الرئيسية / القرآن الكريم / القرآن في الاسلام – الأستاذ العلامة السيد الطباطبائي

القرآن في الاسلام – الأستاذ العلامة السيد الطباطبائي

أسلوب مفسري الشيعة وطبقاتهم :
الطبقات التي ذكرناها هي طبقات المفسرين من السنة ورأينا أن لهم منهجا خاصا في
التفسير ساروا على ضوئه من حين نشأته ، فجعلوه أحاديث نبوية وأقوال للصحابة
والتابعين ولم يجيزوا اعمال النظر فيها لأنه يكون من قبيل الاجتهاد مقابل النص .
ولكن لما ظهر التناقض والتضارب والدس والوضع فيها بدأت الطبقة السادسة تعمل رأيها
فيها وتجتهد .
أما المنهج الذي اتخذته الشيعة في تفسير القرآن الكريم فيختلف مع منهج السنة ، ولذا
يختلف تقسيم طبقاتهم مع الطبقات المذكورة .
تعتقد الشيعة – بنص من القرآن الكريم – حجية أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم
في التفسير ، وترى أن الصحابة والتابعين كبقية المسلمين لا حجية في أقوالهم الا ما ثبت أنه
حديث نبوي . وقد ثبت بطرق متواترة في حديث الثقلين أن أقوال العترة الطاهرة من أهل
بيته عليهم السلام هي تالية لأقوال الرسول ، فهي حجة أيضا . ومن هنا أخذت الشيعة في
التفسير بما أثر عن النبي وأهل بيته عليهم السلام ، فكانت طبقات المفسرين منهم كما
يلي :
( الطبقة الأولى ) : الذين رووا التفسير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت
عليهم السلام وأدرجوا الأحاديث في مؤلفاتهم المتفرقة ، كزرارة ومحمد بن مسلم
ومعروف وجرير وأشباههم ( 1 ) .
( الطبقة الثانية ) أوائل المؤلفين في التفسير ، كفرات بن إبراهيم الكوفي وأبي حمزة
الثمالي والعياشي وعلي بن إبراهيم القمي والنعماني ( 2 ) .
وطريقة هؤلاء في تفاسيرهم تشبه طريقة الطبقة الرابعة من مفسري أهل السنة ، فقد رووا
الأحاديث المأثورة عن الطبقة الأولى وأدرجوها مسندة في مؤلفاتهم ولم يبدوا آراءهم
الخاصة في الموضوع .
ومن الواضح أن الزمن الذي كان يمكن الأخذ فيه عن الأئمة عليهم السلام كان طويلا بلغ
نحوا من ثلاثمائة سنة ، فكان من الطبيعي أن لا يضبط الترتيب الزمني لهاتين الطبقتين
بصورة دقيقة ، بل كانتا متداخلتين من الصعوبة بمكان التفريق الدقيق بينهما .
وقد قل عند أوائل مفسري الشيعة نقل أحاديث التفسير بشكل روايات مرسلة في تفاسيرهم ،
وكنموذج لنقل الأحاديث مروية بدون أسانيد نلفت الأنظار إلى تفسير العياشي الذي حذف
بعض تلامذته أسانيده اختصارا ، فاشتهرت نسخة التلميذ المختصرة وحلت محل نسخة الأصل .

( الطبقة الثالثة ) أصحاب العلوم المختلفة ، كالشريف الرضي في تفسيره الأدبي والشيخ
الطوسي في تفسيره الكلامي المسمى بالتبيان والمولى صدر الدين الشيرازي في تفسيره
الفلسفي والميبدي
الكونابادي في تفسيره الصوفي والشيخ عبد علي الحويزي والسيد هاشم البحراني والفيض
الكاشاني في تفاسيرهم نور الثقلين والبرهان والصافي ( 1 ) .
وهناك جماعة جمعوا في تفسيرهم بين العلوم المختلفة ، ومنهم الشيخ الطبرسي في تفسيره
مجمع البيان الذي يبحث فيه عن اللغة والنحو والقراءة والكلام والحديث وغيرها ( 2 ) .
كيف يتقبل القرآن التفسير ؟
الإجابة على هذا السؤال تتوضح من الفصول الماضية ، فان القرآن الكريم – كما ذكرنا كتاب
دائم للجميع ، يخاطب الكل ويرشدهم إلى مقاصده ، وقد تحدى في كثير من آياته على
الاتيان بمثله واحتج بذلك على الناس ، ووصف نفسه بأنه النور والضياء والتبيان لكل
شئ ، فلا يكون مثل هذا الكتاب محتاجا إلى شئ آخر .
يقول محتجا على أنه ليس من كلام البشر : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير
الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 1 ) .
ليس فيه أي اختلاف ، ولو وجد فيه اختلاف بالنظرة البدائية يرتفع بالتدبر في القرآن
نفسه .
ومثل هذا الكتاب لو احتاج في بيان مقاصده إلى شئ آخر لم تتم به الحجة ، لأنه لو فرض
أن أحد الكفار وجد اختلافا في شئ من القرآن لا يرتفع من طريق الدلالة اللفظية
للآيات لم يقنع برفعه من طرق أخرى ، كأن يقول النبي مثلا يرتفع بكذا وكذا ، ذلك لأن
هذا الكافر لا يعتقد بصدق النبي ونبوته وعصمته ، فلم يتنازل لقوله ودعاواه .
وبعبارة أخرى : لا يكفي أن يكون النبي رافعا للاختلافات القرآنية بدون شاهد لفظي من
نفس القرآن لمن
لا يعتقد بنبوته وعصمته ، والآية الكريمة ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير
الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) توجه الخطاب إلى الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى
الله عليه وآله وسلم ، فإنهم لم يسلموا لأقواله لو لم يكن هناك شاهد قرآني صريح .
ومن جهة أخرى نرى أن القرآن نفسه يثبت حجية أقوال النبي وتفسيره ، كما أن النبي يثبت
حجية أقوال أهل بيته وتفسيرهم .
وهاتان المقدمتان توصلنا إلى أن في القرآن آيات تفسر الآيات الأخرى ، ومكانة الرسول
وأهل بيته من القرآن كمرشد معصوم لا يخطأ في تعاليمه وارشاداته ، فما يفسرونه يطابق
التفسير الذي يستنتج من ضم الآيات بعضها إلى بعض ولا يخالفها في شئ .
نتيجة البحث :
النتيجة التي توصلنا إليها في الفصل الماضي هي أن التفسير الواقعي للقرآن هو
التفسير الذي ينبع من التدبر في الآيات الكريمة وضم بعضها إلى بعض .
وبعبارة أوضح : يمكن أن نتبع في التفسير احدى طرق ثلاث :
1 تفسير الآية لوحدها بالمقدمات العلمية وغير العلمية التي نملكها .
2 تفسير الآية بمعونة الأحاديث المأثورة عن المعصومين .
2 تفسير الآية بالتدبر والدقة فيها وفي غيرها والاستفادة من الأحاديث .
الطريقة الثالثة هي المنهج الذي توصلنا اليه في الفصل الماضي وهو المنهج الذي حث
عليه النبي وأهل بيته عليهم السلام فيما أثر عنهم . قال صلى الله عليه وآله وسلم
وانما نزل ليصدق بعضه بعضا ، وقال علي عليه السلام ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على
بعض .
ومما ذكرنا يتوضح أن هذه الطريقة غير الطريقة المنهية في الحديث النبوي المشهور من
فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ، لأن الطريقة المذكورة تفسير للقرآن
بالقرآن لا بالرأي .
والطريقة الأولى من الطرق الثلاث لا يمكن الاعتماد عليها وهي في الحقيقة من قبيل
التفسير بالرأي الذي لا يجوز ، الا ما وافق منه مع الطريقة الثالثة .
وأما الطريقة الثانية فهي التي كانت يتبعها علماء التفسير في الصدر الأول وكان
العمل عليها عدة قرون ، وهي الطريقة المعمولة حتى الآن عند الأخباريين من الشيعة
والسنة .
وهذه الطريقة محدودة لا تفي بالحاجات غير المحدودة ، لأن ستة آلاف وعدة مئات من
الآيات التي نقرأها في القرآن الكريم
تقابلها مئات الألوف من الأسئلة العلمية وغير العلمية ، فمن أين نجد الإجابة على هذه
الأسئلة وكيف التخلص منها ؟ .
هل نرجع فيها إلى الروايات والأحاديث ؟ .
ان ما يمكن تسميته بالحديث النبوي في التفسير ، المروي من طريق السنة لا يزيد على
مائتين وخمسين حديثا ، مع العلم أن كثيرا من هذه الأحاديث ضعيفة الأسانيد وبعضها
مكررة .
نعم الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام من طريق الشيعة تبلغ عدة آلاف حديث
وفيها مقدار كثير من الأحاديث التي يمكن الاعتماد عليها ، الا انها مع هذا لا تكفي
للإجابة على الأسئلة غير المحدودة التي نواجهها تجاه الآيات القرآنية الكريمة .
هذا ، بالإضافة إلى أن هناك آيات لم يرد فيها حديث أصلا لامن طريق السنة ولا من طريق
الشيعة ، فكيف نصنع بها ؟ .
ففي هذه المشاكل اما أن نرجع إلى الآيات المناسبة لما نروم تفسيره ، وهذا ما تمنع
عنه هذه الطريقة الحديثية . واما أن نمتنع عن البحث في الآية بتاتا ونغض الطرف عن
حاجاتنا العلمية التي تدعونا إلى البحث .
إذا ماذا نصنع مع ما تدل عليه الآيات الكريمة التالية الحاثة على البحث والتدبر
والتبيين ؟ .
قال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) ( 1 ) .
وقال : ( أفلا يتدبرون القرآن ) ( 2 ) .
وقال : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) ( 3 ) .
وقال : ( أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) ( 4 ) .
وقد ورد في أحاديث صحيحة عن النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام أنهم حثوا على
الرجوع إلى القرآن الكريم عند حدوث الفتن وظهور المشاكل ( 5 ) ، فماذا نصنع بهذه
الأحاديث ؟ .
وقد ثبت أيضا عن طريق العامة في أحاديث نبوية وعن طريق الخاصة في روايات متواترة عن
النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام ضرورة عرض الأخبار على كتاب الله تعالى ( 6 ) .
وبموجبها يجب عرضها على القرآن الكريم فما وافقه يؤخذ به وما خالفه يطرح .
من البديهي أن مضمون هذه الأحاديث يصح لو كانت الآيات
تدل على مرادها ويكون لمدلولها – وهو التفسير – اعتبار ، فلو رجعنا لمعرفة محصل
مدلول الآية – وهو التفسير – إلى الحديث لم يبق موضع لعرض الحديث على القرآن .
ان هذه الأحاديث التي أشرنا إليها أحسن شاهد على أن الآيات القرآنية كبقية ما يتكلم
به المتكلمون لها مداليلها ، وهي في نفسها حجة مع غض النظر عن الأحاديث الواردة في
التفسير .
قد تبين من البحوث السابقة أن واجب المفسر هو ملاحظة الأحاديث الواردة في التفسير
عن النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام والغور فيها ليعرف طريقتهم ، ثم يفسر القرآن
الكريم بالمنهج الذي يستفاد من الكتاب والسنة ويأخذ بالأحاديث التي توافق الكتاب
ويطرح ما عداها .
نموذج من تفسير القرآن بالقرآن :
قال الله تعالى : ( الله خالق كل شئ ) ( 1 ) .
تكرر مضمون هذه الآية الكريمة في أربعة مواضع من القرآن ، وبحسب هذا المضمون جميع
المخلوقات الموجودة في الكون هي من خلق الله تعالى وصنعه .
ويجب أن لا تغرب عنا هذه النكتة أن في مئات من الآيات صدق موضوع العلية والمعلولية ،
ونسب فيها فعل كل فاعل
اليه ، واعتبر الأفعال الاختيارية من أفعال الانسان نفسه وخصت الآثار بالمؤثرات
كالاحراق بالنار والنبات إلى الأرض والمطر إلى السماء وغيرها .
والنتيجة أن صانع كل شئ وفاعله ينسب فعله وصنعه اليه إلا أن مفيض الوجود والموجد
الحقيقي للفعل هو الله تعالى ليس غيره .
ومن هنا نعرف التعميم الذي نجده في قوله تعالى ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) ( 1 ) ، فلو
انضمت هذه الآية السابقة لرأينا الجمال والخلقة قرينين ، فكلما وجد في عالم
المخلوقات من خلق كان موصوفا بالجمال .
ويجب أيضا أن لا تغرب عنا هذه النكتة أن الآيات القرآنية تعترف بالخير مقابل الشر
والنفع مقابل الضرر والحسن مقابل السئ والجمال مقابل القبح ، وتعتبر كثيرا من
الأفعال والأقوال والأفكار حسنة أو سيئة ، ولكن هذه المساوئ والقبائح والشرور تبدو
واضحة إذا ما قيست بما يقابلها ، فوجودها نسبي وليس بنفسي .
مثلا الحية والعقرب مؤذيان ، لكن بالنسبة إلى الانسان والحيوانات التي تتألم من
سمهما لا بالنسبة إلى الحجر والتراب . والشئ المر والرائحة الكريهة منفوران ، لكن
بالنسبة إلى
ذائقة الانسان وشامته لا بالنسبة إلى كل الحيوانات وبعض الأعمال والأقوال تبدو شاذة ،
لكن بالنسبة إلى البيئة التي يعيش فيها الانسان لا بالنسبة إلى كل البيئات .
نعم لو لم نلاحظ النسبة والقياس وننظر إلى الأشياء بنظرة مطلقة نراها في منتهى
الجمال ونرى الوجود أخاذا يلفت النظر ولا يمكن وصف حسنه وجماله ، لأن الوصف نفسه من
الخلق الجميل الذي يحتاج بدوره إلى وصف .
والآية المذكورة أعلاه تريد صرف الأنظار عن وجوه الجمال والقبح النسبية والقياسية
والاعتبارية لتوجهها إلى الجمال المطلق وتجهيز الأفهام لادراك الكلي والعموم الذي
هو الأهم .
إذا ما أدركنا النقاط المشروحة في مئات من الآيات القرآنية التي تصف عالم
الوجود بكل جزء جزء منه وبمجموعة مجموعة منه وبمختلف أنظمته الكلية والجزئية – لنرى أنه
أحسن دليل على التوحيد وأعظم مرشد إلى معرفة الله تعالى وكمال قدرته .

شاهد أيضاً

منتزه الجوفضا الحلقة الثانية فارسي عربي

إقرأ المزيد .. الإمام الخامنئي: الإعلام أكثر تأثيراً على العدو من الصواريخ والمسيّرات قائد الثورة ...