الرئيسية / منوعات / قصص وعبر / ومُبشِّراً برَسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد – كمال السيد
IMG_8049

ومُبشِّراً برَسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد – كمال السيد

08

الطريق إلى مكّة
في العام السادس الهجري وقعت بعض الحوادث المهمّة، فقد أغارت غطفان بقيادة عُيينة بن حصن الفزاري على ضواحي المدينة وقتلت أحد الرعاة وساقت قطعان الإبل، فأرسل النبي فرقة لمطاردة المغيرين استطاعت استرداد نصف الإبل.

كما قاد النبي صلّى الله عليه وآله بنفسه جيشاً لمداهمة بني المصطلق بعد انتشار أخبار حول استعدادهم لحرب المسلمين، ودارت معركة ضارية انتصر فيها الجيش الإسلامي.
وقد شهد هذا العام عمليات عسكرية تأديبية للقبائل التي تحاول أو تفكّر بالإغارة على المدينة.
وعلى صعيد الاحداث العالمية وقع حادث كان له صداه في الجزيرة العربية، عندما انفجرت الحرب بين أكبر دولتَين في العالم: الفُرس والروم، حيث ألحق الروم بالفُرس هزيمة ساحقة واستردّوا فيها سوريا والمناطق المحتلّة في آسيا الصغرى، وتحققت بذلك نبوءة القرآن الكريم، يوم كان المسلمون في مكّة معذّبين مقهورين فضاعف انتصار الفرس على الروم آلامهم (28)، حتّى إذا حلّ العام السادس الهجري اشتعلت الحرب بين الامبراطوريتَين في نينوى، حيث هُزم الفرس هزيمة ساحقة، وتلاحقت الأحداث إلى أن انتهت بإقدام « شيرويه » بن كسرى على خلع أبيه وقَتْله، ثمّ عقد صلحاً مع هرقل إمبراطور الروم، وترتب على ذلك إعادة « الصلبوت » (29) إلى بيت المقدس مرّة أخرى.

وابتهج المسلمون هذه المرّة، فيما استاء المشركون، وقد تذكّر الجميع آيات السماء:
الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. في أدنى الأرض (30) وهُم مِن بَعد غَلَبِهم سَيَغلِبون. في بِضْعِ سنين .
وفي غمرة الحوادث أعلن النبيّ صلّى الله عليه وآله عزمه على أداء العُمرة، وبدأت الاستعدادات للتوجّه صوب مكّة، وبلغ عدد الذين لبّوا دعوة الرسول ألفاً وأربعمائة رجل، وما يميّز هذا الحشد أنّه لم يصطحب معه من التجهيزات العسكرية غير السيوف، حتّى يمكن القول أنّها مسيرة للسلام، إذ أعلن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه لا ينوي القتال أبداً.
وبلغ التوتّر في مكّة ذروته، وسادت موجة من الحقد والحميّة الجاهلية، والتصميم على منع النبيّ وأصحابه من دخول مكّة بأيّ ثمن.
وانطلقت « القصوى » تطوي المسافات باتّجاه مكّة، حتّى إذا وصلت منعطفاً جبليّاً يُشرف على الحُدَيبية بَرَكت، فقال بعض أصحابه: حَرَنت الناقة ؟
فأجاب النبي صلّى الله عليه وآله:
ـ لا، ولكن حَبَسها حابِسُ الفيل عن مكّة.

وأردف:
ـ والّذي نَفْسُ محمّد بيده، لا تَدْعُني قريشُ اليومَ إلى خِطّة يسألون فيها صِلة الرَّحِم إلاّ أعطيتُهم إيّاها.
وهكذا عسكرت قوّات الإسلام في الحديبية.
وأرسلت قريش وفودها لإقناع الرسول صلّى الله عليه وآله بالعودة إلى المدينة، والتويح بالحرب، وكان الحوار يتكرر في كلّ مرّة:
ـ هل جئتَ معتمراً أم محارباً.
ـ إنّا لم نجئ لقتال أحد، جئنا معتمرين.
وبالرغم من قناعة الوفود بنوايا النبيّ صلّى الله عليه وآله في السلام، إلاّ أنّ زعماء مكّة رفضوا بعنادٍ فكرة دخول النبيّ.

وشهدت الصحراء بين « الحديبية » ومكّة تتابع الوفود دون جدوى.
ورأى النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يرسل وفداً من قِبله إلى مكّة ليشرح لقريش أهداف الزيارة؛ ولم يجد النبي أفضل من عثمان بن عفان رئيساً للوفد لقرابته من أبي سفيان، وطلب النبيّ من مبعوثه أن يحدّد حواره مع قريش في هذا الإطار:
ـ إنّا لم نأتِ لقتال أحد، وإّما جئنا زوّاراً لهذا البيت معظّمين لحُرمته ومعنا الهَدْي ننحره وننصرف.
وبالرغم من ترحيب قريش بعثمان إلاّ أنها لم تُبْدِ مُرونة تجاه رغبة المسلمين.
وحدث تطوّر زاد في توتّر الوضع وخطورة الموقف، إثر إرسال قريش الحليس بن علقمة سيّد الأحابيِش في مكّة، وكان قد ساءه منظر المسلمين في الصحراء ينتظرون الإذن بدخول مكّة، فهتف متأثراً:
ـ سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدّوا عن البيت.
ولقد حاول الحليس إقناع زعماء مكّة بالسماح للمسلمين بالحجّ، فقالوا باستخفاف:
ـ إنّما أنت أعرابيّ لا عِلم لك.

فرد سيّد الأحابيش غاضباً:
ـ والله ما على هذا حالفناكم، أيُصدّ عن بيت الله مَن جاءه مُعظِّماً ؟! وأردف مهدِّداً:
ـ والذي نفس الحليس بيده، لتخلنّ بين محمد وما جاء به أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.
وقد أدّى هذا الموقف إلى أن تُبدي قريش بعض المرونة، فأرسلت وفداً برئاسة سُهَيل بن عمرو للتفاوض مع النبيّ صلّى الله عليه وآله حول نقطة جوهريّة، هي عودة النبيّ إلى المدينة وتأجيل زيارته إلى العام القادم.
طلب النبيّ صلّى الله عليه وآله من وفد قريش، وقبل البدء بأيّة محادثات، إطلاق سراح الوفد الإسلامي الذي احتُجز دون مبرّر.
ويبدو أنّ تيار السلام قد سيطر أخيراً في أوساط مكّة، فتجاوبت قريش مع مطالب المسلمين وأُطلق سراح الوفد الذي عاد إلى الحديبية.
وأسفر الحوار عن اتّفاق من أربعة بنود، وعندما شرع عليّ بن أبي طالب بتحريرها وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم..

رفض المفاوض القرشي معرباً عن استنكاره وقال:
ـ لا أعرف هذا، ولكن اكتُب باسمكَ اللهمّ.
وأشار النبيّ صلّى الله عليه وآله بموافقته على ذلك، فكتب:
ـ هذا ما صالح عليه محمّدٌ رسول الله سُهَيلَ بن عمرو.
وأبدى سُهَيل اعتراضه مرّة أخرى قائلاً:
ـ لو شَهِدتُ أنّك رسول الله لم أُقاتلك، ولكن اكتب اسمَك واسمَ ابيك.. اكتُب محمّد بن عبدالله.
فعلّق النبيّ بحزن:
ـ واللهِ إنّي رسول الله وإن كذّبتُموني.
التفَتَ سُهيل إلى عليّ وطلب أن يمحو ( رسول الله )، فرفض.
وهنا أمسك النبيّ صحيفة الاتّفاق ومحاها بنفسه.
وهكذا تمّت صيغة الاتفاق بشكلها النهائي:
« باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمّدُ بن عبدالله سُهَيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين.. ».

وقد تضمّن الاتّفاق ـ إضافة إلى إنهاء حالة الحرب عشر سنوات ـ بُنوداً ثلاثة أُخرى:
ـ أن يُسلِّم النبيّ مَن يأتيه من قريش مُسلماً دون إذن وليّه، في مقابل عدم التزام قريش بإعادة مَن يسلّم نفسه من المسلمين.
ـ أنّ الباب مفتوح للجميع في عقد التحالفات مع أيٍّ من الطرفَين، إضافة إلى البند الذي عدّته قريش جوهرياً، وهو:
ـ عودة النبيّ وأصحابه هذا العام، على أن يؤدّوا العمرة في العام القادم دون تجهيزات عسكرية سوى السيوف، فيما تخلي قريش مكّة أثناء الزيارة.
وأعلنت قبيلة خزاعة فور توقيع الاتفاق تحالفها مع النبيّ، فيما أعلنت قبيلة بني بكر تحالفها مع قريش.
وحدثت أزمة في الجانب الإسلامي، بعد أن استنكر عُمَر بن الخطاب الاتّفاق وعدّه مذلاًّ، وخاطب النبيَّ بلهجة فيها نوع من الفظاظة التي اشتُهر بها، قائلا:
ـ ألست نبيّ الله حقّاً ؟!

وجاء صوت النبيّ هادئاً معبراً عن خلق سماوي رفيع:
ـ بلى.
ـ ألسنا على حقّ، وعدوّنا على باطل ؟!
ـ بلى.
ـ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار ؟!
ـ بلى.
وهنا قال عمر بحدّة:
ـ ففيمَ نُعطي الدَنِيّة في دِيننا إذن ؟!
فقال النبيّ بهدوء:
ـ إنّي رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري.
فقال عمر وقد ساوره الشك:
ـ أو لستَ كنتَ تحدّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟!
قال النبيّ:
ـ بلى أفأخبرتُك أنّك تأتيه عامَك هذا ؟
فأجاب عمر:
ـ لا.
وانصرف غاضباً.

وفي تلك اللحظات هبط جبريل يحمل سورة الفتح.
وقد حقّقت اتّفاقية السلام هذه المنافع لكلا الطرفَين، فمثلاً أفادت قريش من الاتفاقية إعادة فتح طريق القوافل التجارية الغربية؛ الأمر الذي ساعد على تخفيف أزمتها الاقتصادية، كما أنّها حفظت لها ماء الوجه بصدّها النبيّ صلّى الله عليه وآله عن زيارة البيت الحرام.
أمّا الجانب الإسلامي فقد حقّق كثيراً من المنافع، في طليعتها:
تعاطف الرأي العام وتيّار المعتدلين في مكّة عندما ظهر للجميع الاحترام العميق الذي يُكنّه المسلمون للكعبة، إضافة إلى فتح أبواب مكّة في العام التالي، وهو أمر كانت له آثاره البعيدة في تعزيز نفوذ الإسلام. ولا ننسى الإشارة إلى أن الاتفاق يعني أوّل اعتراف رسمي لقريش بالدولة الإسلامية واعتبار الإسلام أحد الأديان المعترَف بها في الجزيرة العربية، فانتشر الإسلام خلال فترة السلام، حتّى إنّ الذين اعتنقوا الدين الحنيف في تلك الفترة فاقَ بكثير عدد الذين اعتنقوه قبل ذلك.

* * *

ملوك العالم
فكّر النبيّ بعد معاهدة السلام في نشر الإسلام عالميّاً، ولعلّ قريشاً وغيرها من القبائل العربية فُوجئت بأنباء الصحراء وهي تتحدّث عن فرسان مسلمين يحملون رسائل النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى ملوك العالم.
كان النبيّ صلّى الله عليه وآله قد اتّخذ خاتماً فِضّياً منقوشاً عليه « محمّد رسول الله » لتوقيع رسائله.
وانطلقت خُيول الإسلام تحمل دعوة النبيّ لدخول الدين الجديد.
فقد انطلق دِحْية الكلبي يحمل رسالة النبيّ إلى إمبراطور الروم:

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمّد رسول الله إلى هِرَقل عظيم الروم
سلامٌ على مَن اتّبع الهُدى.
أمّا بعد؛ فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِم تَسْلَم يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرّتين، فإن تولَّيتَ فإنّما عليك إثم الأريسيين (31) يا أهلَ الكتاب تَعالَوا إلى كَلِمَةِ سَواءٍ بَيننا وبينَكم ألاّ نَعبُدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئاً ولا يتّخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً مِن دُون الله فإن تولَّوا فقولوا اشهَدُوا بأنّا مُسلمون (32).

وتتابعت رسائل النبيّ.. رسالة إلى كسرى ملك الفرس، ورسالة إلى النَّجاشي ملك الحبشة تضمّنت أيضاح السماح لجعفر بن أبي طالب والمهاجرين بالعودة، ورسالة إلى المُقَوقِس ملك مصر، ورسالة إلى الحارث الغسّاني أمير دمشق من قِبل هِرَقل، ورسالة إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين، ورسالة إلى باذان حاكم اليمن. وقد اعتنق الأخيران الإسلام.

* * *

حصون السامري
تخللت فترة السلام التي أعقبت « صلح الحُدَيبية » بعض العمليات العسكرية، في طليعتها تساقط حصون خَيبر وقِلاعها في قبضة الجيش الإسلامي الزاحف.
وقد تفجّر الوضع بعد أن تناقلت الأنباء عن تحرّكات يهودية في الظلام ولقاءات مشبوهة مع قبائل غَطفان لغزو المدينة.
لقد كان الرسول صلّى الله عليه وآله يُدرك أبعاد الخطر اليهودي، ولهذا كان فرسان الدوريّات يجوبون الصحراء بين مضارب غطفان وحصون خيبر لرصد التحرّكات المشبوهة، وعندما تأكّد النبيّ من المؤامرة، عبّأ جيشه زاحفاً باتّجاه حصون الغدر اليهودية.
وقد تحركت القوات الإسلامية بأقصى سرعتها متّجهة إلى عرض الصحراء واحتلال الطريق بين مضارب غطفان وحصون خَيبر، ثمّ انكفأت باتجاه خيبر لقطع الطريق على أي تنسيق محتمل أو وصول نجدات من غطفان إلى خيبر.
بلغ تعداد الجيش الإسلامي ألفاً وأربعمائة مقاتل، يشكّل سلاح الفرسان مئتي فارس، وكانت راية العقاب تخفق فوق هامة النبيّ صلّى الله عليه وآله.
بدت الحصون ذلك الفجر ككائنات أُسطورية مخيفة تجثم فوق الأرض، والصحراء برمالها المتموّجة تترقّب معركة وشيكة.. معركة سيكون لها شأن.
اجتاح المسلمون المناطق المشجَّرة ما بين الحصون، وبَدَت الجدران الصخرية لـ « النطاة » و « الصعب » و « ناعم » و « الشقّ » و « القموص » و « سلالم » (33) ثابتة في وجه الهجمات الإسلامية، ودارت معارك ضارية في الشوارع.

سقط خمسون جريحاً من المسلمين واستُشهد محمّد بن سلمة، وأخفقت الحملات الإسلامية في احتلال أيّ من الحصون، وكان اليهود يسخرون من الجيش الإسلامي متباهين بشجاعة أبطالهم.
بان الغضب على وجه النبي فهتف:
ـ لأُعطينَّ الرايةَ غداً رجُلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه.
نشر الظلام ستائره، واشتعلت مواقد في قلب الليل.. والنسائم تداعب سعفات النخيل، ودارت همسات حالمة: تُرى مَن سيَحظى بهذا المجد غداً ؟
طلع الفجر وتنفّس الصباح، واستيقظت الكائنات لتبدأ يوماً جديداً.
تحلّق المسلمون حول النبيّ صلّى الله عليه وآله يتطلّعون إلى رجُل يحبّ اللهَ ورسوله ويحبّه اللهُ ورسوله، ولم يَطُل الانتظار إذ هتف النبيّ:
ـ أين عليّ ؟
وتقدّم فتىً في الثلاثين أو يزيد.. أمسك براية العُقاب وراح يُصغي إلى صوتٍ سماوي.
ـ إنفذ على رَسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعُهم إلى الإسلام، فإن لم يستجيبوا فقاتِلهم.. انطلِقْ، فَتَح اللهُ عليك.

هَرولَ عليّ ليبعث الحماس في جنوده، فبدا بحُلّته الأُرجوانية جمرةً متألقة. وعندما صار قريباً من « القموص » خلع درعه ليكون أكثر قدرة في الحركة، وأمر جنوده أن يفعلوا ذلك.
رفض اليهود ساخرين دعوة الإسلام ونداء السلام، وكان الخيار الوحيد هو إحراق العجل (34).
كان منظر عليّ بلا درع قد حرّك شهوة الغدر والانتقام في نفوسهم.. فراح أبطالهم يخرجون مُدجَّجين بالسلاح وكانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر عند قدميه.
الذين كانوا يراقبون الصراع أدركوا أنّ هناك سرّاً في انتصار عليّ..
رأوا بأُمّ أعينهم كيف يُهزم الحديد أمام قلب المؤمن.
وهبط مَرْحَب درجات الحصن كتلةً هائلة من الحديد والبأس والغدر، في قبضته حربة ذات ثلاثة رؤوس كأفعى أُسطوريّة.
تقدّم مرحب ينقل خُطاه المُثقَلة. الزَّرد والحديد، ليس هناك في كلّ جسده الفارع ثغرة يمكن للسيف أن ينفذ فيها.

وتوقّع المسلمون واليهود.. توقّعوا جميعاً نهاية عليّ. تقدّمت كتلة الحديد.. وانطلقت الحربة برؤوسها الثلاثة وكادت أن تخترق صدر عليّ وتمزّق قلب الإيمان.
رجع عليّ إلى الوراء ثمّ قفز في الهواء ليهوي بضربة هائلة أودعها غضب السماء. وتحطم الحديد. مرّت لحظةُ صمتٍ قبل أن ترتطم كتلة هائلة بالأرض مُحدِثةً دويّاً تنخلع له القلوب المذعورة.. لقد قَتَلَ داودُ جالوتَ.. واندفع عليّ بعد أن حطّم الغرورَ اليهودي إلى باب الحصن لينتزعه وسط دهشة الجميع، وأصبح جسراً فوق الخندق يتدفّق عبره المهاجمون.. وسرعان ما سقط « القموص » و « الوطيح » و « السلالم ».. وسقطت خيبر كلها.
وفي غمرة الفرح وصل جعفر على رأس عشرات المهاجرين إلى الحبشة، فتضاعفت فرحة النبيّ فقال والبسمة تشرق في وجهه:
ـ ما أدري بأيّهما أشدّ سُروراً: بقُدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟!
ومع سقوط خيبر تقوّض النفوذ السياسي والعسكري، وحتّى الاقتصادي لليهود في شبه الجزيرة العربية.

* * *

انهيار الوثنية
أعقب سقوط خيبر استسلام اليهود في فدك، ثمّ وقع حادث له دويّه في شبه الجزيرة العربية، فقد قرّر النبيّ صلّى الله عليه وآله إرسالَ حملة تأديبية إلى الممالك العربية الموالية للرومان، إثر مصرع مبعوثه إلى هِرَقل على يد شُرَحبيل بن عمرو الغسّاني.
بلغ عدد جنود الحملة ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زيد بن حارثة، فإن استُشهد فجعفر بن أبي طالب، فإن استُشهد فعبد الله بن رواحة.
وفي جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة تقدّم الجيش الإسلامي يطوي المسافات باتجاه الشمال، تتألّق في نفوس الجنود وصيّة الرسول الخالدة:
ـ اُوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيراً:
اغزوا باسم الله.
فقاتِلوا عدوَّ الله وعدوَّكم بالشام.
وستجدون فيها رجالاً في الصوامع معتزِلين، فلا تتعرّضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ولا كبيراً فانياً.
ولا تقطعوا شجرةً ولا تهدموا بناء.
ومهما كانت بواعث الزحف الإسلامي فإنّه يجسّد بشكل واضح عالميّة الإسلام؛ خاصّة وقد سبق هذا التحرّكَ العسكري رسائلُ مهمّة إلى ملوك العالم آنذاك.
وفي « مُؤتَة » من أرض البَلقاء في تُخوم الشام تقابلَ الجيشان، لقد تعدّدت الروايات حول ضخامة الجيش الروماني، فأشار بعضها إلى أنّه ناهز المئتي ألف، يؤلّف الرومان نصفه، فيما يشكّل التجمّع العربي النصف الآخر (35).

وتجدر الإشارة إلى أن تُيودور (36) كان القائد العام للجيش الروماني.
لم تفكّر القيادة الإسلامية بالتراجع أمام التفوّق الساحق للعدوّ، وقررت خوض المعركة ما دامت الشهادة تمثّل إلى جانب النصر هدفاً آخر وهي إحدى الحُسْنيَين.
وقد ذُهِل الرومان أمام استبسال المسلمين واعتدادهم بأنفسهم واندفاعهم إلى الموت، وتساقَطَ قادةُ الحملة شهداء في أرض المعركة، فتولّى القيادة العامة خالد بن الوليد الذي اعتنق الإسلام حديثاً، وقرّر الانسحاب وإنقاذ الجيش الإسلامي من الإبادة.
انتهز القائد الجديد حُلول الظلام وقام بتنظيم عملية انسحاب سريعة عبر الصحراء.
وفي فجر اليوم التالي فوجئ الرومان بالانسحاب وتطلّعوا متهيّبين إلى الصحراء، وقرّر تيودور العودة وعدم المغامرة باختراق الصحراء.

شاهد أيضاً

00

الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة

57-المرحومين بشفاعتهم إنك ارحم الراحمين صلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا وحسبنا ...