قاعدة: لا يعرف شيء شيئاً إلاّ بما هو فيه منه
لاَ يَعْرِفُ شَيْءٌ شَيْئَاً إلاَّ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْهُ.
فحين أعلَمُ بوجود حيوان، كالخروف مثلاً، فما مقدار ما أستطيع الحصول عليه من المعرفة بهذا الخروف؟! بنفس الكمّ الموجود من الخروف في ذاتي شخصيّاً. فما الموجود من الخروف في ذاتي؟ هل هي الحيوانيّة، أم الإحساس؟ هل هي الحركة بالإرادة، أم الجسميّة أم الجوهريّة؟ أم هل هي الآثار والخواصّ ولوازمها (كالقوّة المغذّية أو النامية أو الدافعة أو المُوَلِّدة وغير ذلك) وإدراك الجزئيّات؟ ربّما كان ذلك الحسّ المشترك ومعرفة الصديق والعدوّ (بما يتناسب وحصول المنفعة واجتناب الضرر)؟ كلّ تلك الاُمور هي خواصّ وعلائم مشتركة موزّعة بين شخصي وبين الخروف بالسويّة، وقد استفاد كلٌّ منّا مشتركاً من تلك الخواصّ والعلائم.
وعلی الرغم من ذلك، فلا سبيل أمامي علی الإطلاق للعِلم بالخروف من خلال الخصائص والمميّزات التي تفصلني عنه وتميّزني منه. لا نّه، وعلی افتراض حصولي علی علم بالخروف، سواء كان ذلك العلم في «ما به الاشتراك» معه أم في «ما به الامتياز» عَنه، فعلی أساس تلك الفرضيّة، وجب أن أكون أنا الخروف عينه والخروف هو عيني، وهذا ما يدعي بالخُلف.[8]
إنّ العلم بأيّ موجود والاطّلاع عليه من قِبَل موجود آخر والتعرّف عليه يتأتّي من طريق معرفة الخواصّ المشتركة فيما بين هذين الموجودين وليس من الامتيازات بينهما، فطريق العلم والعرفان مفتوح فقط في بيان المشتركات (أو الخواصّ المشتركة)، في حين أنّ الطريق نفسه مسدود عند البحث في المتميّزات، وإلاّ كنّا جميعاً متشابهين، ولتشابهت كلّ الموجودات كذلك مع بعضها البعض. أي لو كان المجال (مجال العلم والمعرفة) مفتوحاً للبحث في جميع الجزئيّات والكثرات، لاصبحت كلّ الموجودات بالضرورة موجوداً واحداً. ولكان الحصان والبقر والجَمَل والخروف والطيور والزواحف والحيوانات البحريّة والجوامد والنباتات وقبائل الجِنّ والملائكة، موجوداً واحداً لا اختلاف يُذكَر بينها، فتزول بذلك الاسماء عن المسمّيات وتدعي كلّها باسم واحد.
والآن، وجب أن نسأل أنفسنا نحن الذين نريد التعرّف علی الله عزّوجلّ، مَن هو الله الذي نروم التعرّف عليه؟! أين الله عزّوجلّ وأين نحن؟ فنحن مخلوقون وهو الخالق، ونحن مرزوقون وهو الرازق، ونحن معلومون وهو العالِم، ونحن مقدور علينا وهو القادر، ونحن محكومون وهو الحاكم، ونحن مملوكون وهو المالك، وهكذا دواليك.
قابليّة الإنسان في الخلقة لا متناهية
الله عزّوجلّ هو خالقنا، وهو الذي وهب لنا الجسد والفكر والعقل، ومنحنا الروح والنفس، وتلك كلّها مجرّد مظاهر من لدن الله. والله ظاهر في ذاته عزّوجلّ، وهو الذي فرض لنا الظهور ووهبنا إيّاه، لكنّ هذا الظهور إنّما هو ظهور مستند إلی ظهوره هو عزّوجلّ.
ما مقدار القوّة والاستطاعة التي نملكها حتّي نعرف الله بواسطتها؟! إنّ ذلك المقدار هو مقدار وجود الله سبحانه في ذواتنا. وما هو المقدار الموجود من ذات الله عزّوجلّ فينا؟! ما المقدار من ظهور الله؟! ما المقدار من علم الله؟! ما المقدار من قدرة الله؟! وأخيراً، وليس آخراً، ما المقدار من حياة الله؟!