أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 22

أمّا الاستدلال : فهو المستفاد من غير واحدة من الآيات الدالَّة على إطلاق القدرة من ناحية الفاعل ، وإمكان الإعادة كالبدء من ناحية القابل . وأمّا الاستشهاد : فهو المستنبط من غير واحدة من الآيات الدالَّة على أنّ وزان الموت والبعث هو وزان النوم واليقظة ، نحو قوله تعالى * ( « وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه ِ

لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْه ِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ) * « 3 » . وأمّا التمثيل له : فهو ما تقدّم من تأويل السجود بأنّ الإنسان من تراب ، ثمّ يعود فيه ، ثمّ يبعث منه ، فالمصلَّي الساجد للَّه في كلّ ركعة مرّتين يتمثّل له المعاد الذي إليه يصير ، فمن عثر على سرّ الصلاة يقف على مواقف القيامة ويراها كأنها قامت ، وتدعو نارها من أعرض وتولَّى ، فيجد ويجاهد ويجتهد في إخمادها ، كما هو المأثور عن الإمام زين العابدين – عليه السّلام – من وقوع حريق في حال صلاته عليه السّلام ، ولم يلتفت إليه حتّى فرغ من صلاته ، وقيل له عليه السّلام : ما الذي ألهاك عنها ؟ قال عليه السّلام : ألهتني عنها النار الكبرى « 4 » . والغرض : أنّ السجدتين تمثّلان للبدء والعود ، فتدبّر تجد سرّه .

وممّا يشهد للاستناد بالسجود في نيل الفضل الخاصّ من الجنّة والحشر مع أهل
العصمة ونحو ذلك هو ما رواه الكلينيّ رحمه اللَّه ، عن أبي عبد اللَّه – عليه السّلام – أنّه قال : مرّ بالنبيّ رجل وهو يعالج بعض حجراته ، فقال : يا رسول اللَّه ، ألا أكفيك ، فقال عليه السّلام : شأنك ، فلمّا فرغ قال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله :

حاجتك ؟ قال : الجنّة ، فأطرق رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – ثمّ قال : نعم ، فلمّا ولَّى قال له : يا عبد اللَّه أعنّا بطول السجود « 1 » ، لدلالته على أنّ للسجود وطوله دخلا في الوصول إلى طول اللَّه وفضله الخاصّ .
كما أنّ قوما أتوا رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – وقالوا : يا رسول اللَّه ، اضمن لنا على ربّك الجنّة ، قال : فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : « على أن تعينوني بطول السجود » « 2 » ويلائمه أيضا ما قاله – صلَّى اللَّه عليه وآله – لربيعة بن كعب حيث سأله – صلَّى اللَّه عليه وآله – أن يدعو له بالجنة : « أعنّي بكثرة السجود » « 3 » ونحو ما قاله – صلَّى اللَّه عليه وآله – لرجل جاءه فقال : يا رسول اللَّه ، كثرت ذنوبي وضعف عملي ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « أكثر السجود فإنّه يحطَّ الذنوب كما تحتّ الريح ورق الشجر » « 4 » إذ المستفاد من نطاق هذه الطائفة الَّتي أتينا ببعضها هو : أنّ لأصل السجود ولطوله ولكثرته سهما في نيل الشفاعة بالوصول إلى الغفران عن الذنوب ، وإلى الرضوان الإلهيّ ، وهو الجنّة بدرجاتها ، ومعنى قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله :

« أعنّي . » هو : أنّ العبد يستعين بالصلاة كما قال سبحانه * ( « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ » ) * « 5 » ، وهذه الاستعانة تكون لأمور شتّى ، منها : الوصول إلى الشفاعة ، ومن أهمّ أجزاء الصلاة الَّتي بها يستعان هو السجود ، فمن صلَّى وأطال سجوده فقد استعان للجنّة بالشفاعة بالصلاة والسجود ، كما أنّ من أطال السجود فقد استعان به للحشر مع الرسول – صلَّى اللَّه عليه وآله – حسبما يستفاد ممّا رواه الديلميّ ، عن أمير المؤمنين – عليه السّلام – أنّه جاء إلى النبيّ – صلَّى اللَّه عليه وآله – فقال : علَّمني عملا يحبّني اللَّه ، ويحبّني المخلوقون ، ويثري اللَّه مالي ، ويصحّ بدني ، ويطيل عمري ،

ويحشرني معك ، قال صلَّى اللَّه عليه وآله : « هذه ستّ خصال تحتاج إلى ستّ خصال ، إذا أردت أن يحبّك اللَّه فخفه واتّقه ، وإذا أردت أن يحبّك المخلوقون فأحسن إليهم وأرفض ما في أيديهم ، وإذا أردت أن يثري اللَّه مالك فزكَّه ، وإذا أردت أن يصحّ اللَّه بدنك فأكثر من الصدقة ، وإذا أردت أن يطيل اللَّه عمرك فصل ذوي أرحامك ، وإذا أردت أن يحشرك اللَّه معي فأطل السجود بين يدي اللَّه الواحد القهار » « 1 » .

وحيث إنّ لطول السجود وكثرته فضلا خاصّا عدا ما لأصل السجود من الفضل ، كان بين عيني عليّ بن الحسين السجاد – عليه السّلام – سجّادة كأنّها ركبة عين « 2 » ، وكانت مواضع سجوده – عليه السّلام – كمبارك البعير « 3 » .
وروى ابن طاوس ، عن السجّاد – عليه السّلام – أنّه برز إلى الصحراء فتبعه مولى له ، فوجده ساجدا على حجارة خشنة ، فأحصى عليه ألف مرّة « لا إله إلَّا اللَّه حقّا حقّا ، لا إله إلَّا اللَّه تعبّدا ورقّا ، لا إله إلَّا اللَّه إيمانا وصدقا » ، ثمّ رفع رأسه « 4 » .

ولمّا كان لطول السجود وكثرته أثرا هامّا كثر سجود إبراهيم عليه السّلام ، ولذا اتّخذه اللَّه خليلا له كما قاله الصادق عليه السّلام « 5 » . وطال سجود أبي عبد اللَّه الصادق – عليه السّلام – حسبما قال منصور الصيقل : حججت فمررت بالمدينة ، فأتيت قبر رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – فسلَّمت عليه ، ثمّ التفتّ فإذا بأبي عبد اللَّه – عليه السّلام – ساجد ، فجلست حتّى مللت ، ثمّ قلت : لاسبّحنّ ما دام ساجدا ، فقلت : سبحان ربّي العظيم وبحمده ، أستغفر اللَّه ربّي وأتوب إليه ثلاثمائة مرّة ونيفا وستّين مرّة ، فرفع رأسه ثمّ نهض « 6 » . وقال حفص بن غياث « 7 » : رأيت أبا
عبد اللَّه – عليه السّلام – يتخلَّل بساتين الكوفة ، فانتهى إلى نخلة فتوضّأ عندها ، ثمّ ركع وسجد ، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة ، ثمّ استند إلى النخلة ، فدعا بدعوات ثمّ قال : يا حفص ، إنّها واللَّه النخلة التي قال اللَّه – عزّ وجلّ – لمريم عليها السّلام :
* ( « وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا » ) * « 1 » .

ومن هنا قال الصادق عليه السّلام : « السجود منتهى العبادة من بني آدم » « 2 » ، وقال سلمان الفارسيّ : « لولا السجود للَّه ومجالسة قوم يتلفّظون طيب الكلام كما يتلفّظ طيب الثمر لتمنّيت الموت » « 3 » . وقد ورد في مدح الساجدين قوله تعالى :
* ( « سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ » ) * « 4 » لأنّ السجود الطويل أو الكثير يؤثّر في الجبهة ، فتنقش فيها سمة السجدة ، وهكذا ورد في قدح الفاقدين لسمة الإيمان والسجود قول أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّي لأكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود » « 5 » ، والجلحاء هي الجبهة الَّتي انحسر شعرها عن جانبي الرأس . ومن طال سجوده أو كثر ينحسر شعره ، أو تتّسم جبهته بما وصفه اللَّه حسبما مرّ ، وقد قال السجّاد – عليه السّلام – لقوم يزعمون التشيّع لأهل البيت عليهم السّلام :
« . أين السمة في الوجوه ؟ أين أثر العبادة ؟ أين سيماء السجود ؟ إنّما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم ، قد قرحت منهم الآناف ، ودثرت الجباه والمساجد » « 6 » .

والسرّ في ذلك كلَّه – عدا ما تقدّم من أنّه تمثّل للبدء من التراب ، وللعود فيه ، وللنشور منه – هو ما قاله النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « إنّ الأرض الَّتي يسجد عليها المؤمن يضيء نورها إلى السماء » « 7 » ، ومن المعلوم أنّ الأرض الغبراء الَّتي تقلّ الساجد إنّما تضيء للسماء الخضراء الَّتي تظلَّه ببركة السجدة الَّتي سرّها الضياء ، فإذا كان السجود ضياء كان الساجد أكثر ضياء ؛ لأنّ خيرا من الخير فاعله ، كما قاله
عليّ : « فاعل الخير خير منه » « 1 » إذ المؤثّر أقوى من أثره ، والفعل أضعف من فاعله ، فإذا كان السجود وصفا بعنوان الحال للساجد ، ثمّ صار ملكة له ، ثمّ صار فصلا مقوّما لهويّته الأصليّة بمعنى : ما ليس بخارج منه ، لا لماهيته الاعتباريّة يصير الساجد نورانيّا جعل له نور يمشي به في الناس ، وكفى بذلك سرّا للسجود ، ولعلّ ما حكم بأنّ الساجد شكرا يرى وجه اللَّه تعالى « 2 » فإنّما هو بذلك الضياء .

وقد ورد اختصاص السجود للَّه تعالى ، وانّ ما أتى به الملائكة لآدم عليه السّلام ، وكذا ما فعله يعقوب عليه السّلام وولده ليوسف عليه السّلام فإنّما كان ذلك كلَّه سجودا للَّه ، وطاعة له تعالى ، وائتمارا بأمره سبحانه ، ومحبّة لآدم وفضيلة له ، وكذا تحيّة ليوسف وتكرمة له عليه السّلام « 3 » .

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …