تذكرة المتقين للشيخ مجمد البهاري

المراسلة السادسة للشيخ البهاري

رأيتك في ليلة من الليالي كسلاً فاترا ، ولم أعرف الحكمة في ذلك ؟.. فلو كان فتورك للدنيا ، فاعلم أن العبد لا يأخذ أكثر من قوته المقدر له.. وإن كان للآخرة فاعلم أن الله تعالى يستقبل العبد الهارب بأول سعي منه إليه ، إذ أن الراحل إليه قريب المسافة .. أو ما سمعت قوله : لو علم المدبرون كيف اشتياقي إليهم لماتوا شوقاً .. فعجّل قبل فوات الأوان.

وإذا رأيت نفسك لا تُقبل على العبادة ، فالتجأ إليه بالتضرع والمسكنة ، فإن العطاء _ بلا حساب واستحقاق – إنما هو ديدنه وعادته .. فلا تلتفت إلى وسوسة الشيطان في أنه لا مجال للتوبة بعد تكرر المعصية ، فإنه جلّت عظمته توّاب غفور ، وأولياؤه أيضاً مأمورون بذلك .

وأما لو كان فتورك وضيقك لأجل فراق الاخوان ، نظراً إلى أن مودة سنة رحم ماسة ، وفرقتها نار موقدة ، وقد قال الشاعر:
وجدت مصيبات الزمان جميعها 

سوى فرقة الاحباب هينة الخطب

وقال آخر :
يقولون ان الموت صعب على الفتى 

مفارقة الاحباب والله اصعب

 

فأقول لك : إن للكلام تفصيلاً وفروعاً.. والحق أنه لو كانت صداقة الانس هذه من موجبات الالتذاذ بالدنيا ، فلا معنى للضيق والفتور أبداً ، بل لا بد من الفرح والسرور لتخلّصك من هذه البلية ، وفقنا الله تعالى لنيل هذه المرتبة الجليلة .

وأما لو كانت أخوتك في الله تعالى فإن مفارقة الأنيس – وإن كانت موجبة للوحشة – إلا أن علاج الأمر ليس بالضيق والتبرم ، بل عليك بالإحسان إليه والقيام بحقوق اخوته ولو في غيابه ، فإن الاخوة عقد يجب الوفاء به..

وليس القصد هنا التفصيل في بيان حقوق الاخوة ، بل على المؤمن أن يعين اخوانه على الثبات على لوازم الاخوة ليقطفوا جميعاً ثمارها ، وإن من ثمارها الخلاص مما يقع فيه كل واحد منهما من البلاء في أهوال الآخرة .

(محمد البهاري الهمداني )

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …