بِسِم اللّهِ الرحَمنِ الرحيَمِ مُقدمَة الكِتَابَ الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين . وبعد : فإنّ علم الأخلاق هو : العلم الباحث في محاسن الأخلاق ومساوئها ، والحث على التحلي بالأولى والتخلي عن الثانية . ويحتل هذا العلم مكانة مرموقة ، ومحلاً رفيعاً بين العلوم ، لشرف موضوعه ، وسمو غايته . فهو نظامها ، وواسطة عقدها ، ورمز فضائلها ، ومظهر جمالها ، إذ العلوم بأسرها منوطة بالخُلق الكريم ، تزدان بجماله ، وتحلو بآدابه ، فإن خلت منه غدت هزيلة شوهاء ، تثير السخط والتقزز . ولا بدع فالأخلاق الفاضلة هي التي تحقق في الانسان معاني الانسانية الرفيعة ، وتحيطه بهالة وضّاءة من الجمال والكمال ، وشرف النفس والضمير ، وسمو العزة والكرامة ، كما تمسخه الأخلاق الذميمة ، وتحطّه إلى سويّ الهمج والوحوش . وليس أثر الأخلاق مقصوراً على الأفراد فحسب ، بل يسري إلى الأمم والشعوب ، حيث تعكس الأخلاق حياتها وخصائصها ومبلغ رقيها ، أو تخلفها في مضمار الأمم . وقد زخر التاريخ بأحداث وعبر دلّت على أنّ فساد الأخلاق وتفسخها كان معولاً هدّاماً في تقويض صروح الحضارات ، وانهيار كثير من الدول والممالك : وإذا أصيب القوم في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتماً وعويلا وناهيك في عظمة الأخلاق ، أن النبي صلّى اللّه عليه وآله أولاها عناية كبرى ، وجعلها الهدف والغاية من بعثته ورسالته ، فقال : ( بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق ) . وهذا هو ما يهدف إليه علم الأخلاق ، بما يرسمه من نظم وآداب ، تهذّب ضمائر الناس وتقوّم أخلاقهم ، وتوجههم إلى السيرة الحميدة ، والسلوك الأمثل . وتختلف مناهج الأبحاث الخلقية وأساليبها باختلاف المعنيين بدراستها من القدامى والمحدثين : بين متّزمت غال في فلسفته الخلقية ، يجعلها جافة مرهقة عسرة التطبيق والتنفيذ . وبين متحكّم فيها بأهوائه ، يرسمها كما اقتضت تقاليده الخاصة ، ومحيطه المحدود ، ونزعاته وطباعه ، مما يجردها من صفة الأصالة والكمال . وهذا ما يجعل تلك المناهج مختلفة متباينة ، لا تصلح أن تكون دستوراً أخلاقياً خالداً للبشرية . والملحوظ للباحث المقارن بين تلك المناهج أنّ أفضلها وأكملها هو : النهج الاسلامي ، المستمد من القرآن الكريم ، وأخلاق أهل البيت عليهم السلام ، الذي ازدان بالقصد والاعتدال ، وأصالة المبدأ ، وسمو الغاية ، وحكمة التوجيه ، وحسن الملائمة لمختلف العصور والأفكار . وهو النهج الفريد الأمثل الذي يستطيع بفضل خصائصه وميزاته أن يسمو بالناس فرداً ومجتمعاً ، نحو التكامل الخُلقي ، والمثل الأخلاقية العليا ، بأسلوب شيق محبب ، يستهوي العقول والقلوب ، ويحقق لهم ذلك بأقرب وقت ، وأيسر طريق . هو منهج يمثل سموّ آداب الوحي الإلهي ، وبلاغة أهل البيت عليهم السلام ، وحكمتهم ، وهم يسيرون على ضوئه ، ويستلهمون مفاهيمه ، ويستقون من معينه ، ليحيلوها إلى الناس حكمة بالغة ، وأدباً رفيعاً ، ودروساً أخلاقية فذة ، تشع بنورها وطهورها على النفس ، فتزكّيها وتنيرها بمفاهيمها الخيّرة وتوجيهها الهادف البنّاء . من أجل ذلك تعشّقت هذا النهج ، وصبوت إليه ، وآثرت تخطيط هذه الرسالة ورسم أبحاثها على ضوئه وهداه . ولئن اهتدى به أناس وقصر عنه آخرون ، فليس ذلك بقادح في حكمته وسمو تعاليمه ، وإنما هو لاختلاف طباع الناس ، ونزعاتهم في تقبّل مفاهيم التوجيه والتأديب ، وانتفاعهم بها ، كاختلاف المرضى في انتفاعهم بالأدوية الشافية ، والعقاقير الناجعة : فمنهم المنتفع بها ، ومنهم من لا تجديه نفعاً . ومما يحز في النفس ، ويبعث على الأسى والأسف البالغين ، أنّ المسلمين بعد أن كانوا قادة الأمم ، وروّادها إلى الفضائل ، ومكارم الأخلاق ، قد خسروا مثاليتهم لانحرافهم عن آداب الاسلام ، وأخلاقه الفذّة ، ما جعلهم في حالة مزرية من التخلف والتسيب الخلقيين . لذلك كان لزاماً عليهم – إذا ما ابتغوا العزة والكرامة وطيب السمعة – أن يستعيدوا ما أغفلوه من تراثهم الأخلاقي الضخم ، وينتفعوا برصيده المذخور ، ليكسبوا ثقة الناس وإعجابهم من جديد ، وليكونوا كما أراد اللّه تعالى لهم : ( خير أمة أخرجت للناس ) . وتلك أمنية غالية ، لا تُنال إلا بتظافر جهود المخلصين من أعلام الأمة الإسلامية وموجهيها ، على توعية المسلمين ، وحثهم على التمسك بالأخلاق الإسلامية ، ونشر مفاهيمها البنّاءة والاهتمام بعرضها عرضاً شيقاً جذاباً ، يغري الناس بدراستها والإفادة منها . وهذا ما حداني إلى تأليف هذا الكتاب ، وتخطيطه على ضوء الخصائص التالية : ( 1 ) إن هذا الكتاب لم يستوعب علم الأخلاق ، وإنما ضمَّ أهمَّ أبحاثه ، وأبلغها أثراً في حياة الناس . وقد جهدت ما استطعت في تجنب المصطلحات العلمية وألفاظها الغامضة ، وعرضتها بأسلوب واضح مركّز ، يُمتع القارئ ، ولا يرهقه بالغموض والإطناب ، الباعثين على الملل والسأم . ( 2 ) إختيار الأحاديث والأخبار الواردة فيه من الكتب المعتبرة والمصادر الوثيقة لدى المحدثين والرواة . ( 3 ) الاهتمام بذكر محاسن الخلق الكريم ، ومساوئ الخلق الذميم ، وبيان آثارهما الروحية والمادية في حياة الفرد أو المجتمع . والجدير بالذكر : أن المقياس الخلقي في تقييم الفضائل الخلقية ، وتحديد واقعها هو : التوسط والاعتدال ، المبرأ من الإفراط والتفريط . فالخلق الرضيّ هو : ما كان وسطاً بين المغالاة والإهمال ، كنقطة الدائرة من محيطها ، فإذا انحرف عن الوسط إلى طرف الافراط أو التفريط غدى خلقاً ذميماً . فالعفة فضيلة بين رذيلتي الشر والجمود : فإن أفرط الانسان فيها كان جامداً خاملاً ، معرضاً عن ضرورات الحياة ولذائذها المشروعة ، وإن فرّط فيها وقصّر ، كان شرهاً جشعاً ، منهمكاً على اللذائذ والشهوات . والشجاعة فضيلة بين رذيلتي التهور والجبن : فإن أفرط الشجاع فيها كان متهوراً مجازفاً فيما يحسن الاحجام عنه ، وإن فرَّط وقصّر كان جباناً هيّاباً محجماً عمّا يحسن الاقدام عليه . والسخاء فضيلة بين رذيلتي التبذير والبخل : فإن أفرط فيها كان مسرفاً مبذراً سخياً على من لا يستحق البذل والسخاء ، وإن فرّط فيها وقصر كان شحيحاً بخيلاً فيما يجدر الجود والسخاء فيه . . . وهكذا دواليك . من أجل ذلك كان كسب الفضائل ، والتحلّي بها ، والثبات عليها ، من الأهداف السامية التي يتبارى فيها ، ويتنافس عليها ، ذوو النفوس الكبيرة ، والهمم العالية ، ولا ينالها إلا ذو خظ عظيم . ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتاً * لدى المجد حتى عُد ألف بواحد وإني لأرجو اللّه عز وجل أن يتقبل مني هذا المجهود المتواضع ويثيبني عليه ، بلطفه الواسع ، وكرمه الجزيل ، وأن يوفقني وإخواني المؤمنين للانتفاع به ، والسير على ضوئه ، إنّه وليّ الهداية والتوفيق . الكاظمية مهدي السيد علي الصدر