الرئيسية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة البقرة الى 235

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة البقرة الى 235

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

232

((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ))، أي إنقضت عدّتهنّ -وذلك بقرينة “أن ينكحن”- ((فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ))، أي لا تمنعوهن ظلماً ((أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)) الى الزوج السابق أو من تريد الزواج به فعلاً وسميّ زوجاً للأول وربما قيل في وجه النزول أن معقل بن يسار عضل أخته جملاء أن ترجع الى الزوج الأول وهو عاصم بن عدي حين طلّقها وخرجت من العدّة ثم أرادا أن يجتمعا بنكاح جديد فمنعها من ذلك، ولو كان كذلك كان المراد بـ(أزواجهنّ) بالمعنى الأول فإنه لا يحق لأحد أن يمنع المرأة الثيّبة في الرجوع الى زوجها بنكاح جديد ((إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ)) مما أباحه شرع الإسلام من شروط النكاح وآداب العِشرة ((ذَلِكَ)) المذكور من تحريم العَضل ((يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) فإنّ من المؤمن يجتنب سخط الله ويبتغي رضاه ((ذَلِكُمْ)) الذي ذكرناه في باب الزواج ((أَزْكَى لَكُمْ)) أنمى لكم ((وَأَطْهَرُ)) لنفوسكم فإنّ في الزواج النسل والتحصّن وسير الحياة الى الأمام ((وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) فإتّبعوا أوامره وإنتهوا عن زواجره.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

233

((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)) فإنّ الأم ترضع ولدها سنتين تامتين أربعة وعشرين شهراً ((لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)) التي ندب إليها الإسلام ومن العلماء من أوجب ذلك ((وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ))، أي الأب، وإنما عبّر بهذا التعبير إثارة للعاطفة له، فإنّ الأب قد وُلد له الولد فاللازم أن يحنو عليه ((رِزْقُهُنَّ)) الأدام والطعام ((وَكِسْوَتُهُنَّ)) اللباس ((بِالْمَعْرُوفِ)) لدى الشرع والعُرف من اللائق بحالها فإنّ على الأب أن يقوم بهذه الشؤون مادامت الأم في الرضاع وقد إستفاد أكثر المفسّرين من هذه الجملة كون الكلام حول الأم المطلَّقة وإلاّ فالرزق والكسوة على الزوج لأجل النكاح لا لأجل الرضاع ((لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا)) فكلٌّ من الأب والأم يؤدي واجبه في حدود طاقته فلا تتحمّل الأم الرضاع بلا بدل ولا ينتفع الأب بولده في المستقبل مجاناً، فسعة هذه أن ترضع ببدل، وسعة ذاك أن يدفع الأجر لما يعود نفعه إليه ((لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا)) بأن تُرضع مجاناً وبلا عوض بإستغلال الأب عاطفة الأم تجاه الولد فلا ينفق عليها، أو بمعنى أن الوالدة لا يُؤخذ منها الولدليُعطى للأجنبية غيظاً من الأب عليها فتضرّر بفراق ولدها ((وَلاَ)) يُضارّ ((مَوْلُودٌ لَّهُ))، أي الأب ((بِوَلَدِهِ)) بأن تستغل الأم عاطفة الأب نحو الولد فتكلّفه أكثر من الكسوة والرزق قبال رضاعها، أو يضرّ الأب بولده بأن يأخذه من الأم ويعطيه للأجنبية، فإن لبن الأم أوفق بالولد، الأول أقرب الى السياق ((وَعَلَى الْوَارِثِ)) للأب إذا مات الأب ((مِثْلُ ذَلِكَ)) الرزق والكسوة للأم في حال رضاعها للولد، ولا يخفى أن أجر رضاع الصبي مما يرثه الصبي من أبيه لدى موت الأب ((فَإِنْ أَرَادَا))، أي الأب والأم ((فِصَالاً)) للولد عن الرضاع بأن يفطماه قبل الحولين ((عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ)) بأن تشاور الأبوان وتراضيا في فطام الولد قبل العامين وذلك لئلا يتضرر الصبي إذا إستقلّ أحدهما بالفطام فإنّ الرضا المتعقّب للمشورة لا يكون إلا إذا كان الإنفصال صلاحاً ((فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا))، أي على الأبوين في هذا الفطام ((وَإِنْ أَرَدتُّمْ)) أيها الآباء ((أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ)) بأن تستأجروا لهم مرضعات غير أنهاتهم ((فَلاَ جُنَاحَ)) ولا حرج ((عَلَيْكُمْ)) في ذلك ((إِذَا سَلَّمْتُم)) الى المُرضِعات ((مَّآ آتَيْتُم)) ووعدتم لهنّ من الأجر ((بِالْمَعْرُوفِ))، أي تسليماً بالمعروف بدون نقصان ومطل ومنّ، وهذا شرط تكليفي لا وضعي، كما هو كثير في القرآن الحكيم، لغاية الإلفات الى لزوم كون الأعمال عن صدق وإخلاص وتقوى ((وَاتَّقُواْ اللّهَ)) في أعمالكم التي منها الأحكام السالفة حول الرضاع ((وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) فلا يغيب شيء عنه ولا تخفى عليه خافية فلتكن أعمالكم حسب مراضيه وأوامره.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

234

((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ))، أي الرجال الذين يموتون ((وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا))، أي يخلفون زوجاتهم ((يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ))، أي يحفظن أنفسهنّ عن الزواج، ولعل في قوله إشارة الى أنّ النفس ولو كانت تطمح نحو الزواج لكن الواجب إصطبارها والتحفّظ عليها ((أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) ففي هذه المدة يجب عليها الحداد بترك الزينة والخطبة ((فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)) وإنقضت المدة ((فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)) أيها المسلمون ((فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ)) من الزينة أو الخطبة أو النكاح فإنها ترجع الى نفسها والناس مسلّطون على أنفسهم ((بِالْمَعْرُوفِ)) بأن لا تعمل منكراً ينافي الإسلام ((وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيرٌ)) فيطّلع على أعمالكم ولا يفوته شيء من إطاعتكم ومخالفتكم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

235

((وَ)) إذا كانت المرأة في العدّة فـ ((لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)) أيها الراغبون في الزواج منهنّ ((فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء)) بأن تلمّحوا الى رغبتكم في الزواج منهنّ وتَعرضوا على ذلك تعريضاً وإشارة من طرف خفي، لا تصريحاً فإنّ ذلك خلاف الجو الذي يحيط بالمرأة المعتدّة من الربط الباقي بينه وبين زوجه الأول ((أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ)) بأن أضمرتم إرادة زواجهنّ بدون أن تصرّحوا أو تلمّحوا بذلك فإنّ الكناية اللفظية والإضمار القلبي لا جُناح فيهما ((عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ)) أيها الرجال ((سَتَذْكُرُونَهُنَّ)) وهنّ في العِدّة إرادة للزواج بهن ((وَلَكِن)) لا تُصرّحوا بالخِطبة و((لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)) في الخلوة فتُبدوا رغبتكم في الزواج بهنّ في منأى من الناس ((إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا)) لالكناية والتلميح لا بالتصريح وذكر ما يقبح ذكره كما كانت عادة بعض الناس ((وَلاَ تَعْزِمُواْ))، أي لا تقصدوا ((عُقْدَةَ النِّكَاحِ))، أي إجراء الصيغة التي هي كعُقدة تعقد النكاح بين الجانبين، وقد نهى عن العزم على ذلك مبالغة، كقوله (ولا تقربوا مال اليتيم) ((حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ)) الذي كتبناه في باب العِدّة من أربعة أشهر وعشراً ((أَجَلَهُ))، اي أمده، بأن تنقضي العِدّة ((وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ)) من عزم النكاح فكيف بما تُسرّون به من نكاح المعتدّة سراً ((فَاحْذَرُوهُ)) أن تخالفوه ((وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ)) يستر عاجلاً فلا يغرّنّكم ستره ((حَلِيمٌ)) فلا يعجل بالعقوبة فلا يسبب ذلك جرأتكم على إنتهاك حراماته.

شاهد أيضاً

فقه الولاية – سيد صباح شبر