وإنما حرمت الشريعة الاسلامية ( الكذب ) وأنذرت عليه بالهوان والعقاب ، لما ينطوي عليه من أضرار خطيرة ، ومساوئ جمّة ، فهو : ( 1 ) – باعث على سوء السمعة ، وسقوط الكرامة ، وانعدام الوثاقة ، فلا يُصدق الكذاب وإن نطق بالصدق ، ولا تقبل شهادته ، ولا يوثق بمواعيده وعهوده . ومن خصائصه أنّه ينسى أكاذيبه ويختلق ما يخالفها ، وربما لفق الأكاذيب العديدة المتناقضة ، دعماً لكذبة افتراها ، فتغدو أحاديثه هذراً مقيتاً ، ولغواً فاضحاً .
( 2 ) – إنه يضعف ثقة الناس بعضهم ببعض ، ويشيع فيهم أحاسيس التوجس والتناكر . ( 3 ) – إنه باعث على تضييع الوقت والجهد الثمينين ، لتمييز الواقع من المزيف ، والصدق من الكذب . ( 4 ) – وله فوق ذلك آثار روحية سيئة ، ومغبة خطيرة ، نوهت عنها النصوص السالفة .
دواعي الكذب :
الكذب انحراف خلقي له أسبابه ودواعيه ، أهمها : ( 1 ) – العادة : فقد يعتاد المرء على ممارسة الكذب بدافع الجهل ، أو التأثر بالمحيط المتخلف ، أو لضعف الوازع الديني ، فيشبّ على هذه العادة السيئة ، وتمتد جذورها في نفسه ، لذلك قال بعض الحكماء : « من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه » . ( 2 ) – الطمع : وهو من أقوى الدوافع على الكذب والتزوير ، تحقيقاً لأطماع الكذّاب ، وإشباعاً لنهمه . ( 3 ) – العداء والحسد : فطالما سوّلا لأربابهما تلفيق التهم ، وتزويق الافتراءات والأكاذيب ، على من يعادونه أو يحسدونه . وقد عانى الصلحاء والنبلاء الذين يترفعون عن الخوض في الباطل ، ومقابلة الإساءة بمثلها – كثيراً من مآسي التهم والافتراءات والأراجيف .
أنواع الكذب : للكذب صور شوهاء ، تتفاوت بشاعتها باختلاف أضرارها وآثارها السيئة ، وهي : ( الأولى – اليمين الكاذبة ) وهي من أبشع صور الكذب ، وأشدّها خطراً وإثماً ، فإنّها جناية مزدوجة : جرأة صارخة على المولى عز وجل بالحلف به كذباً وبهتاناً ، وجريمة نكراء تمحق الحقوق وتهدر الكرامات . من أجل ذلك جاءت النصوص في ذمها والتحذير منها : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « إيّاكم واليمين الفاجرة ، فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع » ( 1 ) .
وقال الصادق عليه السلام : « اليمين الصُّبْر الكاذبة ، تورث العقب الفقر » ( 2 ) . ( الثانية – شهادة الزور ) وهي كسابقتها جريمة خطيرة ، وظلم سافر هدّام ، تبعث على غمط الحقوق ، واستلاب الأموال ، وإشاعة الفوضى في المجتمع ، بمساندة المجرمين على جرائم التدليس والابتزاز . أنظر كيف تنذر النصوص شهود الزور بالعقاب الأليم : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : « لا ينقضي كلام شاهد الزور من بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من الناس ، وكذلك من كتم الشهادة » ( 3 ) . ونهى القرآن الكريم عنها فقال تعالى : « واجتنبوا قول الزور » ( الحج : 30 ) اضرار اليمين الكاذبة وشهادة الزور : وإنما حرمت الشريعة الاسلامية اليمين الكاذبة ، وشهادة الزور ، وتوعدت عليهما بصنوف الوعيد والارهاب ، لآثارهما السيئة ، وأضرارهما الماحقة ، في دين الانسان ودنياه ، من ذلك :
( 1 ) – أن مقترف اليمين الكاذبة ، وشهادة الزور ، يسيء إلى نفسه إساءة كبرى بتعريضها إلى سخط اللّه تعالى ، وعقوباته التي صورتها النصوص السالفة . ( 2 ) – ويسئ كذلك إلى من سانده ومالأه ، بالحلف كذباً ، والشهادة زوراً ، حيث شجّعه على بخس حقوق الناس ، وابتزاز أموالهم ، وهدر كراماتهم . ( 3 ) – و يسيء كذلك إلى من اختلق عليه اليمين والشهادة المزورتين ، بخذلانه وإضاعة حقوقه ، وإسقاط معنوياته . ( 4 ) – ويسئ إلى المجتمع عامة بإشاعة الفوضى والفساد فيه ، وتحطيم قيمه الدينية والأخلاقية . ( 5 ) – ويسئ إلى الشريعة الاسلامية بتحدّيها ، ومخالفة دستورها المقدس ، الذي يجب اتباعه وتطبيقه على كل مسلم . ( الثالثة – خلف الوعد ) الوفاء بالوعد من الخلال الكريمة التي يزدان بها العقلاء ، ويتحلى بها النبلاء ، وقد نوّه اللّه عنها في كتابه الكريم فقال : « واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً » ( مريم : 54 ) ذلك أنّ إسماعيل عليه السلام وعد رجلاً ، فمكث في انتظاره سنة كاملة ، في مكان لا يبارحه ، وفاءاً بوعده . وإنه لمن المؤسف أن يشيع خلف الوعد بين المسلمين اليوم ، متجاهلين نتائجه السيئة في إضعاف الثقة المتبادلة بينهم ، وإفساد العلاقات الاجتماعية ، والاضرار بالمصالح العامة . قال الصادق عليه السلام : « عِدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له ، فمن أخلف فبخلف اللّه تعالى بدأ ، ولمقته تعرض ، وذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون » ( 1 ) . وقال عليه السلام : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وعد رجلاً إلى صخرة فقال : أنا لك هاهنا حتى تأتي . قال : فاشتدت الشمس عليه ، فقال أصحابه : يا رسول اللّه لو أنّك تحولت إلى الظل . فقال : قد وعدته إلى هاهنا ، وإن لم يجئ كان منه إلى المحشر » ( 2 ) . ( الرابعة – الكذب الساخر ) فقد يستحلي البعض تلفيق الأكاذيب الساخرة ، للتندّر على الناس ، والسخرية بهم ، وهو لهو عابث خطير ، ينتج الأحقاد والآثام . قال الصادق عليه السلام ، « من روى على مؤمن رواية ، يريد بها شينه ، وهدم مروتّه ليسقط من أعين الناس ، أخرجه اللّه تعالى من ولايته إلى ولاية الشيطان ، فلا يقبله الشيطان » ( 1 ) .