الرئيسية / القرآن الكريم / الميزان في تفسير القرآن سورة البقرة 153 – 157

الميزان في تفسير القرآن سورة البقرة 153 – 157

تابع
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

بحث روائي في البرزخ و حياة الروح بعد الموت

في تفسير القمي، عن سويد بن غفلة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، و أول يوم من الآخرة مثل له ماله و ولده و عمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: و الله إني كنت عليك لحريصا شحيحا، فما لي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك، ثم يلتفت إلى ولده فيقول: و الله إني كنت لكم لمحبا، و إني كنت عليكم لحاميا، فما ذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك و نواريك فيها، ثم يلتفت إلى عمله فيقول: و الله إني كنت فيك لزاهدا، و إنك كنت علي لثقيلا، فما ذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، و يوم حشرك، حتى أعرض أنا و أنت على ربك، فإن كان لله وليا أتاه أطيب الناس ريحا و أحسنهم منظرا، و أزينهم رياشا، فيقول: بشر بروح من الله و ريحان و جنة نعيم، قد قدمت خير مقدم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح أرتحل من الدنيا إلى الجنة، و إنه ليعرف غاسله، و يناشد حامله أن يعجله فإذا دخل قبره أتاه ملكان، و هما فتانا القبر، يحبران أشعارهما، و يحبران الأرض بأنيابهما، و أصواتهما كالرعد القاصف، و أبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربك، و من نبيك؟ و ما دينك؟ فيقول: الله ربي، و محمد نبيي، و الإسلام ديني، فيقولان: ثبتك الله فيما تحب و ترضى، و هو قول الله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا الآية، فيفسحان له في قبره مد بصره، و يفتحان له بابا إلى الجنة و يقولان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم، و هو قوله: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا و أحسن مقيلا. و إذا كان لربه عدوا فإنه يأتيه أقبح خلق الله رياشا، و أنتنه ريحا، فيقول له أبشر بنزل من حميم، و تصلية جحيم، و إنه ليعرف غاسله، و يناشد حامله أن يحبسه، فإذا أدخل قبره أتياه ممتحنا القبر، فألقيا عنه أكفانه ثم قالا له، من ربك؟ و من نبيك؟ و ما دينك؟ فيقول: لا أدري فيقولان له: ما دريت و لا هديت، فيضربانه بمرزبة ضربة ما خلق الله دابة إلا و تذعر لها ما خلا الثقلان، ثم يفتحان له بابا إلى النار، ثم يقولان له: نم بشر حال، فيبوء من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج، حتى أن دماغه يخرج من بين ظفره و لحمه، و يسلط الله عليه حيات الأرض و عقاربها و هوامها تنهشه حتى يبعثه الله من قبره، و إنه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر.

و في منتخب البصائر، عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا فقلت له: فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم.

و في أمالي الشيخ عن ابن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين بعد موتهم؟ قلت: يقولون في حواصل طيور خضر، فقال: سبحان الله، المؤمن أكرم على الله من ذلك! إذا كان ذلك أتاه رسول الله و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و معهم ملائكة الله عز و جل المقربون، فإن أنطق الله لسانه بالشهادة له بالتوحيد، و للنبي بالنبوة و الولاية لأهل البيت، شهد على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و الملائكة المقربون معهم و إن اعتقل لسانه خص الله نبيه بعلم ما في قلبه من ذلك، فشهد به، و شهد على شهادة النبي: علي و فاطمة و الحسن و الحسين على جماعتهم من الله أفضل السلام و من حضر معهم من الملائكة فإذا قبضه الله إليه صير تلك الروح إلى الجنة، في صورة كصورته، فيأكلون و يشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا.

و في المحاسن، عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر الأرواح، أرواح المؤمنين فقال: يلتقون، قلت: يلتقون؟ قال: نعم يتساءلون و يتعارفون حتى إذا رأيته قلت: فلان.

و في الكافي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب، و يستر عنه ما يكره، و إن الكافر ليزور أهله، فيرى ما يكره و يستر عنه ما يحب، قال: منهم من يزور كل جمعة، و منهم من يزور على قدر عمله.

و في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): أن الأرواح في صفة الأجساد في شجر من الجنة، تعارف و تساءل، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول: دعوها، فإنها قد أقبلت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل فلان، و ما فعل فلان فإن قالت لهم: تركته حيا ارتجوه، و إن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى.

أقول: و الروايات في باب البرزخ كثيرة، و إنما نقلنا ما فيه جوامع معنى البرزخ، و في المعاني المنقولة روايات مستفيضة كثيرة، و فيها دلالة على نشأة مجردة عن المادة.

بحث فلسفي

هل النفس مجردة عن المادة؟ و نعني بالنفس ما يحكي عنه كل واحد منا بقوله، أنا و بتجردها عدم كونها أمرا ماديا ذا انقسام و زمان و مكان.

إنا لا نشك في أنا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: بأنا، و لا نشك أن كل إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حينا من أحيان حياتنا و شعورنا، و ليس هو شيئا من أعضائنا، و أجزاء بدننا التي نشعر بها بالحس أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر و اللمس و نحو ذلك، و أعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحس و التجربة.

فإنا ربما نغفل عن كل واحد منها و عن كل مجموع منها حتى عن مجموعها التام الذي نسميه بالبدن، و لا نغفل قط عن المشهود الذي نعبر عنه: بأنا، فهو غير البدن و غير أجزائه.

و أيضا لو كان هو البدن أو شيئا من أعضائه أو أجزائه: أو خاصة من الخواص الموجود فيها – و هي جميعا مادية، و من حكم المادة التغير التدريجي و قبول الانقسام و التجزي – لكان ماديا متغيرا و قابلا للانقسام و ليس كذلك فإن كل أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه، و ذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أول شعوره بنفسه وجده معنى مشهودا واحدا باقيا على حاله من غير أدنى تعدد و تغير، كما يجد بدنه، و أجزاء بدنه و الخواص الموجودة معها متغيرة متبدلة من كل جهة، في مادتها و شكلها، و سائر أحوالها و صورها، و كذا وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام و التجزي، كما يجد البدن و أجزاءه و خواصه – و كل مادة و أمر مادي كذلك – فليست النفس هي البدن، و لا جزءا من أجزائه، و لا خاصة من خواصه، سواء أدركناه بشيء من الحواس أو بنحو من الاستدلال، أو لم ندرك، فإنها جميعا مادية كيفما فرضت، و من حكم المادة التغير، و قبول الانقسام، و المفروض أن ليس في مشهودنا المسمى بالنفس شيء من هذه الأحكام فليست النفس بمادية بوجه.

و أيضا هذا الذي نشاهده نشاهده أمرا واحدا بسيطا ليس فيه كثرة من الأجزاء و لا خليط من خارج بل هو واحد صرف فكل إنسان يشاهد ذلك من نفسه و يرى أنه هو و ليس بغيره فهذا المشهود أمر مستقل في نفسه، لا ينطبق عليه حد المادة و لا يوجد فيه شيء من أحكامها اللازمة، فهو جوهر مجرد عن المادة، متعلق بالبدن نحو تعلق يوجب اتحادا ما له بالبدن و هو التعلق التدبيري و هو المطلوب.

و قد أنكر تجرد النفس جميع الماديين، و جمع من الإلهيين من المتكلمين، و الظاهريين من المحدثين، و استدلوا على ذلك، و ردوا ما ذكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلف من غير طائل.

قال الماديون: إن الأبحاث العلمية على تقدمها و بلوغها اليوم إلى غاية الدقة في فحصها و تجسسها لم تجد خاصة من الخواص البدنية إلا وجدت علتها المادية، و لم تجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتى تحكم بسببها بوجود روح مجردة.

قالوا: و سلسلة الأعصاب تؤدي الإدراكات إلى العضو المركزي و هو الجزء الدماغي على التوالي و في نهاية السرعة، ففيه مجموعة متحدة ذات وضع واحد لا يتميز أجزاؤها و لا يدرك بطلان بعضها، و قيام الآخر مقامه، و هذا الواحد المتحصل هو نفسنا التي نشاهدها، و نحكي عنها بأنا، فالذي نرى أنه غير جميع أعضائنا صحيح إلا أنه لا يثبت أنه غير البدن و غير خواصه، بل هو مجموعة متحدة من جهة التوالي و التوارد لا نغفل عنه، فإن لازم الغفلة عنه على ما تبين بطلان الأعصاب و وقوفها عن أفعالها و هو الموت، و الذي نرى أنه ثابت، صحيح لكنه لا من جهة ثباته و عدم تغيره في نفسه بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الإدراكية و سرعة ورودها، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب و يخرج من جانب بما يساويه و هو مملوء دائما، فما فيه من الماء يجده الحس واحدا ثابتا، و هو بحسب الواقع لا واحد و لا ثابت، و كذا يجد عكس الإنسان أو الشجر أو غيرهما فيه واحدا ثابتا و ليس واحدا ثابتا بل هو كثير متغير تدريجا بالجريان التدريجي الذي لأجزاء الماء فيه، و على هذا النحو وجود الثبات و الوحدة و الشخصية التي نرى في النفس.

قالوا: فالنفس التي يقام البرهان على تجردها من طريق المشاهدة الباطنية هي في الحقيقة مجموعة من خواص طبيعية، و هي الإدراكات العصبية التي هي نتائج حاصلة من التأثير و التأثر المتقابلين بين جزء المادة الخارجية، و جزء المركب العصبي، و وحدتها وحدة اجتماعية لا وحدة واقعية حقيقية.

أقول: أما قولهم: إن الأبحاث العلمية المبتنية على الحس و التجربة لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح، و لا وجدت حكما من الأحكام غير قابل التعليل إلا بها فهو كلام حق لا ريب فيه لكنه لا ينتج انتفاء النفس المجردة التي أقيم البرهان على وجودها، فإن العلوم الطبيعية الباحثة عن أحكام الطبيعة و خواص المادة إنما تقدر على تحصيل خواص موضوعها الذي هو المادة، و إثبات ما هو من سنخها، و كذا الخواص و الأدوات المادية التي نستعملها لتتميم التجارب المادي إنما لها أن تحكم في الأمور المادية، و أما ما وراء المادة و الطبيعة، فليس لها أن تحكم فيها نفيا و لا إثباتا، و غاية ما يشعر البحث المادي به هو عدم الوجدان، و عدم الوجدان غير عدم الوجود، و ليس من شأنه كما عرفت أن يجد ما بين المادة التي هي موضوعها، و لا بين أحكام المادة و خواصها التي هي نتائج بحثها أمرا مجردا خارجا عن سنخ المادة و حكم الطبيعة.

و الذي جرأهم على هذا النفي زعمهم أن المثبتين لهذه النفس المجردة إنما أثبتوها لعثورهم إلى أحكام حيوية من وظائف الأعضاء و لم يقدروا على تعليلها العلمي، فأثبتوا النفس المجردة لتكون موضوعا مبدأ لهذه الأفاعيل، فلما حصل العلم اليوم على عللها الطبيعية لم يبق وجه للقول بها، و نظير هذا الزعم ما زعموه في باب إثبات الصانع.

و هو اشتباه فاسد فإن المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك و لم يسندوا بعض الأفاعيل البدنية إلى البدن فيما علله ظاهرة، و بعضها إلى النفس فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنية بلا واسطة و إلى النفس بواسطتها، و إنما أسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن البتة و هو علم الإنسان بنفسه و مشاهدته ذاته كما مر.

و أما قولهم: إن الإنية المشهودة للإنسان على صفة الوحدة هي عدة من الإدراكات العصبية الواردة على المركز على التوالي و في نهاية السرعة – و لها وحدة اجتماعية – فكلام لا محصل له و لا ينطبق عليه الشهود النفساني البتة، و كأنهم ذهلوا عن شهودهم النفساني فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسية إلى الدماغ و اشتغلوا بالبحث عما يلزم ذلك من الآثار التالية و ليت شعري إذا فرض أن هناك أمورا كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها البتة، و هذه الأمور الكثيرة التي هي الإدراكات أمور مادية ليس وراءها شيء آخر إلا نفسها، و أن الأمر المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة، فمن أين حصل هذا الواحد الذي لا نشاهد غيره؟ و من أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها عيانا؟ و الذي ذكروه من وحدتها الاجتماعية كلام أشبه بالهزل منه بالجد فإن الواحد الاجتماعي هو كثير في الواقع من غير وحدة و إنما وحدتها في الحس أو الخيال كالدار الواحدة و الخط الواحد مثلا، لا في نفسه، و المفروض في محل كلامنا أن الإدراكات و الشعورات الكثيرة في نفسها هي شعور واحد عند نفسها، فلازم قولهم إن هذه الإدراكات في نفسها كثيرة لا ترجع إلى وحدة أصلا، و هي بعينها شعور واحد نفساني واقعا، و ليس هناك أمر آخر له هذه الإدراكات الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة كما يدرك الحاسة أو الخيال المحسوسات أو المتخيلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعية، فإن المفروض أن مجموع الإدراكات الكثيرة في نفسها نفس الإدراك النفساني الواحد في نفسه، و لو قيل: إن المدرك هاهنا الجزء الدماغي يدرك الإدراكات الكثيرة على نعت الوحدة كان الإشكال بحاله، فإن المفروض أن إدراك الجزء الدماغي نفس هذه الإدراكات الكثيرة المتعاقبة بعينها، لا أن للجزء الدماغي قوة إدراك تتعلق بهذه الإدراكات كتعلق القوى الحسية بمعلوماتها الخارجية و انتزاعها منها صورا حسية، فافهم ذلك.

و الكلام في كيفية حصول الثبات و البساطة في هذا المشهود الذي هو متغير متجز في نفسه كالكلام في حصول وحدته.

مع أن هذا الفرض أيضا – أعني أن يكون الإدراكات الكثيرة المتوالية المتعاقبة مشعورة بشعور دماغي على نعت الوحدة – نفسه فرض غير صحيح، فما شأن الدماغ و القوة التي فيه، و الشعور الذي لها، و المعلوم الذي عندها، و هي جميعا أمور مادية، و من شأن المادة و المادي الكثرة، و التغير، و قبول الانقسام، و ليس في هذه الصورة العلمية شيء من هذه الأوصاف و النعوت، و ليس غير المادة و المادي هناك شيء؟.

و قولهم: إن الأمر يشتبه على الحس أو القوة المدركة، فيدرك الكثير المتجزي المتغير واحدا بسيطا ثابتا غلط واضح، فإن الغلط و الاشتباه من الأمور النسبية التي تحصل بالمقايسة و النسبة، لا من الأمور النفسية، مثال ذلك أنا نشاهد الأجرام العظيمة السماوية صغيرة كالنقاط البيض، و نغلط في مشاهدتنا هذه، على ما تبينه البراهين العلمية، و كثير من مشاهدات حواسنا إلا أن هذه الأغلاط إنما تحصل و توجد إذا قايسنا ما عند الحس مما في الخارج من واقع هذه المشهودات، و أما ما عند الحس في نفسه فهو أمر واقعي كنقطة بيضاء لا معنى لكونه غلطا البتة.

و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل فإن حواسنا و قوانا المدركة إذا وجدت الأمور الكثيرة المتغيرة المتجزية على صفة الوحدة و الثبات و البساطة كانت القوى المدركة غالطة في إدراكها مشتبهة في معلومها بالقياس إلى المعلوم الذي في الخارج و أما هذه الصورة العلمية الموجودة عند القوة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها البتة، و لا يمكن أن يقال للأمر الذي هذا شأنه: أنه مادي لفقده أوصاف المادة العامة.

فقد تحصل من جميع ما ذكرنا أن الحجة التي أوردها الماديون من طريق الحس و التجربة إنما ينتج عدم الوجدان، و قد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود و هو مدعاهم مكان عدم الوجدان، و ما صوروه لتقرير الشهود النفساني المثبت لوجود أمر واحد بسيط ثابت تصوير فاسد لا يوافق، لا الأصول المادية المسلمة بالحس و التجربة، و لا واقع الأمر الذي هو عليه في نفسه.

و أما ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد في أمر النفس و هو أنه الحالة المتحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحية، من الإدراك و الإرادة و الرضا و الحب و غيرها المنتجة لحالة متحدة مؤلفة فلا كلام لنا فيه، فإن لكل باحث أن يفترض موضوعا و يضعه موضوعا لبحثه، و إنما الكلام فيه من حيث وجوده و عدمه في الخارج و الواقع مع قطع النظر عن فرض الفارض و عدمه، و هو البحث الفلسفي كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث.

و قال قوم آخرون من نفاة تجرد النفس من المليين: إن الذي يتحصل من الأمور المربوطة بحياة الإنسان كالتشريح و الفيزيولوجي أن هذه الخواص الروحية الحيوية تستند إلى جراثيم الحياة و السلولات التي هي الأصول في حياة الإنسان و سائر الحيوان، و تتعلق بها، فالروح خاصة و أثر مخصوص فيها لكل واحد منها أرواح متعددة فالذي يسميه الإنسان روحا لنفسه و يحكي عنه بأنا مجموعة متكونة من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد و الاجتماع، و من المعلوم أن هذه الكيفيات الحيوية و الخواص الروحية تبطل بموت الجراثيم و السلولات و تفسد بفسادها فلا معنى للروح الواحدة المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني غاية الأمر أن الأصول المادية المكتشفة بالبحث العلمي لما لم تف بكشف رموز الحياة كان لنا أن نقول: إن العلل الطبيعية لا تفي بإيجاد الروح فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة، و أما الاستدلال على تجرد النفس من جهة العقل محضا فشيء لا يقبله و لا يصغي إليه العلوم اليوم لعدم اعتمادها على غير الحس و التجربة، هذا.

أقول: و أنت خبير بأن جميع ما أوردناه على حجة الماديين وارد على هذه الحجة المختلقة من غير فرق و نزيدها أنها مخدوشة أولا: بأن عدم وفاء الأصول العلمية المكتشفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح و الحياة لا ينتج عدم وفائها أبدا و لا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادية في نفس الأمر على جهل منا، فهل هذا إلا مغالطة وضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم؟.

و ثانيا: بأن استناد بعض حوادث العالم – و هي الحوادث المادية – إلى المادة، و بعضها الآخر و هي الحوادث الحيوية إلى أمر وراء المادة – و هو الصانع – قول بأصلين في الإيجاد، و لا يرتضيه المادي و لا الإلهي، و جميع أدلة التوحيد يبطله.

و هنا إشكالات أخر أوردوها على تجرد النفس مذكورة في الكتب الفلسفية و الكلامية غير أن جميعها ناشئة عن عدم التأمل و الإمعان فيما مر من البرهان، و عدم التثبت في تعقل الغرض منه، و لذلك أضربنا عن إيرادها، و الكلام عليها، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانها، و الله الهادي.

بحث أخلاقي

علم الأخلاق و هو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النباتية و الحيوانية و الإنسانية، و تميز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل الإنسان التحلي و الاتصاف بها سعادته العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العام و الثناء الجميل من المجتمع الإنساني يظفر ببحثه أن الأخلاق الإنسانية تنتهي إلى قوى عامة ثلاثة فيه هي الباعثة للنفس على اتخاذ العلوم العملية التي تستند و تنتهي إليها أفعال النوع و تهيئتها و تعبيتها عنده، و هي القوى الثلاث: الشهوية و الغضبية و النطقية الفكرية، فإن جميع الأعمال و الأفعال الصادرة عن الإنسان إما من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالأكل و الشرب و اللبس و غيرها، و إما من الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرة كدفاع الإنسان عن نفسه و عرضه و ماله و نحو ذلك، و هذه الأفعال هي الصادرة عن المبدأ الغضبي كما أن القسم السابق عليها صادر عن المبدأ الشهوي، و إما من الأعمال المنسوبة إلى التصور و التصديق الفكري، كتأليف القياس و إقامة الحجة و غير ذلك، و هذه الأفعال صادرة عن القوة النطقية الفكرية، و لما كانت ذات الإنسان كالمؤلفة المركبة من هذه القوى الثلاث التي باتحادها و حصول الوحدة التركيبية منها يصدر أفعال خاصة نوعية، و يبلغ الإنسان سعادته التي من أجلها جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع أن لا يدع قوة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، و تميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة و النقيصة، فإن في ذلك خروج جزء المركب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب و في ذلك خروج المركب عن كونه ذاك المركب و لازمه بطلان غاية التركيب التي هي سعادة النوع.

و حد الاعتدال في القوة الشهوية – و هي استعمالها على ما ينبغي كما و كيفا – يسمى عفة، و الجانبان في الإفراط و التفريط الشره و الخمود، و حد الاعتدال في القوة الغضبية هي الشجاعة، و الجانبان التهور و الجبن، و حد الاعتدال في القوة الفكرية تسمى حكمة، و الجانبان الجربزة و البلادة، و تحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج، و هي التي تسمى عدالة، و هي إعطاء كل ذي حق من القوى حقه، و وضعه في موضعه الذي ينبغي له، و الجانبان فيها الظلم و الانظلام.

فهذه أصول الأخلاق الفاضلة أعني: العفة و الشجاعة و الحكمة و العدالة، و لكل منها فروع ناشئة منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الأصول المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود و السخاء، و القناعة و الشكر، و الصبر و الشهامة

و الجرأة و الحياء، و الغيرة و النصيحة، و الكرامة و التواضع، و غيرها، هي فروع الأخلاق الفاضلة المضبوطة في كتب الأخلاق و هاك شجرة تبين أصولها و تفرع فروعها و علم الأخلاق يبين حد كل واحد منها و يميزها من جانبيها في الإفراط و التفريط، ثم يبين أنها حسنة جميلة ثم يشير إلى كيفية اتخاذها ملكة في النفس من طريقي العلم و العمل أعني الإذعان بأنها حسنة جميلة، و تكرار العمل بها حتى تصير هيئة راسخة في النفس.

مثاله أن يقال: إن الجبن إنما يحصل من تمكن الخوف من النفس، و الخوف إنما يكون من أمر ممكن الوقوع و عدم الوقوع، و المساوي الطرفين يقبح ترجيح أحد طرفيه على الآخر من غير مرجح و الإنسان العاقل لا ينبغي له ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يخاف.

فإذا لقن الإنسان نفسه هذا القول ثم كرر الإقدام و الورود في المخاوف و المهاول زالت عنه رذيلة الخوف، و هكذا الأمر في غيره من الرذائل و الفضائل.

فهذا ما يقتضيه المسلك الأول على ما تقدم في البيان و خلاصته إصلاح النفس و تعديل ملكاتها لغرض الصفة المحمودة و الثناء الجميل.

و نظيره ما يقتضيه المسلك الثاني، و هو مسلك الأنبياء و أرباب الشرائع، و إنما التفاوت من حيث الغرض و الغاية، فإن غاية الاستكمال الخلقي في المسلك الأول الفضيلة المحمودة عند الناس و الثناء الجميل منهم، و غايته في المسلك الثاني السعادة الحقيقية للإنسان و هو استكمال الإيمان بالله و آياته، و الخبر الأخروي و هي سعادة و كمال في الواقع لا عند الناس فقط، و مع ذلك فالمسلكان يشتركان في أن الغاية القصوى و الغرض فيها الفضيلة الإنسانية من حيث العمل.

و أما المسلك الثالث المتقدم بيانه فيفارق الأولين بأن الغرض فيه ابتغاء وجه الله لا اقتناء الفضيلة الإنسانية و لذلك ربما اختلف المقاصد التي فيه مع ما في المسلكين الأولين فربما كان الاعتدال الخلقي فيه غير الاعتدال الذي فيهما و على هذا القياس، بيان ذلك أن العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد و الإزدياد انجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربه، و استحضار أسمائه الحسنى، و صفاته الجميلة المنزهة عن النقص و الشين و لا تزال تزيد نفسه انجذابا، و تترقى مراقبة حتى صار يعبد الله كأنه يراه و أن ربه يراه، و يتجلى له في مجالي الجذبة و المراقبة و الحب فيأخذ الحب في الاشتداد لأن الإنسان مفطور على حب الجميل، و قد قال تعالى: «و الذين آمنوا أشد حبا لله»: البقرة – 165، و صار يتبع الرسول في جميع حركاته و سكناته لأن حب الشيء يوجب حب آثاره، و الرسول من آثاره و آياته كما أن العالم أيضا آثاره و آياته تعالى، و لا يزال يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شيء، و لا يحب إلا ربه، و لا يخضع قلبه إلا لوجهه فإن هذا العبد لا يعثر بشيء، و لا يقف على شيء و عنده شيء من الجمال و الحسن إلا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عنده من كمال لا ينفد و جمال لا يتناهى و حسن لا يحد، فله الحسن و الجمال و الكمال و البهاء، و كل ما كان لغيره فهو له، لأن كل ما سواه آية له ليس له إلا ذلك، و الآية لا نفسية لها، و إنما هي حكاية تحكي صاحبها و هذا العبد قد استولى سلطان الحب على قلبه، و لا يزال يستولي، و لا ينظر إلى شيء إلا لأنه آية من آيات ربه، و بالجملة فينقطع حبه عن كل شيء إلى ربه، فلا يحب شيئا إلا لله سبحانه و في الله سبحانه.

و حينئذ يتبدل نحو إدراكه و عمله فلا يرى شيئا إلا و يرى الله سبحانه قبله و معه، و تسقط الأشياء عنده من حيز الاستقلال فما عنده من صور العلم و الإدراك غير ما عند الناس لأنهم إنما ينظرون إلى كل شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه، هذا من جهة العلم، و كذلك الأمر من جهة العمل فإنه إذا كان لا يحب إلا لله فلا يريد شيئا إلا لله و ابتغاء وجهه الكريم، و لا يطلب و لا يقصد و لا يرجو و لا يخاف، و لا يختار، و لا يترك، و لا ييأس، و لا يستوحش، و لا يرضى، و لا يسخط إلا لله و في الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض و تتبدل غاية أفعاله فإنه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل و يقصد الكمال لأنه فضيلة إنسانية، و يحذر الفعل أو الخلق لأنه رذيلة إنسانية.

و أما الآن فإنما يريد وجه ربه، و لا هم له في فضيلة و لا رذيلة، و لا شغل له بثناء جميل، و ذكر محمود، و لا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار، و إنما همه ربه، و زاده ذل عبوديته، و دليله حبه.

روت لي أحاديث الغرام صبابة.

بإسنادها عن جيرة العلم الفرد.

و حدثني مر النسيم عن الصبا.

عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد.

عن الدمع عن عيني القريح عن الجوى.

عن الحزن عن قلبي الجريح عن الوجد.

بأن غرامي و الهوى قد تحالفا.

على تلفي حتى أوسد في لحدي.

و هذا البيان الذي أوردناه و إن آثرنا فيه الإجمال و الاختصار لكنك إن أجدت فيه التأمل وجدته كافيا في المطلوب و تبين أن هذا المسلك الثالث يرتفع فيه موضوع الفضيلة و الرذيلة، و يتبدل فيه الغاية و الغرض أعني الفضيلة الإنسانية إلى غرض واحد، و هو وجه الله، و ربما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما هو معدود في غيره فضيلة رذيلة فيه و بالعكس.

بقي هنا شيء و هو أن هاهنا نظرية أخرى في الأخلاق تغاير ما تقدم، و ربما عد مسلكا آخر، و هي أن الأخلاق تختلف أصولا و فروعا باختلاف الاجتماعات المدنية لاختلاف الحسن و القبح من غير أن يرجع إلى أصل ثابت قائم على ساق، و قد ادعي أنها نتيجة النظرية المعروفة بنظرية التحول و التكامل في المادة.

قالوا: إن الاجتماع الإنساني مولود جميع الاحتياجات الوجودية التي يريد الإنسان أن يرفعها بالاجتماع، و يتوسل بذلك، إلى بقاء وجود الاجتماع الذي يراه بقاء وجود شخصه، و حيث إن الطبيعة محكومة لقانون التحول و التكامل كان الاجتماع أيضا متغيرا في نفسه، و متوجها في كل حين إلى ما هو أكمل و أرقى، و الحسن و القبح و هما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال و عدم موافقته له – لا معنى لبقائهما على حال واحد، و جمودهما على نهج فارد، فلا حسن مطلقا، و لا قبح مطلقا، بل هما دائما نسبيان مختلفان باختلاف الاجتماعات بحسب الأمكنة و الأزمنة، و إذا كان الحسن و القبح نسبيين متحولين وجب التغير في الأخلاق، و التبدل في الفضائل و الرذائل و من هنا يستنتج أن الأخلاق تابعة للمرام القومي الذي هو وسيلة إلى نيل الكمال المدني و الغاية الاجتماعية، لتبعية الحسن و القبح لذلك فما كان به التقدم و الوصول إلى الغاية و الغرض كان هو الفضيلة و فيه الحسن، و ما كان يدعو إلى الوقوف و الارتجاع كان هو الرذيلة، و على هذا فربما كان الكذب و الافتراء و الفحشاء و الشقاوة و القساوة و السرقة و الوقاحة حسنة و فضيلة إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعي، و الصدق و العفة و الرحمة رذيلة قبيحة إذا أوجب الحرمان عن المطلوب، هذه خلاصة هذه النظرية العجيبة التي ذهبت إليها الاشتراكيون من الماديين، و النظرية غير حديثة، على ما زعموا، فقد كان الكلبيون من قدماء – اليونان – على ما ينقل على هذه المسلك، و كذا المزدكيون و هم أتباع مزدك الذي ظهر بإيران على عهد كسرى و دعا إلى الاشتراك كان عملهم على ذلك، و يعهد من بعض القبائل الوحشية بإفريقية و غيرهم.

و كيف كان فهو مسلك فاسد و الحجة التي أقيمت على هذه النظرية فاسدة من حيث البناء و المبنى معا.

توضيح ذلك: أنا نجد كل موجود من هذه الموجودات العينية الخارجية يصحب شخصية تلازمه، و يلزمها أن لا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر و يفارقه في الوجود، كما أن وجود زيد يصحب شخصية و نوع وحدة لا يمكن معها أن يكون عين عمرو، فزيد شخص واحد، و عمرو شخص آخر، و هما شخصان اثنان، لا شخص واحد، فهذه حقيقة لا شك فيها و هذا غير ما نقول: إن عالم المادة موجود ذو حقيقة واحدة شخصية فلا ينبغي أن يشتبه الأمر.

و ينتج ذلك: أن الوجود الخارجي عين الشخصية، لكن المفاهيم الذهنية يخالف الموجود الخارجي في هذا الحكم فإن المعنى كيف ما كان يجوز العقل أن يصدق على أكثر من مصداق واحد كمفهوم الإنسان و مفهوم الإنسان الطويل، و مفهوم هذا الإنسان القائم أمامنا، و أما تقسيم المنطقيين المفهوم إلى الكلي و الجزئي، و كذا تقسيمهم الجزئي إلى الإضافي و الحقيقي فإنما هو تقسيم بالإضافة و النسبة، إما نسبة أحد المفهومين إلى الآخر و إما نسبته إلى الخارج، و هذا الوصف الذي في المفاهيم – و هو جواز الانطباق على أكثر من واحد – ربما نسميه بالإطلاق كما نسمي مقابله بالشخصية أو الوحدة.

ثم الموجود الخارجي و نعني به الموجود المادي خاصة لما كان واقعا تحت قانون التغير و الحركة العمومية كان لا محالة ذا امتداد منقسما إلى حدود و قطعات، كل قطعة منها تغاير القطعة الأخرى مما تقدم عليها أو تأخر عنها، و مع ذلك فهي مرتبطة بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغير و التبدل لأن أحد شيئين إذا عدم من أصله، و الآخر وجد من أصله لم يكن ذلك تبدل هذا من ذاك، بل التبدل الذي يلازم كل حركة إنما يتحقق بوجود قدر مشترك في الحالين جميعا.

و من هنا يظهر أن الحركة أمر واحد بشخصه يتكثر بحسب الإضافة إلى الحدود، فيتعين بكل نسبة قطعة تغاير القطعة الأخرى، و أما نفس الحركة فسيلان و جريان واحد شخصي، و نحن ربما سمينا هذا الوصف في الحركة إطلاقا في مقابل النسب التي لها إلى كل حد حد، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها إلى الحدود.

و من هنا يظهر أن المطلق بالمعنى الثاني أمر واقعي موجود في الخارج، بخلاف المطلق بالمعنى الأول فإن الإطلاق بهذا المعنى وصف ذهني لموجود ذهني، هذا.

ثم إنا لا نشك أن الإنسان موجود طبيعي ذو أفراد و أحكام و خواص و أن الذي توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الإنسان دون مجموع الأفراد أعني الاجتماع الإنساني إلا أن الخلقة لما أحست بنقص وجوده، و احتياجه إلى استكمالات لا تتم له وحدة، جهزه بأدوات و قوى تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع و ضمن الأفراد المجتمعين، فطبيعة الإنسان الفرد مقصود للخلقة أولا و بالذات و الاجتماع مقصود لها ثانيا و بالتبع.

و أما حقيقة أمر الإنساني مع هذا الاجتماع الذي تقتضيه و تتحرك إليه الطبيعة الإنسانية إن صح إطلاق الاقتضاء و العلية و التحرك في مورد الاجتماع حقيقة فإن الفرد من الإنسان موجود شخصي واحد بالمعنى الذي تقدم من شخصيته و وحدته، و هو مع ذلك واقع في الحركة، متبدل متحول إلى الكمال، و من هنا كان كل قطعة من قطعات وجوده المتبدل مغايرة لغيرها من القطعات، و هو مع ذلك ذو طبيعة سيالة مطلقة محفوظة في مراحل التغيرات واحدة شخصية، و هذه الطبيعة الموجودة في الفرد محفوظة بالتوالد و التناسل و اشتقاق الفرد من الفرد – و هي التي نعبر عنها بالطبيعة النوعية – فإنها محفوظة بالأفراد و إن تبدلت و عرض لها الفساد و الكون، بمثل البيان الذي مر في خصوص الطبيعة الفردية، فالطبيعة الشخصية موجودة متوجهة إلى الكمال الفردي، و الطبيعة النوعية موجودة مطلقة متوجهة إلى الكمال.

و هذا الاستكمال النوعي لا شك في وجوده و تحققه في نظام الطبيعة، و هو الذي نعتمد عليه في قولنا: إن النوع الإنساني مثلا متوجه إلى الكمال، و إن الإنسان اليوم أكمل وجودا من الإنسان الأولى، و كذا ما تحكم به فرضية تحول الأنواع، فلولا أن هناك طبيعة نوعية خارجية محفوظة في الأفراد أو الأنواع مثلا لم يكن هذا الكلام إلا كلاما شعريا.

و الكلام في الاجتماع الشخصي القائم بين أفراد قوم أو في عصر أو في محيط، و نوع الاجتماع القائم بنوع الإنسان المستمر باستمراره و المتحول بتحوله لو صح أن الاجتماع كالإنسان المجتمع حال خارجي لطبيعة خارجية! نظير القول في طبيعة الإنسان الشخصية و النوعية في التقييد و الإطلاق.

فالاجتماع متحرك متبدل بحركة الإنسان و تبدله و له وحدة من بادىء الحركة إلى أين توجه بوجود مطلق – و هذا الواحد المتغير بواسطة نسبته و إضافته إلى كل حد حد تصير قطعة قطعة، و كل قطعة شخص واحد من أشخاص الاجتماع، و أشخاص الاجتماع مستندة في وجودها إلى أشخاص الإنسان، كما أن مطلق الاجتماع بالمعنى الذي تقدم مستند إلى مطلق الطبيعة الإنسانية، فإن حكم الشخص شخص الحكم و فرده، و حكم المطلق مطلق الحكم لا كلي الحكم، فلسنا نعني الإطلاق المفهومي فلا تغفل و نحن لا نشك أن الفرد من الإنسان و هو واحد له حكم واحد باق ببقائه، إلا أنه متبدل بتبدلات جزئية بتبع التبدلات الطارئة على موضوعه الذي هو الإنسان فمن أحكام الإنسان الطبيعي أنه يتغذى و يفعل بالإرادة و يحس و يتفكر – و هو موجود مع الإنسان و باق – ببقائه و إن تبدل طبق تبدله في نفسه، و كذلك الكلام في أحكام مطلق الإنسان الموجود بوجود أفراده.

و لما كان الاجتماع من أحكام الطبيعة الإنسانية و خواصها فمطلق الاجتماع نعني به الاجتماع المستمر الذي أوجدته الطبيعة الإنسانية المستمرة من حين وجد الإنسان الفرد إلى يومنا هذا من خواص النوع الإنساني المطلق، موجود معه باق ببقائه، و أحكام الاجتماع التي أوجدها و اقتضاها هي مع الاجتماع موجودة بوجوده، باقية ببقائه، و إن تبدلت بتبدلات جزئية مع انحفاظ الأصل مثل نوعها، و حينئذ صح لنا أن نقول: إن هناك أحكاما اجتماعية باقية غير متغيرة، كوجود مطلق الحسن و القبح، كما أن نفس الاجتماع المطلق كذلك، بمعنى أن الاجتماع لا ينقلب إلى غير الاجتماع كالانفراد و إن تبدل اجتماع خاص إلى آخر خاص، و الحسن المطلق و الخاص كالاجتماع المطلق و الخاص بعينه.

ثم إنا نرى أن الفرد من الإنسان يحتاج في وجوده و بقائه إلى كمالات و منافع يجب له أن يجتلبها و يضمها إلى نفسه، و الدليل على هذا الوجوب احتياجه في جهات وجوده و تجهيز الخلقة له بما يقوى به على ذلك، كجهاز التغذي و جهاز التناسل مثلا، فعلى الإنسان أن يقدم عليه، و ليس له أن لا يقدم قطعا بالتفريط فإنه يناقض دليل الوجوب الذي ذكرناه، و ليس له أن يقدم في باب من أبواب الحاجة بما يزيد على اللازم بالإفراط، مثل أن يأكل حتى يموت، أو يمرض، أو يتعطل عن سائر قواه الفعالة، بل عليه أن يتوسط في جلب كل كمال أو منفعة، و هذا التوسط هي العفة، و طرفاه الشره و الخمود، و كذلك نرى الفرد في وجوده و بقائه متوسطا بين نواقص و أضداد و مضار لوجوده يجب عليه أن يدفعها، و الدليل عليه الاحتياج و التجهيز في نفسه فيجب عليه المقاومة و الدفاع على ما ينبغي من التوسط، من غير إفراط يضاد سائر تجهيزاته أو تفريط يضاد الاحتياج و التجهيز المربوطين، و هذا التوسط هي الشجاعة، و طرفاها التهور و الجبن و نظير الكلام جار في العلم و مقابليه أعني الجربزة و البلادة، و في العدالة و مقابليها و هما الظلم و الانظلام.

فهذه أربع ملكات و فضائل يستدعيه الطبيعة الفردية المجهزة بأدواتها: العفة و الشجاعة، و الحكمة، و العدالة – و هي كلها حسنة – لأن معنى الحسن الملاءمة لغاية الشيء و كماله و سعادته، و هي جميعا ملاءمة مناسبة لسعادة الفرد بالدليل الذي تقدم ذكره، و مقابلاتها رذائل قبيحة، و إذا كان الفرد من الإنسان بطبيعته و في نفسه على هذا الوصف فهو في ظرف الاجتماع أيضا على هذا الوصف، و كيف يمكن أن يبطل الاجتماع – و هو من أحكام هذه الطبيعة – سائر أحكامها الوجودية؟ و هل هو إلا تناقض الطبيعة الواحدة، و ليس حقيقة الاجتماع إلا تعاون الأفراد في تسهيل الطريق إلى استكمال طبائعهم و بلوغها إلى غاية أمنيتها؟.

و إذا كان الفرد من الإنسان في نفسه و في ظرف الاجتماع على هذا الوصف، فنوع الإنسان في اجتماعه النوعي أيضا كذلك، فنوع الإنسان في اجتماعه يستكمل بالدفاع بقدر ما لا يفسد الاجتماع و باجتلاب المنافع بقدر ما لا يفسد الاجتماع، و بالعلم بقدر ما لا يفسد الاجتماع، و بالعدالة الاجتماعية – و هي إعطاء كل ذي حق حقه، و بلوغه حظه الذي يليق به دون الظلم و الانظلام – و كل هذه الخصال الأربع فضائل بحكم الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الإنساني بحسنها المطلق و يعد مقابلاتها رذائل و يقضي بقبحها.

فقد تبين بهذا البيان: أن في الاجتماع المستمر الإنساني حسنا و قبحا لا يخلو عنهما قط و أن أصول الأخلاق الأربعة فضائل حسنة دائما، و مقابلاتها رذائل قبيحة دائما، و الطبيعة الإنسانية الاجتماعية تقضي بذلك، و إذا كان الأمر في الأصول على هذا النحو فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها في القبول ذلك، و إن كان ربما يقع اختلاف ما في مصاديقها من جهة الانطباق على ما سنشير إليه.

إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الأخلاق و هاك بيانه.

أما قولهم: إن الحسن و القبح المطلقين غير موجودين، بل الموجود منهما النسبي من الحسن و القبح و هو متغير مختلف باختلاف المناطق و الأزمنة و الاجتماعات، فهو مغالطة ناشئة من الخلط بين الإطلاق المفهومي بمعنى الكلية و الإطلاق الوجودي بمعنى استمرار الوجود، فالحسن و القبح المطلقان الكليان غير موجودين في الخارج لوصف الكلية و الإطلاق، لكنهما ليسا هما الموجبين لما نقصده من النتيجة، و أما الحسن و القبح المطلقان المستمران بمعنى استمرارهما حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمرا باستمرار الطبيعة فهما كذلك، فإن غاية الاجتماع سعادة النوع، و لا يمكن موافقة جميع الأفعال الممكنة و المفروضة للاجتماع كيف ما، فرض فهناك أفعال موافقة و مخالفة دائما فهناك حسن و قبح دائما.

و على هذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيف ما فرض و لا يعتقد أهله أن من الواجب أن يعطى كل ذي حق حقه أو أن جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب أو أن الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم أو أن العلم الذي يتميز به منافع الإنسان من غيرها فضيلة حسنة؟ و هذه هي العدالة و العفة، و الشجاعة، و الحكمة التي ذكرنا أن الاجتماع الإنساني كيف ما فرض لا يحكم إلا بحسنها و كونها فضائل إنسانية، و كذا كيف يتيسر لاجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض و الانفعال عن التظاهر بالقبيح الشنيع، و هو الحياء من شعب العفة أو لا يحكم بوجوب السخط و تغير النفس في هتك المقدسات و هضم الحقوق، و هو الغيرة من شعب الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للإنسان من الحقوق الاجتماعية، و هو القناعة أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعي من غير دحض الناس و تحقيرهم بالاستكبار و البغي بغير الحق، و هو التواضع؟ و هكذا الأمر في كل واحد واحد من فروع الفضائل.

و أما ما يزعمونه من اختلاف الأنظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص الفضائل و صيرورة الخلق الواحد فضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين في أمثلة جزئية فليس من جهة اختلاف النظر في الحكم الاجتماعي بأن يعتقد قوم بوجوب اتباع الفضيلة الحسنة و آخرون بعدم وجوبه بل من جهة الاختلاف في انطباق الحكم على المصداق و عدم انطباقه مثل أن الاجتماعات التي كانت تديرها الحكومات المستبدة كانت ترى لعرش الملك الاختيار التام في أن يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و ليس ذلك لسوء ظنهم بالعدالة بل لاعتقادهم بأنه من حقوق السلطنة و الملك فلم يكن ذلك ظلما من مقام السلطنة بل إيفاء بحقوقه الحقة بزعمهم.

و مثل أن العلم كان يعير به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملة فرنسا في القرون الوسطى، و لم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أن العلم بالسياسة و فنون إدارة الحكومة يضاد المشاغل السلطانية.

و مثل أن عفة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزوج، و كذا الحياء من النساء و كذا الغيرة من رجالهن، و كذا عدة من الفضائل كالقناعة و التواضع أخلاق لا يذعن بفضلها في بعض الاجتماعات، لكن ذلك منهم لأن اجتماعهم الخاص لا يعدها مصاديق للعفة و الحياء و الغيرة و القناعة و التواضع، لا لأن هذه الفضائل ليست فضائل عندهم.

و الدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفة الحاكم في حكمه و القاضي في قضائه، و يمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، و يمدحون الغيرة للدفاع عن الاستقلال و الحضارة و عن جميع مقدساتهم، و يمدحون القناعة بما عينه القانون من الحقوق لهم، و يمدحون التواضع لأئمتهم و هداتهم في الاجتماع.

و أما قولهم: بدوران الأخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام الاجتماعي و استنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع ففيه مغالطة واضحة فإن المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين التي قررتها الطبيعة بين الأفراد المجتمعين و لا محالة تكون موصلة إلى سعادتهم لو لا الإخلال بانتظامها و جريها، و لا محالة لها أحكام: من الحسن و القبح و الفضيلة و الرذيلة، و المراد بالمرام مجموع الفرضيات التي وضعت لإيجاد اجتماع على هيئة جديدة بتحميلها على الأفراد المجتمعين، أعني أن الاجتماع و المرام الاجتماعي متغايران بالفعلية و القوة، و التحقق و فرض التحقق، فكيف يصير حكم أحدهما عين حكم الآخر، و كيف يكون الحسن و القبح، و الفضيلة و الرذيلة التي عينها الاجتماع العام باقتضاء من الطبيعة الإنسانية متبدلة إلى ما حكم به المرام الذي ليس إلا فرضا من فارض؟.

و لو قيل: أن لا حكم للاجتماع العام الطبيعي من نفسه بل الحكم للمرام، و خاصة إذا كانت فرضية متلائمة لسعادة الأفراد عاد الكلام السابق في الحسن و القبح، و الفضيلة و الرذيلة، و أنها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاء مستمر من الطبيعة.

على أن هاهنا محذورا آخر و هو أن الحسن و القبح و سائر الأحكام الاجتماعية – و هي التي تعتمد عليها الحجة الاجتماعية و تتألف منها الاستدلالات – لو كانت تابعة للمرام، و من الممكن بل الواقع تحقق مرامات مختلفة متناقضة متباينة أدى ذلك إلى ارتفاع الحجة المشتركة المقبولة عند عامة الاجتماعات، و لم يكن التقدم و النجاح حينئذ إلا للقدرة و التحكم، و كيف يمكن أن يقال: إن الطبيعة الإنسانية ساقت أفرادها إلى حياة اجتماعية لا تفاهم بين أجزائها و لا حكم يجمعها إلا حكم مبطل لنفس الاجتماع؟ و هل هذا إلا تناقض شنيع في حكم الطبيعة و اقتضائها الوجودي؟.

بحث روائي آخر في متفرقات متعلقة بما تقدم

عن الباقر (عليه السلام) قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إني راغب نشيط في الجهاد. قال: فجاهد في سبيل الله فإنك إن تقتل كنت حيا عند الله مرزوقا و إن مت فقد وقع أجرك على الله الحديث.

يتبع…

شاهد أيضاً

مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني

مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (عليه السلام) تأليف العالم العامل والزاهد المجاهد الحاج ميرزا ...