الرئيسية / زاد الاخرة / وصية الإمام الخميني(قده) إلى السالكين

وصية الإمام الخميني(قده) إلى السالكين

نحن مفطورون على عشق الكمال المطلق، ومن هذا العشق -شئنا أم أبينا- ينشأ العشق لمطلق الكمال الذي هو من آثار الكمال المطلق، والأمر الملازم لفطرتنا هذه هو السعي للخلاص من النقص المطلق، وتلازمه الرغبة في الخلاص من مطلق النقص أيضا.

إذن، نحن -وإن لم نعلم أو ندرك- عاشقون لله تعالى، الذي هو الكمال المطلق. ونعشق آثاره التي هي تجليات الكمال المطلق. وأي شخص أو أي شيء نكرهه ونبغضه، أو نحاول التخلص منه، فهو: لا كمال مطلق ولا مطلق الكمال، بل: نقص مطلق أو مطلق النقص -الذي يقف في الجهة المقابلة، وعلى النقيض من الأول تماماً. ولا شك أن نقيض الكمال هو عدم الكمال، ولأننا محجوبون، فإننا نضلّ في التشخيص. ولو زال الحجاب لاتّضح لنا أن كل ما هو منه جل وعلا محبوب، وكل ما هو مبغوض فليس منه، وهو بالتالي ليس موجودا.

واعلم أن هناك تساهلاً في التعبيرات الواردة فيما يخص المتقابلات والموضوع أعلاه -رغم موافقته للبرهان المتين والرؤية العرفانية والمعرفة ورغم ما ورد في القرآن الكريم من إشارات إليه- إلا أن التصديق والإيمان به في غاية الصعوبة، ومنكريه في غاية الكثرة، والمؤمنين به قلة نادرة. وحتى أولئك الذين يعتقدون بثبوت هذه الحقيقة عن طريق البرهان لا يؤمن بها منهم إلا قلة قليلة. فالإيمان بأمثال هذه

الحقائق لا يُحرز إلا بالمجاهدة والتفكر والتلقين.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الادعاء (بأن بعض الأمور البرهانية يمكن أن لا تكون موضعا للتصديق والإيمان) عقدةٌ يصعبُ الاقتناع بها، بل لعل البعض قد يقطع بأنه أمر لا أساس له. ولكن ينبغي أن تعلم بأن هذا الأمر أمر وجداني، وقد وردت إشارات إليه في القرآن الكريم، كالآيات الكريم من سورة التكاثر(26- هي السورة 102 من سور القرآن الكريم، وهي ثمان آيات، وقد وبخ الله فيها الناس لتسابقهم في جمع المال والأولاد، وغفلتهم عن السعادة الحقيقية.).

وأما الوجدان، فأنت تعلم بأن الموتى لا تصدر عنهم أية حركة ، وأنهم لا يستطيعون إلحاق الأذي بك، وأن الموتى لا يعادلون ذبابةً حية واحدة من حيث الأثر والفعالية، كما تدرك أنهم لا يمكن أن يعودوا إلى الحياة في هذا العالم بعد موتهم وقبل يوم النشور، إلا أنك قد لا تمتلك القدرة على النوم وحيداً براحة في المقابر. وهذا ليس إلاّ لأن قلبك لم يصدق بما عندك من علم، وأن الإيمان بهذا الأمر لم يتحصل لديك، في حين أن أولئك الذين يقومون بتغسيل وتكفين الموتى تحصّل لهم الإيمان واليقين بهذا الأمر نتيجة تكرار العمل، فهم يستطيعون الخلوة مع الموتى براحة بال واطمئنان. كذلك فإن الفلاسفة الذين أثبتوا بالبراهين العقلية أن الله حاضرٌ في كل مكان، دون أن يصل قلوبهم ما أثبتته عقولهم بالبرهان، ولم تؤمن به قلوبهم، فإن أدب الحضور لن يتحقق لديهم، في حين

أن أولئك الذين أيقنوا بحضور الله بقلوبهم، وآمنت قلوبهم بذلك، فإنهم -رغم أن لا مراودة لهم مع البراهين-  فإنهم يتحلّون بأدب الحضور، ويجتنبون كل ما ينافي حضور المولى. فالعلوم المتعارفة إذن -وإن كانت الفلسفة وعلم التوحيد- لكنها تعد في حد ذاتها حجبا، وكلما ازدادت تزيد الحجاب غلظة وسمكاً، كذلك فإننا نعلم جميعا ونرى بأن دعوة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الخلص (سلام الله عليهم) ليست من سنخ الفلسفة والبرهان المتعارف، بل إنهم يهتمون بأرواح وقلوب الناس، ويوصلون نتائج البراهين إلى قلوب العباد، ويبذلون الجهد لهدايتهم من داخل الروح والقلب.

وإن شئت فقل:  إن الفلاسفة وأهل البراهين يزيدون الحجب، في حين أن الأنبياء عليهم السلام وأصحاب القلوب يسعون في رفعها. لذا ترى أن من تربّوا على أيدى الأنبياء مؤمنون وعاشقون، في حين أن طلاب علماء الفلسفة أصحاب برهان وقيلٍ وقال، لا شأن لهم بالقلب والروح.

وليس معنى ما أوردته أن تتجنب الفلسفة والعلوم البرهانية والعقلية، أو أن تشيح بوجهك عن العلوم الاستدلالية، فهذا خيانة للعقل والاستدلال والفلسفة، بل المعنى هو أن الفلسفة والاستدلال وسيلة للوصول إلى الهدف الأساسي، فلا ينبغي -والحال كذلك- أن

تحجبك عن المقصد والمقصود والمحبوب.

شاهد أيضاً

الأضحية أهميتها ومسائلها – سيد مصطفى الزلزلة