أما هؤلاء الأربعة فقد نالوا الزلفى ، وفازوا بالقدح المعلى ، والمقام الأسمى ، حتى قال فيهم لصادق عليه السلام – وقد ذكرهم – : هؤلاء أمناء الله على حلاله وحرامه ( 1009 ) وقال : ما أجد أحدا أحيا ذكرنا إلا زرارة وأبو بصير ليث ، ومحمد بن مسلم ، وبريد ، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا ، ثم قال : هؤلاء حفاظ الدين ، وأمناء أبي ، على حلال الله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا ، والسابقون إلينا في الأخيرة ( 1010 ) وقال ( ع ) : بشر المخبتين بالجنة ( 1011 ) ثم ذكر الأربعة ، وقال – في كلام طويل ذكرهم فيه – : كان أبي ائتمنهم على حلال الله وحرامه ، وكانوا عيبة علمه ، وكذلك اليوم هم عندي مستودع سري ، وأصحاب أبي حقا ، وهم نجوم شيعتي أحياء وأمواتا ، بهم يكشف الله كل بدعة ، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين ، وتأويل الغالين . ا ه . ( 1012 ) إلى غير ذلك من كلماته الشريفة التي أثبتت لهم من الفضل والشرف والكرامة والولاية ، ما لا تسع بيانه عبارة ، ومع ذلك فقد رماهم أعداء أهل البيت بكل إفك مبين ، كما فصلناه في كتابنا مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام ( 1013 ) . وليس ذلك بقادح في سمو مقامهم ، وعظيم خطرهم عند الله ورسوله والمؤمنين ، كما أن حسدة الأنبياء ما زادوا أنبياء الله إلا رفعة ، ولا أثروا في شرائعهم إلا انتشارا عند أهل الحق ، وقبولا في نفوس أولي الألباب . وقد انتشر العلم في أيام الصادق عليه السلام بما لا مزيد عليه ، وهرع إليه شيعة آبائه ( ع ) من كل فج عميق ، فأقبل عليهم بانبساطه ، واسترسل إليهم بأنسه ، ولم يأل جهدا في تثقيفهم ، ولم يدخر وسعا في إيقافهم على أسرار العلوم ، ودقائق الحكمة ، وحقائق الأمور ، كما اعترف به أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ، حيث ذكر الصادق ( ع ) فقال ( 1 ) : وهو ذو علم غزير في الدين ، وأدب كامل في الحكمة ، وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات ، قال : وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ، ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة – أي للسلطنة – قط ، ولا نازع أحدا في الخلافة ( قال ) : ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط ، إلى آخر كلامه ( 1014 ) . والحق ينطق منصفا وعنيدا . نبغ من أصحاب الصادق جم غفير ، وعدد كثير ، كانوا أئمة هدى ، ومصابيح دجى ، وبحار علم ، ونجوم هداية . والذين دونت أسماؤهم وأحوالهم في كتب التراجم منهم أربعة آلاف رجل من العراق والحجاز وفارس وسوريا ، وهم أولو مصنفات مشهورة لدى علماء الإمامية ، ومن جملتها الأصول الأربعة مئة وهي – كما ذكرناه سابقا – أربع مئة مصنف لأربع مئة مصنف كتبت من فتاوى الصادق ( ع ) على عهده ، فكان عليها مدار العلم والعمل من بعده ، حتى لخصها جماعة من أعلام الأمة ، وسفراء الأئمة في كتب خاصة ، تسهيلا للطالب ، وتقريبا على المتناول ، وأحسن ما جمع منها الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلى هذا الزمان ، وهي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه ( 1015 ) ، وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها ، والكافي أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها ، وفيه ستة عشر ألف ومئة وتسعة وتسعون حديثا ، وهي أكثر مما اشتملت عليه الصحاح الستة بأجمعها ، كما صرح به الشهيد في الذكرى ( 1016 ) وغير واحد من الأعلام . وألف هشام بن الحكم بن أصحاب الصادق والكاظم ( ع ) كتبا كثيرة ، اشتهر منها تسعة وعشرون كتابا ( 1017 ) ، رواها أصحابنا بأسانيدهم إليه ، وتفصيلها في كتابنا – مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام – وهي كتب ممتعة باهرة في وضوح بيانها ، وسطوع برهانها ، في الأصول والفروع ، وفي التوحيد والفلسفة العقلية ، والرد على كل من الزنادقة ، والملاحدة ، والطبيعيين ، والقدرية ، والجبرية ، والغلاة في علي وأهل البيت ، وفي الرد على الخوارج والناصبة ، ومنكري الوصية إلى علي ومؤخريه ومحاربيه ، والقائلين بجواز تقديم المفضول وغير ذلك . وكان هشام من أعلم أهل القرن الثاني في علم الكلام ، والحكمة الإلهية ، وسائر العلوم العقلية والنقلية ، مبرزا في الفقه والحديث ، مقدما في التفسير ، وسائر العلوم والفنون ، وهو ممن فتق الكلام في الإمامة ، وهذب المذهب ( 1018 ) بالنظر ، يروي عن الصادق والكاظم ، وله عندهم جاه لا يحيط به الوصف ، وقد فاز منهم بثناء يسمو به في الملأ الأعلى قدره وكان في مبدأ أمره من الجهمية ، ثم لقي الصادق فاستبصر بهديه ولحق به ، ثم بالكاظم ففاق جميع أصحابها ورماه بالتجسيم وغيره من الطامات مريدوا إطفاء نور الله من مشكاته ، حسدا لأهل البيت وعدوانا ، ونحن أعرف الناس بمذهبه ، وفي أيدينا أحواله وأقواله ، وله في نصرة مذهبنا من المصنفات ما أشرنا إليه ، فلا يجوز أن يخفى علينا من أقواله – وهو من سلفنا وفرطنا – ما ظهر لغيرنا ، مع بعدهم عنه في المذهب والمشرب ، على أن ما نقله الشهرستاني – في الملل والنحل من عبارة هشام – لا يدل على قوله بالتجسيم . وإليك عين ما نقله ، قال : وهشام ابن الحكم صاحب غور في الأصول ، لا يجوز أن يغفل عن الزاماته على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم ، ودون ما يظهره من التشبيه ، وذلك أنه ألزم العلاف ، فقال : إنك تقول الباري عالم بعلم ، وعلمه ذاته ، فيكون عالما لا كالعالمين ، فلم لا تقول : هو جسم لا كالأجسام . ا ه . ولا يخفى أن هذا الكلام إن صح عنه فإنما هو بصدد المعارضة مع العلاف ، وليس كل من عارض بشئ يكون معتقدا له ، إذ يجوز أن يكون قصده اختبار العلاف ، وسبر غوره في العلم ، كما أشار الشهرستاني إليه بقوله : فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم ، ودون ما يظهر من التشبيه . على أنه لو فرض ثبوت ما يدل على التجسيم عن هشام ، فإنما يمكن ذلك عليه قبل استبصاره ، إذ عرفت أنه كان ممن يرى رأي الجهمية ، ثم استبصر بهدي آل محمد ، فكان من أعلام المختصين بأئمتهم ، لم يعثر أحد من سلفنا على شئ مما نسبه الخصم إليه ، كما أنا لم نجد أثرا ما لشئ مما نسبوه إلى كل من زرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، ومؤمن الطاق ، وأمثالهم ، مع أنا قد استفرغنا الوسع والطاقة في البحث عن ذلك ، وما هو إلا البغي والعدوان ، والإفك والبهتان ، * ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) * . أما ما نقله الشهرستاني عن هشام من القول بإلهية علي ، فشئ يضحك الثكلى ، وهشام أجل من أن تنسب إليه هذه الخرافة والسخافة ، وهذا كلام هشام في التوحيد ينادي بتقديس الله عن الحلول ، وعلوه عما يقوله الجاهلون ، وذاك كلامه في الإمامة والوصية يعلن بتفضيل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي ، مصرحا بأن عليا من جملة أمته ورعيته ، وأنه وصيه وخليفته ، وأنه من عباد الله المظلومين المقهورين ، العاجزين عن حفظ حقوقهم ، المضطرين إلى أن يضرعوا لخصومهم ، الخائفين المترقبين الذين لا ناصر لهم ولا معين وكيف يشهد الشهرستاني لهشام بأنه صاحب غور في الأصول ، وأنه لا يجوز أن يغفل عن إلزاما ؟ ه على المعتزلة ، وأنه دون ما أظهره للعلاف من قوله له : فلم لا تقول إن الله جسم لا كالأجسام ، ثم ينسب إليه القول بأن عليا ( ع ) هو الله تعالى ، أليس هذا تناقضا واضحا ؟ وهل يليق بمثل هشام على غزارة فضله أن تنسب إليه الخرافات ؟ كلا . لكن القوم أبوا إلا الإرجاف حسدا وظلما لأهل البيت ومن يرى رأيهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وقد كثر التأليف على عهد الكاظم ، والرضا ، والجواد ، والهادي ، والحسن الزكي العسكري ، عليهم السلام ، بما لا مزيد عليه ، وانتشرت الرواة عنهم وعن رجال الأئمة من آبائهم في الأمصار ، وحسروا للعلم عن ساعد الاجتهاد ، وشمروا عن ساق الكد والجد ، فخاضوا عباب العلوم ، وغاصوا على أسرارها ، وأحصوا مسائلها ، ومحصوا حقائقها ، فلم يألوا في تدوين الفنون جهدا ، ولم يدخروا في جمع أشتات المعارف وسعا . قال المحقق في المعتبر أعلى الله مقامه : وكان من تلامذة الجواد عليه السلام فضلاء كالحسين بن سعيد ، وأخيه الحسن ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي ، وشاذان ، وأبي الفضل العمي ، وأيوب بن نوح ، وأحمد بن محمد بن عيسى ، وغيرهم ممن يطول تعدادهم ( قال أعلى الله مقامه ) : وكتبهم إلى الآن منقولة بين الأصحاب دالة على العلم الغزير ( 1020 ) . ا ه . قلت : وحسبك أن كتب البرقي تربو على مئة كتاب ( 1021 ) ، وللبزنطي الكتاب الكبير المعروف بجامع البزنطي ، وللحسين بن سعيد ثلاثون كتابا ( 1022 ) . ولا يمكن في هذا الاملاء إحصاء ما ألفه تلامذة الأئمة الستة من أبناء الصادق عليهم السلام ، بيد أني أحيلك على كتب التراجم والفهارس ( 1023 ) فراجع منها أحوال محمد بن سنان ، وعلي بن مهزيار ، والحسن بن محبوب ، والحسن بن محمد بن سماعة ، وصفوان بن يحيى ، وعلي بن يقطين ، وعلي بن فضال ، و عبد الرحمن بن نجران ، والفضل بن شاذان – فإن له مئتي كتاب ( 1024 ) – ومحمد بن مسعود العياشي – فإن كتبه تربو على المئتين ( 1025 ) ومحمد بن عمير ، وأحمد بن محمد بن عيسى ، فإنه روى عن مئة رجل من أصحاب الصادق عليه السلام ( 1026 ) ومحمد بن علي بن محبوب ، وطلحة ابن طلحة بن زيد ، وعمار بن موسى الساباطي ، وعلي بن النعمان ، والحسين بن عبد الله ، وأحمد بن عبد الله بن مهران المعروف بابن خانة وصدقة بن المنذر القمي ، وعبيد الله بن علي الحلبي ، الذي عرض كتابه على الصادق عليه السلام ، فصححه واستحسنه ، وقال : أترى لهؤلاء مثل هذا الكتاب ( 1027 ) ، وأبي عمرو الطبيب ، و عبد الله بن سعيد ، الذي عرض كتابه على أبي الحسن الرضا عليه السلام ، ويونس بن عبد الرحمن الذي عرض كتابه على الإمام أبي محمد الحسن
الزكي العسكري عليه السلام ( 1028 ) . ومن تتبع أحوال السلف من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله ، واستقصى أصحاب كل من الأئمة التسعة من ذرية الحسين ، وأحصى مؤلفاتهم المدونة على عهد أئمتهم ، واستقرأ الذين رووا عنهم تلك المؤلفات ، وحملوا عنهم حديث آل محمد في فروع الدين وأصوله من ألوف الرجال ، ثم ألم بحملة هذه العلوم في كل طبقة طبقة ، يدا عن يد من عصر التسعة المعصومين إلى عصرنا هذا ، يحصل له القطع الثابت بتواتر مذهب الأئمة ، ولا يرتاب في أن جميع ما ندين الله به من فروع وأصول ، إنما هو مأخوذ من آل الرسول ، لا يرتاب في ذلك إلا مكابر عنيد ، أو جاهل بليد ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والسلام .