فبعد ذِكْر خصائص كلّ من التوراة والإنجيل وما فيهما من نور وهدى للناس، وتصديق اللاحق من الرسالات الإلهيّة للسابق منها، وشهادة السابق منها على اللاحق، بيّن الله تعالى أنّ القرآن الكريم مهيمن وحاكم على الرسالات الإلهيّة السابقة. وتكمن هيمنة القرآن في بيانه لكلّ شيء يحتاج إليه الإنسان في اهتدائه إلى سعادته وكماله، مع حفظه الأصولَ الثابتة غير المتغيّرة من الرسالات السابقة عليه، ونسخه منها ما ينبغي أن يُنسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل حتى يناسب حال الإنسان، بحسب سلوكه صراط الترقّي والتكامل بمرور الزمان: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[2], ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ
الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[3]. فالقرآن الكريم يصدّق ما ورد في التوراة والإنجيل من التعاليم والمعارف والأحكام، بما يناسب حال هذه الأمّة، ويهيمن عليها بالنسخ والتكميل والزيادة، لما فيه صلاح الإنسانيّة في الترقّي إلى مقصدها الكماليّ عبر التدرّج في الرسالات الإلهيّة، كما كان المسيح عليه السلام أو إنجيله مصدّقاً للتوراة، مع إحلاله بعض ما فيها من المحرّمات، كما حكاه الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[4]. لذا، كان القرآن حاكماً ومهيمناً على الرسالات السماويّة السابقة عليه، من منطلق تضمّنه لما في هذه الرسالات من نور وهدى، وما يزيد على ذلك، ممّا تتطلّبه هداية الإنسانيّة إلى مقصدها الكماليّ[5].
2- القرآن أقوم الرسالات الإلهيّة:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾[6].
والمراد بـ ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الملّة الحنيفيّة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[7].
والأقوم أفعل تفضيل، والأصل في الباب القيام ضدّ القعود الذي هو أحد أحوال الإنسان وأوضاعه، وحالاته التي يتسلّط بها على ما يريده من العمل ويكون فيها على أتمّ استعداد وجهوزيّة لما يواجهه من أمور، بخلاف القعود والاستلقاء والانبطاح ونحوها، ثمّ كنّى به عن حسن
تصدّيه للأمور إذا قوي عليها من غير عجز وعيّ، وأحسن إدارتها للغاية المرجوّة منها. وقد وصف الله سبحانه هذه الملّة الحنيفيّة بالقيام: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[8]، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ ..﴾[9] ، وذلك لكون هذا الدين مهيمناً على ما فيه خير دنياهم وآخرتهم، قيّماً على إصلاح حالهم في معاشهم ومعادهم، وليس ذلك إلّا لكونه موافقاً لما تقتضيه الفطرة الإنسانيّة والخلقة التي سوّى الله سبحانه الإنسان عليها، وجهّزه بحسبها، بما يهديه إلى غايته التي أريدت له، وسعادته التي هُيِّئت لأجله ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾[10]. فهذه الملّة الحنيفيّة أكمل من الملل السابقة التي تضمّنتها كتب الأنبياء والرسل السابقين عليهم السلام، بما تشتمل عليه من المعارف الإلهيّة على آخر ما تتحمّله البنية الإنسانيّة، ومن الشرائع على ما لا يشذّ منه شاذّ من أعمال الإنسان الفرديّة والاجتماعيّة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ…﴾[11], فما يهدي إليه القرآن أقوم ممّا يهدي إليه غيره من الكتب السماويّة السابقة[12].