤه المعروف، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه محبّة الأخيار”[4].

فضل العلم‏

 

القرآن الكريم وفضل العلم‏

يكفي العلم جلالة وفخراً أن الله سبحانه قد جعله السبب الكليّ لخلق هذا العالم العلويّ والسفليّ ، قال الله تعالى في مُحكم الكتاب: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[5].

وجعل سبحانه العلم أعلى شرف، وأوّل منّة امتنّ بها على ابن آدم بعد خلقه وإبرازه من ظُلمة العدم إلى ضياء الوجود، فقال سبحانه في أوّل سورة أنزلها على نبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ *  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[6].

فتأمّل كيف افتتح كتابه الكريم بنعمة الإيجاد، ثمّ أردفها بنعمة العلم، فلو كان ثمة مِنّة أو نعمة بعد

نعمة الإيجاد هي أعلى من العلم لما خصّه الله تعالى بذلك، وصدّر به نور الهداية.

وقد ذكر في تفسير[7] هذه الآية المذكورة في صدر السورة اشتمال بعضها على خلق الإنسان من علق، وفي بعضها تعليمه ما لم يعلم؛ ليحصل النظم البديع في ترتيب آياته: إنه تعالى ذكر أوّل حال الإنسان، وهو كونه علقة، مع أنّها أخس الأشياء، وآخرَ أمره وهو صيرورته عالماً وهو مقام شريف، وليس هذا الكمال إلا من قدرته تعالى، وتنبيه على أن العلم أشرف الصفات، ومن هنا حصر سبحانه الخشية في العلماء، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء[8].

وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم:

منها: دلالتها على أنّ العلماء هم أهل الجنّة؛ وذلك لأنّ العلماء من أهل الخشية، ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة، فالعلماء من أهل الجنة، فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾.

وبيان أنّ أهل الخشية من أهل الجنّة قوله تعالى:

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ[9].

وقرن سبحانه أولي العلم بنفسه، وملائكته، فقال: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ[10].

وزاد في إكرامهم على ذلك مع الاقتران المذكور، بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[11].

وبقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ[12].

وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[13].

وقال تعالى مخاطبا لنبيه، آمراً له مع ما آتاه من العلم والحكمة: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا[14].

فهذه نبذة من فضائل العلم التي نبّه الله عليها في كتابه الكريم.

[1] الشيخ الكليني: الكافي، ج 1، ص 48، علي أكبر الغفاري (تصحيح)، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1363ه.ش، ط 5.

[2] المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار، ج 1، ص 225، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1983م، ط 2.

[3] الكلمات القصار، ص249.

[4] الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص48.

[5] سورة الطلاق، الآية 12.

[6] سورة العلق، الآية 1 – 5.

[7] الطهراني، على الحائري، تفسير مقتنيات الدرر، ج 12، إيران، طهران، 1337ش، ص 15.

[8] سورة فاطر، الآية 28.

[9] سورة البينة، الآية 8.

[10] سورة آل عمران، الآية 18.

[11] سورة آل عمران، الآية 7.

[12] سورة الرعد، الآية 43.

[13] سورة المجادلة، الآية 11.

[14] سورة طه، الآية 114.

شاهد أيضاً

300e904f-fa86-4cdf-b7d8-d36f05b3f5eb

18 وظيفة في زمن الغيبة

الوظيفة الثامنة عشر: عدم قسوة القلوب لطول الغيبة   فقد يقسو قلب المرء بسبب طول ...