الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / معاجز النبي (ص) في القرآن الكريم – آية الله الشيخ جعفر السبحاني
0

معاجز النبي (ص) في القرآن الكريم – آية الله الشيخ جعفر السبحاني

تشهد آيات الذكر الحكيم على أنّ النبيّ الأكرم جاء ـ وبالإضافة إلى المعجزة الخالدة: القرآن الكريم ـ بعدد من المعاجز والأفعال الخارقة للعادة ولم يكتفِ لهداية الناس وإرشادهم بالقرآن فقط، بل كلّما اقتضت الحاجة ودعت الضرورة جاء وبإذن الله بالمعجزة اللازمة.
المعجزة الأُولى: انشقاق القمر

قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَ إِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [سورة القمر:1ـ 2] أطبق المفسّرون المسلمون كالزمخشري في كشافه، والطبرسي في مجمعه، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وابن مسعود في تفسيره و… على ما يلي: اجتمع المشركون  إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فلقتين، فقال لهم  رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

 

 

 

إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، وكان ليلة بدر فسأل رسول الله ربّه أن يعطيه ما قالوا وأشار بأصبعه إلى القمر فانشق القمر فلقتين، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينادي: يا فلان يا فلان اشهدوا. ونحن هنا لا نريد التعرض إلى خصوصيات هذه المعجزة والإشكالات الصبيانية التي أُثيرت حولها، بل المهم هو دلالة الآية على وقوع المعجزة، وحينئذٍ لابدّ من أن نشرع في تفسير الآية: قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ} انّ الآية تشير إلى قرب وقوع القيامة حسب النظرة القرآنية وإن كان ذلك بعيداً في نظر الكافرين، وقد أكّد القرآن هذه الحقيقة في آية أُخرى حيث قال سبحانه:

 

 

 

{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَ نَريهُ قَرِيباً} [سورة المعارج:6ـ 7] ثم قال سبحانه بعد إخباره عن اقتراب الساعة: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}. ومن المعلوم أنّ (انشق) فعل ماض ولا يمكن حمله ومن دون دليل على المستقبل، أي انّ الجملة تكون بمعنى الإخبار عن وقوع الانشقاق في المستقبل وحسب المصطلح لا يمكن القول: إنّ (انشق) يعني (ينشق).

 

 

 

 

أضف إلى ذلك انّ الجملة السابقة {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ} جاءت بصيغة الماضي وبمعنى تحقّق الاقتراب فعلاً، وبالطبع انّ جملة انشق القمر معطوفة عليها، فلابدّ أن تكون الجملة المعطوفة أيضاً بمعنى الماضي. وبالنتيجة لا يمكن لنا وبدون دليل أن نحمل لفظ (انشق) على المضارع، وانّه إخبار بأنّه حينما تقوم القيامة في المستقبل سوف ينشق القمر فلقتين.

 

 

 

 

ولكن قد يُثار  التساؤل التالي: ما هو وجه المناسبة بين اقتراب الساعة وبين انشقاق القمر على يد الرسول الأكرم؟ والجواب عن هذا التساؤل واضح، لأنّ انشقاق القمر وظهور النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) من شرائط وعلامات القيامة، فمن هذه الجهة عطفت الجملتان إحداهما على الأُخرى. ولا ريب أنّ علامات القيامة محقّقة حسب الرؤية القرآنية حيث قال سبحانه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ} [سورة الزخرف: 66] وقال سبحانه في آية أُخرى: 

 

 

 

 

{وَإِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}. ومن المعلوم أنّ المراد من (آية) هو العلامة، وهي غير القرآن الكريم، والشاهد على ذلك انّه استعمل الفعل (يروا) ولو كان المقصود من الآية هو القرآن لكان من المناسب أن يأتي بفعل ينسجم مع القرآن الكريم كالنزول وغير ذلك. ولا ريب أنّ قوله: (يروا آية) إشارة إلى معجزة شق القمر التي ذكرت في الآية السابقة. ثمّ إنّ الإمعان في أجواء الآية يوضح وبجلاء  انّ ظرف و زمان انشقاق القمر هو في هذه الدنيا لا في عالم الآخرة، وذلك لأنّه لا يمكن لأي أحد أن يصف تلك المعجزة في عالم الآخرة بأنّها سحر مستمر وانّهم سحروا كما سُحِر آباؤهم الأوّلون. وخلاصة القول: إنّ قوله: (سحر مستمر)

 

 

 

 

إشارة واضحة إلى عملية (شقّ القمر) التي جرت على يد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد نقل لنا المفسّرون أنّ أبا جهل حينما رأى هذه المعجزة العظمى خاطب المشركين بقوله: (سَحَرَكُمْ ابْنُ أَبي كَبشَةَ) وأبو كبشة هو أحد أجداد الرسول الأكرم من جهة الأُمّ، ولذلك كان المشركون يصفون النبي بأنّه ابن أبي كبشة.

شاهد أيضاً

0

في طريق تحصيل حضور القلب

اذا عرفت الآن فضيلة حضور القلب وخواصّه عقلا ونقلا وفهمت الاضرار الكبيرة في تركه فلا ...