الرئيسية / بحوث اسلامية / الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الصفحة (214)

وأنا بغيرها عندك جدير ، وأنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى .
أمّا ما ذكرت أنّه رقي إليك عنّي ، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون والمشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون ؛ ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ، ومن الأعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظلمة .
ألستَ القاتل حِجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم , ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة ؛ جرأة على الله واستخفافاً بعهده ؟!
أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونه ، فقتلتَه بعدما أمّنته وأعطيته من العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال ؟!

أولستَ بمدّعي زياد ابن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنّه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الولد للفراش وللعاهر الحجر . فتركت سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعمّداً , وتبعت هواك بغير هدىً من الله ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنّك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك ؟!

أولستَ قاتل الحضرمي الذي كتب فيه زياد إليك أنّه على دين علي (عليه السّلام) ، فكتبت إليه : أن اقتل كلّ مَن كان على دين عليٍّ . فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودينُ عليٍّ هو دين ابن عمّه (صلّى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين ؛ رحلة الشتاء والصيف ؟!

الصفحة (215)

وقلتَ فيما قلتَ : انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد ، واتّق شقّ عصا هذه الاُمّة وأن تردهم إلى فتنة . وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها ، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) أفضل من أن اُجاهدك ؛ فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله ، وإن تركته فإنّي أستغفر الله لديني وأسأله توفيقه لإرشاد أمري .

وقلتَ فيما قلت : إنّي إن أنكرتك تنكرني ، وإن أكدك تكدني . فكدني ما بدا لك ، فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك , وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ؛ لأنّك قد ركبتَ جهلك , وتحرّصت على نقض عهدك . ولَعمري ما وفيتَ بشرط , ولقد نقضتَ عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان , والعهود والمواثيق , فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا أو قُتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا ؛ مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا ، أو ماتوا قبل أن يدركوا .

فأبشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب(1) ، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ، وليس الله بناسِ لأخذك بالظنّة وقتلك أولياءه على التّهم ، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك للناس ببيعة ابنك الغلام الحدث ، يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ قد خسرت نفسك ، وتبّرت دينك ، وغششت رعيّتك ، وسمعت مقالة السّفيه الجاهل ، وأخَفْتَ الورع التّقي ، والسّلام )) .

والمتمعّن في هذا الكتاب لا بدّ وأن يلاحظ رغبة الإمام الحسين (عليه السّلام) في فضح معاوية وردّ سهامه إلى صدره . فمعاوية يتّهمه بشقّ عصا اُمّة الإسلام ،

ـــــــــــــــ
(1) ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ( سورة آل عمران / 21 ) .

الصفحة (216)

فيجيبه : (( إنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها ))(1) . ويهدّده بقوله : اتّق الله واذكر الميثاق ، فيجيبه (عليه السّلام) : (( لقد نقضت عهدك بقتل ذاكري فضلنا بعد الصلح والأيمان , والعهود والمواثيق )) . ويلوّح له قائلاً : ونفسك فاذكر وبعهد الله أوفِ . فيجيبه (( ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) أفضل من أن اُجاهدك ، فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله ))(2) .

وحيال تهديده له ، يجيبه (عليه السّلام) : (( كدني ما بدا لك ))(3) . وفي إجابته هذه تحدٍّ نهائي وواضح ، أتبعها بعبارة اُخرى أشدّ جرأة : (( فابشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب )) ، فحدّد (عليه السّلام) لخصمه نهاية مظالمه وكيده لاُمّة الإسلام ، كما ستكون عليه في مقبل الأيّام . وكي نفهم معاوية من خلال ردّة فعله حيال كتاب الحسين فإنّنا نراه وقد ركن إلى السكوت بعد ورود هذا الكتاب عليه ، ولم يسجّل التاريخ حادثة تنمّ عن غضبه مما جاء فيه . وفي هذا إثبات أكيد على خبثه ودهائه ، فلو جاء هذا الكتاب ليزيد بدلاً منه لَما توانى عن شنّ حرب جنونيّة على الحسين(4) .

وفي عبارة الحسين (عليه السّلام) (( فكدني ما بدا لك )) إحراج لمعاوية ، كان يعني بها (عليه السّلام) وضع خصمه حيال اتّهاماته له ، فلم يقُل له كدني بما تريد ، بل بما بدا لك منّي ، أي أنّ ما بدا منه (عليه السّلام) حتّى مجيء كتاب معاوية له ، لا يعدو كونه خيالات

ـــــــــــــــ
(1) ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ) ( سورة البقرة / 191 ) .

(2) يقول أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) : (( وإنّما عاب الله ذلك عليهم ؛ لأنّهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك ؛ رغبةً فيما كانوا ينالون منهم ، ورهبةً ممّا يحذرون )) .

(3) يعيب الله تعالى على المفرطين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً وطمعاً حيث يقول عزّته : ( فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي ) .

(4) ثمّة تحليل وافٍ ووصفٍ واسع لشخصيّة يزيد في كتاب البلاذري ( أنساب الأشراف ) 4 القسم الثاني / أ .

الصفحة (217)

وأوهام أو رغبة في استباق الاُمور وتسجيل مواقف سلفيّة عليه ؛ بقصد استغلالها ضدّه فيما بعد ، فلو قام يكيد له بما بدا له منه فلن يجد ممسكاً واحداً يكيد له به .

وهذه ألمعيّة نادرة من غذيّ الفصاحة الطالبيّة ، تفوّقت بصدقها وعفويّتها بمراحل خبث معاوية ودهائه ، استطاع (عليه السّلام) بها أن يردّ له الكرة التي قذفه بها ، ويكيل له أضعاف ما كال به إليه ، وبالتالي إسكاته إلى حين .

وثمّة حقيقة واضحة لمسها المسلمون في كلّ مرّة حاول معاوية فيها الكيد للحسين واتّهامه بما لا يفعله ، وهي أنّ الحسين (عليه السّلام) رغم كلّ ما اُوذي به من معاوية وما ناله من ثعلبيّته لم يستبِح لنفسه الخروج عليه ، وفاء صادقاً بعهده ، على الرغم من جواز خروجه بعد خروج معاوية على كلّ العهود والمواثيق بالشكل الذي اتّهمه فيه من خلال كتابه ( الردّ ) .

ولم تَكُ خلّة الوفاء بالعهد هي خلّة الحسين الوحيدة ، بل كانت البارزة في حيّز صراعه النفسي مع معاوية ، وليس أدلّ من تعاظم شأن هذه الخلّة المحمودة في نفس الحسين من أنّه وقد اتّهم معاوية بقتله لمَن كان على دين أبيه علي (عليه السّلام) ، والتمثيل بهم لا لشيء إلاّ لذكرهم فضل بني هاشم وتعظيمهم حقّهم ، فإنّه لم يتحرّك ليزاحمه مجلسه الذي أجلسه فيه دين علي الذي هو دين ابن عمّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، والذي لولاه ـ كما ذكر له في كتابه ـ لكان شرفه وشرف آبائه ، تجشّم الرحلتين .

ولو نادى الحسين بخلع معاوية آنذاك لتنادى له الكثيرون بنفس مناداته ، إذ كان معاوية معروفاً بنقضه للمواثيق واستخفافه بعهد الله ، وقتله للحسن وحِجر بن عدي والحضرمي وللكثيرين ممَّن يفوقون الحصر . ولكنّ الإمام الذي كانت تعدّه العناية الإلهيّة للشهادة العظمى اكتفى بأن جاهر خصمه بما ينفي عنه كلّ صفة إسلاميّة أو قوميّة بقوله : (( كأنّك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك )) .

وتكرّ الأيّام ، والحسين ومعاوية على سكوتهما إلاّ من بضعة كتب كانت تتطاير

الصفحة (218)

بينهما بين الفينة والاُخرى ، وقد حاول معاوية شراء أو ضمانة سكوت الحسين عن يزيد فلم يفلح ، وحاول استمالته بجسّ نبضه حينما أخذ بتولية ابنه يزيد ، ولكنّ الحسين الذي كان ينتظر موت الأب ليخرج على الابن أجابه في أحد كتبه إليه(1) : (( وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله وسياسته لاُمّة محمّد ، تريد أن توهم الناس في يزيد , كأنّك تصف محجوباً أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص . وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهن ، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي ، تجده باصراً ، ودع عنك ما تحاول ؛ فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه . فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم ، حتّى ملأت الأسقية ، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة )) .

ولمّا يئس معاوية من حمل الحسين على البيعة لابنه يزيد ، عمد إلى حرمان بني هاشم من أعطياتهم ؛ حتّى يجبره على البيعة .

ولكنّ الكِبَر والمرض فتّ في عضده ، ولم يفتّ في طموحاته ، ولم يخفّف من غلواء خبثه . فها هو على فراش النزع الأخير يلجأ إلى أحابيله ، ويعمد إلى تمثيليّاته فيأمر أُجَراءه كي يحشوا عينيه إثمداً ، ويوسعوا رأسه دهناً ، ويوسعوا له كي يجلس ، ثمّ يأمرهم بإسناده والإيذان للناس ليسلّموا عليه قياماً دون السماح لهم بالجلوس ..

وهكذا رآه الناس مكتحلاً مدهّناً ، فعجبوا من الشائعات التي تناقلت خبر مرضه ، وما كادوا يخرجون من لدنه حتّى أنشد يقول :

ـــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 195 ـ 196 .

الصفحة (219)

وتـجلّدي لـلشامتينَ iiأريـهُمُ     أنّي لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ
وإذا الـمنيّةُ أنشبتْ iiأظفارَها      ألـفيتَ كـلَّ تـميمةٍ لا iiتنفعُ

وأخيراً أرسل إلى مروان عامله على المدينة كتاباً قرأه على الملأ وقال فيه : إنّ أمير المؤمنين قد كبر سنّه ودقّ عظمه ، وقد خاف أن يأتيه أمر الله تعالى فيدع الناس كالغنم لا راعي لها ، وقد أحبّ أن يعلم علماً ويقيم إماماً .

ولمّا وافقه الناس كتب بذلك إلى معاوية ، فأجابه معاوية : أن سمّ يزيد . فسمّاه لهم . فقام عبد الرحمن بن أبي بكر وقال له : كذبت والله يا مروان وكذب معاوية معك ، لا يكون ذلك ، لا تجعلوها هرقلية وتحدِثوا علينا سنّة الروم كلّما مات هرقل قام مكانه هرقل(1) .

وأنكر الحسين أيضاً وتبعه عبد الله بن الزبير ، ولكنّ معاوية لم يهتمّ وكتب إلى عمّاله أن يمهّدوا البيعة ليزيد في الأمصار ، ويرسلوا الوفود إليه في الشام لإعلان بيعتهم .

ولكنّ المدينة لم تبايع كما بايعت الشام والعراق ، فقَدِم معاوية إلى المدينة ، حيث استقبله أهلها وعلى رأسهم الثلاثة الذين أنكروا على يزيد البيعة ، فسبّهم . ولمّا أقام بالمدينة وكان وقت الحجّ خرج حاجّاً ، فقَدِموا إليه ثانيةً وقد ظنّوا أنّه تغيّر .. فأكرم وفادتهم وطلب لكلّ منهم دابّة ، ثمّ طلبهم فدخلوا عليه حيث دعاهم إلى بيعة يزيد ، فقال ابن الزبير : اختر منّا خصلة من ثلاث .

ــــــــــــــ
(1) راجع النوادر ـ لأبي علي القالي / 175ـ 176 .

الصفحة (220)

قال معاوية : إن في ثلاث لمخرجاً . قال : إمّا أن تفعل كما فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . قال : ماذا فعل ؟ قال : لم يستخلف أحداً . قال : وماذا ؟ قال : أو تفعل كما فعل أبو بكر ؛ فإنّه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه . أو افعل كما فعل عمر بن الخطاب ؛ إذ جعلها شورى في ستّة من قريش ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه .

قال : ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف ، هل عندك غير هذا ؟ قال : لا . قال : ألا تسمعون ، إنّي قد عوّدتكم على نفسي عادة وإنّي أكره أن أمنعكموها قبل أن أبيّن لكم ، إن كنت لا أزال أتكلّم بالكلام فتعترضون عليّ فيه وتردّون ، وإنّي قائم فقائل مقالة ، فإيّاكم أن تعترضوا حتّى أُتمّها ، فإن صدقتُ فعليّ صدقي ، وإن كذبتُ فعليّ كذبي ، والله لا ينطق أحد منكم في مقالتي إلاّ ضربت عنقه .

الصفحة (221)

ثمّ وكلّ بكلّ رجل من القوم رجلين يحفظانه لئلاّ يتكلّم ، وقام خطيباً فقال : إنّ عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر قد بايَعوا ، فبايِعوا .

فانجفل الناس عليه يبايعونه ، حتّى إذا اطمأنّ إلى أخذ البيعة ركب رواحله وقفل عائداً إلى الشام . فأقبل الناس على الحسين وصاحبيه يلومونهم دهشين ! فقالوا لهم : والله ما بايعنا ، ولكن فعل بنا وفعل . فقالوا : وما منعكم أن تردّوا على الرجل برفض البيعة بعد أن زعمتم لنا بأنّكم لا تبايعون ؟ قالوا : كادنا وخفنا القتل .

وهكذا تمّت البيعة ليزيد إغفالاً وقسراً وخداعاً . ولم يطل المرض بمعاوية بعد هذه الحادثة إلاّ قليلاً ، فلمّا اشتدّ عليه وقرب به من حافة النزع الأخير ألقى لمَن حوله بآخر تلفيقاته ، التي لكثرة ما ردّدها صار يصدّقها هو نفسه كما لو أنّها وقعت حقّاً ، فقال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كساني قميصاً فرفعته ، وقلّم أظفاري يوماً فأخذت قلامته ، فجعلتها في قارورة ، فإذا متّ فألبسوني ذلك القميص ، وقطّعوا تلك القلامة ، واسحقوها وذرُّوها في عينيَّ وفي فيَّ ، فعسى الله يرحمني ببركتها ، ثمّ تمثّل ببيتين من الشعر(1) :

إذا متُّ مات الجودُ وانقطع الندى      من الناسِ إلاّ من قليلٍ مصرّدِ

ـــــــــــــــ
(1) من قصيدة للأشهب بن رملة .

الصفحة (222)

وردّتْ أكفّ السائلين وأمسكوا       من الدِّين والدنيا بخُلفٍ مُجدّدِ

ولمّا اعترضت إحدى بناته أكمل متمثّلاً :

وإذا المنيّةُ أنشبت أظفارَها      ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ

ثمّ راح بإغماءة أفاق منها للحظات ، فتفوّه بهذه العبارة : اتّقوا الله عزّ وجلّ ، فإنّ الله سبحانه يقي مَن اتّقاه ، ولا واقي لمَن لا يتّقي الله . وما لبث إلاّ قليلاً حتّى قضى . وكان ذلك في الشهر السابع من سنة 60 للهجرة .

وبموته انقضت مرحلة مشبعة بالدسائس والمؤامرات ، لوّنها بدهائه وثعلبيّته ، وأنهاها حتّى الرمق الأخير بالكذب على الله ورسوله واُمّة الإسلام ، واستعدّت الولايات الإسلاميّة لاستقبال عهد جديد ، كانت بوادره تلوح في سماء الاُمّة ، فتدفع بالغصص إلى أشدّ الحلوق تفاؤلاً ، فيزيد ليس إلاّ معاوية ناقصاً بعض خصاله زائداً بعض خصال أبشع(1) .

واستعدّ الحسين (عليه السّلام) فقد دقّت الساعة وآن الأوان .

ــــــــــــــــ
(1) عُلم عن يزيد بأنّه كان مُرسل العنان في بني كلب أخواله , مطيّته الشباب والفراغ والجده , وكان سلوكه متجاوزاً بمراحل ما جاء في الأخبار . وكانت له هوايات شاذّة عجيبة ؛ كاللعب بالكلاب , والتصيّد بالفهود , والتلهّي بالقرود .

ذكر ذلك كلّ من المسعودي في مروج الذهب ، وأحمد بن يوسف القرماني في أخبار الدول ، والدميري في الكلام على الفهد ، وابن الطقطقي في الفخري .

الصفحة (223)

ب . في عهد يزيد

لئنْ جرتْ لفظةُ التوحيدِ في iiفمِهِ      فـسيفهُ بسوى التوحيدِ ما iiفتكا
قد أصبح الدينُ منه يشتكي سقماً     ومـا إلى أحدٍ غير الحسينِ شكا

هذا ما وصف به أحد الشعراء عهد يزيد ، الذي استقبله المسلمون بقلوبٍ واجفة وبأعصابٍ مشدودة . فلا موت معاوية أشعرهم بالحزن ، ولا تولّي يزيد أشعرهم بالفرح ، وصار حالهم كحال مَن عناهم أحد الشعراء بقوله :

الـحمدُ لله لا صبرٌ ولا iiجلبٌ      ولا عزاءٌ إذا أهلُ البلا رقدوا
خليفةٌ مات لم يحزنْ له iiأحدْ      وآخـرٌ قام لم يفرحْ بهِ iiأحدُ(1)

ـــــــــــــــ

(1) هذه الأبيات للشاعر دعبل بن علي الخزاعي , وقد قالها لمّا جاءه نعي المعتصم وقيام الواثق . وقد أثبتناها هنا للاستدلال والمطابقة .

شاهد أيضاً

رسائل ومقالات – الشيخ جعفر السبحاني

تقسيم صفاته إلى ذاتي وفعلي: إن صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتي قائم بذاته، وفعلي يعد ...