الرئيسية / الاسلام والحياة / الأسرة في الإسلام – أثر الغذاء في شخصية الطفل

الأسرة في الإسلام – أثر الغذاء في شخصية الطفل

للغذاء أثر كبير في تكوين شخصية الطفل، فإذا ما كانت نطفة الجنين منعقدة من مال حرام، أو كان غذاء الأم من مال حرام وقت الحمل، كانت بذرة الشقاء تنمو بنماء ذاك الجنين.

وهكذا فإن الطفل سيكون شقياً إذا تغذى من مال الحرام.

 مقدمات ولادة الزهراء (ع)

من جملة مقدمات ولادة فاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ إن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله (ص) وزوجه خديجة الكبرى (ع) أن يبتعدا عن الناس، وبناءً على هذا ذهب رسول الله (ص) إلى غار حراء ليتعبد هناك أربعين يوماً وليلة؛ بينما عزلت خديجة (ع) نفسها عن الناس طيلة هذه المدة ملازمة بيتها، بعدها جاء الأمر لرسول الله (ص) بالرجوع إلى البيت؛ وفي الليلة الأربعين جاءه جبرئيل (ع) بالبشرى وقال له: السلام يقرؤك السلام ويبعث لك بهذه التفاحة من الجنة، أخذ الرسول (ص) التفاحة وضغط بها على صدره، فقسمها نصفين، وحين القسمة، خرج من التفاحة نور كنور الشمس، حينها قال جبرئيل (ع): يا رسول الله (ص) هذا نور السيدة التي اسمها في السماء “منصورة” وفي الأرض فاطمة (ع)(1).

هذا الحديث يمكن اعتباره مثلاً في آثار التغذية على شخصية الأبناء.

 آثار التغذية من منظار قرآني

ورد في القرآن الكريم قوله تعالى ـ بهذا الصدد:

(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) سورة النساء، الآية: 10.

من البديهي، أن الذين ينظرون بعين الله يرون كيف تأكل النار من أكل أموال اليتامى ظلماً.

ولا يخفى على أحد، أن النطفة التي أنعقدت بنار الظلم ستكون على نحو ما انعقدت به من الظلم.

ومن الطبيعي أن الأبناء الذين انعقدت نطفهم من مال الربا، أو السرقة وأموال الحرام عموماً ستحملهم آثار الحرام على ارتكاب الحرام.

 أثر الغذاء في نمو الطفل المادي

هكذا، فإن الغذاء المناسب والمقوي يترك آثاراً إيجابية على لطافة جسم الطفل.

ولنا روايات بهذا الصدد تتحدث عن المرأة حينما تتغذى بالأغذية المقوية كالتفاح، والسفرجل، والتمر، سيكون لهذه الأغذية الأثر الإيجابي في جمال ولطافة وقوة الطفل البدنية.

روي عن الإمام الصادق (ع) “أنه نظر إلى غلام جميل، فقال: ينبغي أن يكون أبو هذا أكل سفرجلاً ليلة الجماع”(2).

وينظر علماء اليوم أيضاً إلى أن التغذية الصحيحة على وقت الحمل، والرضاعة لها أثرها في جمال الوجه وتوازن الجسم واللون ولطافة الشعر والعين للطفل. وهكذا فإن الغذاء اللطيف، المعطر له تأثير إيجابي مناسب على ظاهر الطفل.

وعلى العكس من ذلك فإن الطعام الحرام وطعام الشبهات له أثار سلبية على شخصية الطفل وتركيبه.

 تأثير آداب الطعام

علاوة على ما أسلفنا، فإن لآداب الطعام أيضاً آثاراً على الحالة النفسية للطفل، “فالتسمية” في بداية الطعام، وقول “الحمد لله رب العالمين” في النهاية ومراعاة الآداب الأخرى للطعام تدخل في دائرة بناء الشخصية.

 حكاية عن العلامة المجلسي (ره)

هذه الحكاية نقلت عن العلامة (محمد تقي المجلسي) عليه الرحمة مطابقة للآيات والروايات والتجارب؛ فقد كان يقيم صلاته في الغالب في المسجد الجامع بإصفهان، وفي إحدى الليالي صحب ابنه إلى المسجد، ولكن الابن امتنع عن دخول حرم المسجد وانتخب الجلوس في ساحته.

وبعد ذهاب أبيه إلى حرم المسجد، ثقب الابن بمخيط كان في يده جعبة تحوي ماءً كانوا قد جاؤوا به إلى المسجد، وبعد الصلاة وصل الخبر إلى أبيه العلامة المجلسي، فتأثر كثيراً واغتم من فعل ابنه، وحين رجع إلى البيت قال لزوجته: لقد راعيت كثيراً في تأديبه وتغذيته وسعيت كثيراً قبل انعقاد نطفته وبعدها وفي سني صباه ولكن عمله اليوم يدل على تقصير أحدنا.

فقالت أم الغلام: عندما كنت حاملاً ذهبت إلى منزل جارنا، فجلب نظري شجرة رمان كانت لهم في ساحة المنزل، وبعيداً عن الأنظار ثقبت إحدى الرمانات بمخيط كان بيدي لأتذوق طعمها.

 نتيجة

وعلى هذه الأساس عرفنا كيف أنّ مخيطاً غرزته الأم في رمانة بشجرة الجار أثر في تكوين شخصية الطفل وبعثه على أن يسلك سلوكاً غير طبيعي وتبين لنا أن تناول أي زاد من مال حرام في أي مرحلة من مراحل الحياة يؤثر في مزاج الولد وسلوكه تأثيراً سيئاً، ويدفعه للولوغ في المحرمات وممارسة المنكرات.

 مشاركة الشيطان في تربية الأبناء

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد:

(وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً” سورة الإسراء، الآية: 64.

لقد جاء في الروايات أن أحد مصاديق “مشاركة الشيطان” في انعقاد نطفة الأبناء يأتي من الطعام الحرام؛ فإذا كانت النطفة في طريقها إلى الانعقاد، وكان حينها الأب يفكر في عمل حرام لم تثمر ولداً مستقيماً قادراً على الصلاح وخدمة الناس، لأن للحرام تأثيراً ملموساً في اضطراب الإنسان الذي في تركيبه شيء من الحرام.

 أثر البسملة عند تناول الطعام

فعليكم أعزائي أن تراعوا “حلية” و”حرمة” الطعام، ولا تتناولوا الغذاء “المشبوه” إلا أن يكون مقروناً “بالدعاء” و”اسم الله تعالى” و”التوسل” بالله سبحانه وتعالى مخلصين في عقيدتكم.

وإذا ما كان المسلمون يحتوون في أبدانهم قلوباً لم تصدأ بعد، متعبدين طبق ضوابط الإسلام الشريف تمكنوا من أعمال مثل تلك التي حدثت في حرب “القادسية” لقائد جيش المسلمين حين قال للمجوس “أن لنا قرآناً يحفظنا”.

فأجابه قائد المجوس ـ وكان بيده قدح من “السم القاتل” إذا كنتم تدعون أن القرآن يحفظكم، فخذ قدح السم هذا وتناوله، فتناوله منه، وقال: “بسم الله الرحمن الرحيم”.

وشرب السمّ عن آخره فما أضره بإذن الله لصدق عقيدته في “بسم الله الرحمن الرحيم” وصفاء إيمانه بها.

في هذه المسألة حديث طويل ومفصل، ولكن الذي أخذناه بنظر الاعتبار هو ما لذكر “بسم الله الرحمن الرحيم” من أثر في إبطال شبهة الغذاء المشبوه.

كذلك، على الأمهات أن يذكرن البسملة عند تناول الطعام، ورضاعة أطفالهن، أو تغذيتهم.

 تذكير

أعزائي، احذروا تلوث أموالكم ورواتبكم التي أحلها الله لكم، وانجزوا أعمالكم على أحسن وجه.

وليس لكم أن تتقاعسوا أن تتهاونوا في الأعمال، لأن الأموال التي تصرف لكم هن من بيت مال المسلمين.

واحذروا من استعمال السيارات ووسائل النقل العامة لمصالحكم الخاصة فإنها أمانات جعلت مسؤوليتها في عهدتكم.

عليكم أن تضعوا دائماً في أذهانكم قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

“ادقوا أقلامكم وقاربوا بين سطوركم وإياكم وفضول الكلام فإن أموال المسلمين لا تتحمل الضرار”.

 الفطرة

إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تقبل الإسلام وكل ما يتعلق به من تشريعات؛ ومعنى ذلك أن “الإسلام” و”تفصيلات قوانينه” هي أشياء مقبولة في أصل الإنسان.

وما انحرف إنسان عن “الإسلام” و”تفاصيله” إلا بتقصير أبويه في الطفولة، وسوء أساتذته في الصبا، ورداءة المحيط الاجتماعي في الفتوة، ولهذا قال القرآن الكريم:

(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة الروم، الآية: 30.

وقد صرح الحديث الشريف بهذا المعنى فجاء فيه:

“كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه (أو يمجسانه)”(3).

إذن كل طفل يولد على أساس الفطرة الإسلامية، أي: أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى.

فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن أبويه قد قصرا في طهارة نطفته التي كان منها، بتناول الزاد الحرام أو ممارسة الفعل الحرام.

وربما غذياه الحرام أو سقياه بعد الولادة، أو رآهما يفعلانه عند بداية إدراكه، فتاثر بهما وأقتفى ما ليس له به علم من سوء فعلهما، فانحرف عن الحق إلى الباطل، فخسرا وخسر هو بما ورث منهما وما اكتسب عنهما من سوء الفعل وقبحه.

 علاقة سعادة وشقاوة الأبناء بالوالدين

جاء في القرآن الكريم أن الأبوين إذا قصرا في تربية الأبناء دفعا ضريبة تقصيرهما باهظة يوم القيامة.

فإذا خالفت بنت العفة أو تهاونت في أمور دينها، أو انحرف فتىً عن مسيرة الإسلام العريقة بتقصير الأبوين، فإن النار ستكون من نصيب ذلكما الأبوين حتى إذا كانا متدينين في الظاهر إضافة إلى أبنائهما المنحرفين بتقصيرهما وسوء تربيتهما.

ولقد ذكر المرحوم “العلامة المجلسي” في كتاب “حلية المتقين” قسماً من روايات تتطرق إلى هذه المواضيع نأمل مراجعتكم الكتاب الشريف والتزام ما فيه من وصايا.

وهنا نذكر لكم بعض مما جاء فيه.

وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطاً كبيراً بالأب والأم.

قال رسول الله (ص):

“الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه”(4).

ومن هذه الناحية نظر الإسلام نظماً تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا أقيمت هذه القوانين قلت هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء.

فإذا أحسن الأبوان التربية قل ظهور الولد المنحرف، وإذا ظهر كان هو المسؤول عن تقصيره لا أبويه.

 حكاية عن الشيخ فضل الله نوري “قد”

ينقل لنا أحد الأجلاء ملاقاته للشيخ فضل الله النوري قبل استشهاده بأيام في السجن، فيقول: ذكرت للشيخ فضل الله أن ابنك إنسان متهور يعمل على العكس منك أعمالاً تنافي الشرع، فقال: إني أعلم بهذا الموضوع منذ البداية، فقد ولد ابني هذا في النجف الأشرف ولم يكن لأمه حينئذ لبن ترضعه منه، فاضطررنا أن نعطيه حاضنة ترضعه، وبعد مدة طويلة انتبهت على أن هذه المرأة لم تكن عفيفة وتحمل في قلبها عداوة لأمير المؤمنين (ع). ومن ذلك الوقت عرفت أن كسب السعادة لهذا الابن مشكلة كبيرة(5). 

 تذكير

أحذركم من أن يكون طعامكم يخالطه الحرام، اسعوا دائماً للحفاظ على نطف أولادكم لترتبط بمحبة أهل البيت (ع).

وهذه المسؤولية أكثر ما تكون بأعناقكم أنتم الرجال.

وإذا ما انحرف أبناؤكم عن الإسلام وعن فطرة الله ـ لا سمح الله ـ بتأثير طعام الشبهة والحرام، فأنتم المسؤولون يوم القيامة وسيشتكي منكم ومن أعمالكم إلى المولى جل وعلا.

أيها الآباء والأمهات، كونوا فطنين، ولا تفكروا بشيء قبل انعقاد النطفة وحين انعقادها، لا تفكروا بشيء غير الله ومحبة أهل بيت العصمة والطهارة (ع).

 تأثير نفسية الوالدين

لقد جاء في الخبر امرأة بيضاء ولدت طفلاً أسود فبعث لونه على الشك في عفتها، وكبر الاختلاف في ذلك حتى وصل إلى الإمام علي (ع)، فبرأ ساحتها وبحث في المسألة وسأل: هل كان في الحجرة صورة؟

فقالت: نعم، صورة لغلام أسود كنا قد وضعناها على الحائط.

فقال أمير المؤمنين (ع): إن الوليد هو ابن حلال وما جرى كان السبب فيه أنتم، ففي حال انعقاد النطفة نظر الرجل إلى صورة الغلام الأسود فأثرت النظرة في النطفة فسودة الطفل.

 الوالدان سبب في نقص عضو من أعضاء الطفل

إن الله سبحانه وتعالى يصور الطفل في الأرحام بشكل جميل وكامل، ولكن الذنوب والخطايا التي يمارسها أبواه تصيبه بالفلج والنقص والشر الذي قد يحدث للطفل.

فينبغي للأم في فترة الحمل أن تحافظ على نفسيتها، وأن لا ترتكب الأخطاء والذنوب وأن تواظب على القيام بالفرائض الدينية بعيدة عن الإهمال والوساوس الشيطانية، وأن تجد في قراءة الأدعية والزيارات، وأن يكون لسانها لهجاً بذكر الله حتى تبقى نفسية الطفل سالمة على الفطرة لضمان سعادته، فالطفل الذي يولد ناقص العضو، أو يكون عرضة للأمراض النفسية إنما يعتريه ذلك بفعل أبويه.

فإذا كانت حاملاً في دار يخيم عليها الخلاف والانحراف عن دين الله ويسودها الهم والغم الجاهليان، فقد تلد طفلاً ناقصاً أو عليه أعراض الأمراض النفسية.

 آثار النية في تكوين شخصية الأبناء

إن النية الحسنة والتفكر في الخير في محضر الله سبحانه وتعالى يؤدي إلى استحصال الثواب والأجر.

أما التفكر في عمل الذنوب التي تبعث على العقوبة والعذاب الإنساني لا يحتسب عملاً يؤثم عليه الإنسان وهذا من ألطاف الله العظيمة، يعني أن الفرد مادام غير مرتكب للذنب، فلن يكون عرضة للعذاب الإلهي، ولكن التفكير في العمل السيئ يترك أثره الوضعي في قلب الإنسان.

لهذا، كان عيسى (ع) يوصي الحواريين ويقول: لقد كان أخي موسى (ع) يقول: “لا تزنوا”؛ وأنا اقول لكم أكثر من ذلك أن: لا تفكروا بالزنا بتاتاً، لأن التفكير فيه يسود القلب.

صحيح، أن التفكير في الذنب لا يحتسب ذنباً، ولكنه يقيناً يترك أثراً سيئاً على قلب الجنين ونفسه.

 شقاوة الحجاج

لقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي رجلاً يفتقد النجابة، ويمكن القول إنه اختطف الشقاوة من كل الأشقياء بل فاق عليهم.

وعلى حد اعترافه فقد قتل على أيام حكومته عشرين ألفاً من الشيعة لمحبتهم لأهل البيت (ع).

كان السجن على زمانه بلا سقف، أي تحت حرارة الشمس المحرقة، وقسوة الزمهرير وغذاء سجنائه قرصان من الخبز مخلوطان بالتراب، حتى يموتوا واحداً بعد آخر في أيام سجنهم الأولى.

لقد كان هذا الشقي الوضيع يقول: إن من دواعي سروري أن أرى شيعة أمير المؤمنين (ع) يسبحون في دمائهم.

ولذا كان يعطي الأوامر لجلاديه ويقول: إذا حضر طعامي، فاضربوا عنق أحد الشيعة فيكون تناول طعامه مقروناً بسباحة أحد الشيعة في دمه.

كل هذه الشقاوة هي حاصل مشاركة الشيطان في انعقاد نطفة هذا البليد.

بهذا الشكل جاءت روايات عن الإمام السجاد (ع)، والإمام الصادق (ع) أنهما قالا: إن شقاوة وقساوة الحجاج كانت بسبب مشاركة الشيطان في نطفته.

ولو طالعانا التاريخ، وبحثنا في فصوله لرأينا أن أم الحجاج كانت امرأة سوء.

 أثر النية في انعقاد النطفة

لقد نقلت رواية عن حياة “الشيخ الأنصاري” رحمه الله يقال فيها: إن أمه وفي فترة الحمل لم تتغافل يوماً عن استمرار طهارتها، وفي السنين الأول من حياة الشيخ الأنصاري لم ترضعه أمه لبناً إلا وهي على وضوء.

لاشك أن التفكر وعقد النية في الأعمال الصالحة والتفكير في ثوابها حال انعقاد النطفة له من الآثار الطيبة والمعنوية والنفسية على مستقبل الأبناء ما هو ثابت بالتجربة.

وعلى العكس من ذلك فإن تلوث الأفكار بالخطايا والذنوب له آثاره السيئة على الأبناء أيضاً.

في أيام الحمل والرضاعة على الأمهات الطيبات أن يكن طاهرات غير ناقضات للوضوء، وأن يكن وأزواجهن ممن يغضون أبصارهم عما حرم الله، لأنه بذور الشقاوة التي ستنمو ـ لا سمح الله ـ في نفوس الأبناء.

وإذا أردتم أبناء سالمين وطاهرين، فعليكم أن تكونوا لهجين بذكر الله ساعة انعقاد نطفكم.

غرائز الأطفال الرضيع

منذ اليوم الأول للولادة استعدادات الإنسان بالقوة وجهاً لوجه مع الأفعال، والبعض الآخر كذلك تضعه بالقوة على عدم التحرك؛ فعلى سبيل المثال منذ الساعات الأولى للولادة يصل استعداد الأكل إلى أوجه عند الطفل إلى درجة الفعل “أي ممارسة التغذي” ويبدأ بالرضاعة من لبن أمه حتى الشبع.

فالبحث عن الحقيقة موجود في الإنسان بالقوة، ويتحول إلى الفعل والممارسة العملية على مرور الزمان.

ويستفاد من الحديث “اطلب العلم من المهد إلى اللحد” أن بداية التربية وتعلم الطفل تكون ملازمة لبداية الولادة.

حكاية

في حكاية جرت وقت الحرب العالمية الثانية في أثناء احتلال الألمان لفرنسا، فقد كانت هناك امرأة تحتاج إلى جراحة في رأسها، وفي أثناء العملية الجراحية أصاب مبضع الجراح شرياناً في دماغها. وإذا سيطر عليها المخدر أخذت تقرأ النشيد الألماني.

فلما اصاب المبضع ذلك الشريان من دماغها سكتت عن قراءة النشيد.

وللمرة الثانية ضرب الجراح هذا الشريان بمبضعه فعادت لقراءة النشيد الألماني.

فتحير الأطباء من هذا الأمر، وبعد ذهاب تأثير المخدر منها ازداد تعجب الأطباء من عدم معرفتها باللغة الألمانية وعدم قدرتها على ذلك أبداً.

وللتحقق من هذه الظاهرة ودوافعها، اجتمع عدد من الأطباء وعلماء النفس للتحقيق في هذا الأمر، وبعد المطالعات الكثيرة والمضنية، توصلوا على أن هذه المرأة وعندما كانت طفلة وحين هجوم الجيش الألماني على المنزل الذي كانت تعيش فيه، كان الجنود أثناء الهجوم يرددون النشيد الألماني، فأثر النشيد في دماغها، وترك أثره على شريان الذهن ليبقى ذكرى خالدة.

هذه الواقعة قابلة للتصديق من منظار روائي، لما جاء في أخبار أهل البيت (ع) أن: اقرأوا الآذان، وأقيموا في أذني الطفل بعد الولادة ودخوله ساحة الحياة الدنيا.

وكذلك، وبناءً على ما ذكرنا “لا ينبغي للزوجة وزوجها أن يتقاربا أو يتداعبا وهما في معرض نظر طفل رضيع، وإذا ما فعلا ذلك بحضور طفلهما وآل مآله في الكبر إلى مواطئ الزنا، فلا يلوما إلا نفسيهما وأن يتحملا لوحدهما نتيجة عملهما هذا.

هذه القوانين الإسلامية هي دليل على تأثر وتقبل ذهنية الأطفال.

إن تربية الطفل تقسم على ثلاثة أقسام على مدار حياته:

1 ـ من الولادة حتى سن السابعة.

2 ـ من السابعة حتى سن الرابعة عشرة.

3 ـ من الرابعة عشر إلى حد الزواج.

قوانين التربية الإسلامية

لو ربى الوالدان الطفل تربية لائقة وصحيحة مستندين إلى قوانين التربية الإسلامية منتهلين من علومه الجمة، لتمكنوا من تجاوز الكثير من النقص الناشئ عن الوراثة وطعام الشبهة وما إلى ذلك. فالتربية الإسلامية الصحيحة قد ترفع الإنسان إلى مواضع راقية حتى لو كان محيطه فاسداً، ورفيقه سيئاً، ومعلمه غير متدين، فهي عامل أساسي في النجاة من الانحراف. على الوالدين أن يتعلموا أصول التربية في الإسلام على وفق مراحل العمل المختلفة.

 البحث عن الحقيقة

قبل البدء في هذا، كنا قد ذكرنا أن أول غريزة للطفل تأتي بعد الولادة هي الإحساس بالجوع والشبع؛ البحث عن الحقيقة والتعلم أيضاً من الغرائز الأولى التي تصل إلى حد الأفعال بعد غرائز الإحساس، علاوة على بروز غرائز أخرى إجبارية على طول زمان نمو الطفل.

وعمل الوالدين هنا تشخيص وتقويم هذه الغرائز في كل مرحلة من مراحل نمو الطفل، وترتيبها لأن تكون تحت نظارة التعاليم الإلهية والتربية الإسلامية الصحيحة.

إن أحد مصاديق التربية الصحيحة لتوجيه الغرائز هو أن نخطو خطوة في موقع معين وطبيعي وفطري لوصول هذه الغرائز إلى مرحلة الفعلية، مع الامتناع عن ممارسة الأمور التي تبعث على الإثارة غير الطبيعية للغرائز؛ فعلى سبيل المثال يستحسن عدم الاشارة للشهوات الجسمية لا من بعيد ولا من قريب قبل وصول الأطفال إلى سن البلوغ، وعدم إثارة مواضيع وعدم عرض صور أو أفلام مثيرة على الأطفال. لأن الإثارة قبل سن البلوغ تعجل التوتر الشهوي لديهم. وهذا الأمر يوجب قتل بعض الاستعدادات عند الطفل، ويضر بذهنيته وحافظته، ناهيك عن موت كثير من القيم الإنسانية والمعنوية.

وقد دعا علماء النفس إلى ألا تنضج غرائز الأطفال قبل سن البلوغ، وأن تعدل هذه الغرائز وتوجه الوجهة الصحيحة في أثناء تبرعمها.

ولذا كان من اللازم حفظ نشاط الطفل وسروره دائماً كي لا تموت غرائزه أو تنحرف إلى المسار الخاطئ.

 الغريزة الدينية

من جملة الغرائز المهمة جداً في بداية حياة الرضيع وإلى مرحلة الطفولة التي نجدر بأن ننتبه إليها هي الغريزة “الدينية”.

واليوم يسلم الجميع بأن للإنسان غريزة باسم “الدينية” وهي غريزة فطرية، وقد صرح القرآن الكريم بفطرية هذه الغريزة.

لذا، كان على الوالدين أن يعلّما أولادهما ومنذ البداية على الصلاة تشويقاً وترغيباً، متلطفين بالتعليم مظهرين محبتهم ومودتهم لأبنائهم في التعليم ليصل الطفل إلى مرحلة “الطبيعية” في القيام للصلاة غير مكره.

 حكاية

لقد كان أحد الأطباء دائم التوهين لمقدسات الإسلام مستخدما الكلام الجارح اللاذع مع كل من كان ملتزماً بالدين الإسلامي الحنيف، على الرغم من أنه كان يعيش في محيط إسلامي كبير، وتربى في جو إسلامي.

وبعد التحقيق التفتنا إلى أن مرض هذا الطبيب جاء من الشدة التي مارسها أبوه المسلم بحقه.

يقول: يأتي أبي كل صباح حاملاً بيده عصاً ويقف على رأسي وأنا نائم غرضه إيقاظي لصلاة الصبح. وإذا ما صادف أن تأخرت لحظة عن القيام من الفراش بدأ بالضرب على رأسي ووجهي وبدني.

فكون هذا الطبيب عرضة للمعاملة غير الصحيحة التي لا تنتمي إلى الإسلام في شيء، جعله أسيراً للعقد النفسية. مما بعث على توهينه في الكبر للإسلام ومقدسات الدين حتى ساء نظره إلى كل شيء يصطبغ بصبغة الدين مما أوصله إلى كل هذه الوقاحة على الدين.

 الطريقة المثلى في تربية الغرائز

مادامت الغريزة الدينية أو المذهبية تبدأ منذ الطفولة فيجب أن لا نحمل الناس عليها حملاً بعيداً عن لطف الإسلام، فلا يجبر طفل ضعيف له من العمر عشر سنوات على الصيام ثلاثين يوماً في جو حار.

فهذا لا يمت بصلة إلى تنمية الغريزة الدينية بشيء، بل يمكن استخدام طرق التشويق، والترغيب والتلطف في التربية؛ وتنمية غرائزه وهدايتها بالإحسان والتودد إليه.

ومن أجل هذا الأمر يحبذ تشجيعه على صيام ساعاتي، وهو على ما عرف بفائدته ومناسبته للأطفال يسير بهم قدماً على طريق هذه العبادة وتنمية الشعور الديني وتحكيمه في نفوسهم.

كذلك يمكن تنمية سائر الغرائز بإهداء النقود، والاحترام لشخص الطفل، وإذا تحدث مثلاً عن أحد الغائبين لا يلزم توبيخه؛ بل نتلطف إليه بعرض مساوئ الغيبة، فنمنعهُ بذلك من أن يكون مغتاباً.

 آثار التلطف والعطف في التربية

(وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرط لظلم عظيم) سورة لقمان، الآية: 13.

يعتقد بعض المفسرين أن “وهو يعظه” قيدت بحسب الظاهر إضافة، ولكن الآية الشريفة جاءت بصدد بيان أن “لقمان” في مقام الموعظة استخدم “التلطف” و”التودد” في إسدائه للموعظة.

أي أننا إذا تلطفنا في تعليم أبنائنا وتهذيب غرائزهم، فاستعنا بالإحسان إليهم والعطف عليهم، ودعوناهم إلى الخير ونهيناهم عن الشر بالحكمة والموعظة الحسنة حصلنا على أبناء مسلمين ومفيدين في المجتمع.

وبخلاف هذا، سيكون الأبناء معقدين ومتكبرين وظلمة معاندين.

والسبب في ذلك تقصيرنا نحن في تربيتهم إذ لم نر في تهذيبهم سوى نفوسنا المتعالية الغضبى لأتفه الأسباب، فنزجرهم ونهينهم بدعوى أنهم أطفال أو أنهم لا يعرفون الكرامة حتى يكرموا.

ولو نظرنا إليهم كما ننظر لأنفسنا، واحترمناهم كما نطمح أن يحترمونا، لصفت أذهانهم وزكت نفوسهم واستقاموا، فسعدوا وسعدنا بهم.

 تذكير

فعلى الإخوة المؤمنين المجاهدين أن يعطوا أهمية كبرى لتربية الأسرة والأطفال مثلما يعطون لمواجهة العدو والأعمال الاجتماعية الأخرى.

وإذا كانت مسألة الجهاد والدفاع عن الإسلام على راس كل الأمور، فيجب أن تنبض قلوبنا أيضاً لتربية أبنائنا تربية صحيحة، وأن نفكر بجد في تربيتهم لنخرج من عهدة هذه المسؤولية بلياقة كامة.

 مطالعة في آثار التربية لابن يزيد

أنتم تعلمون أن “يزيد بن معاوية” حكم ثلاث سنوات، وفي السنة الأولى قتل سيد الشهداء (ع)، وفي السنة الثانية أباح المدينة المنورة وقتل من الناس قتلاً سالت منه الدماء في الشوارع وفي السنة الثالثة أضرم النار في بيت الله الحرام.

بعد وصول يزيد الدرك الأسفل من النار، اجتمع الجهال حول ابنه قائلين له: يجب أن تكون خليفة أبيك، فقبل منهم وسار إلى المسجد فرأى الناس مجتمعين فيه احتفالاً بخلافته وبينهم كبار القوم، الشيوخ والرؤساء والأشراف، والناس ينتظرون أن يسمعوا حديث الخليفة الجديد مفعماً بالفخر لكنه قال:

 الامتناع عن قبول الخلافة

بعد أن حمد الله وأثنى عليه، أيها الناس: امتحننا الله بكم وامتحنكم بنا… أنا “معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان” جاءكم شخص ينازع في أمر الخلافة شخصاً آخر هو لرسول الله أقرب، وكان لائقاً بالإسلام مثالاً له، وهو أول مؤمن به، ابن عم الرسول، وأب لأبناء خاتم الأنبياء (ص)، في وقت وثب أبي على الحكومة على الرغم من أنه لا يؤمل منه الخير، وجلس على مركب الأهواء صارفاً وقته في الذنوب ويراها أعمالاً حسنة.

ثم قال: من غير العافية علي شيء أن قتلهم كان سيئاً ومرجعهم سيكون لائقاً وجديراً، نحن نعلم من هو “يزيد”. إنه قاتل آل الرسول ومنتهك حرمتهم ومحرق الكعبة.

لست أنا الذي يتعهدكم، ولن أتحمل عظيم المسؤولية فيكم، اعلموا أن الخلافة في هذا الوقت محصورة بإمام الحق “علي بن الحسين” (ع) في المدينة.

واعترضت أمه (أم معاوية بن يزيد) في المجلس قائلة: ليتك كنت مضغة دامية لم تطل على الدنيا لأراك على هذه الحال.

فأجابها قائلاً، نعم، أماه تمنيت لو كنت مضغة دامية ولم أر الدنيا بعيني لأكون ابناً لأب مثل يزيد.

ونزل من على المنبر وانزوى في بيته معتزلاً، وتحمل من الهم والغم ما أوصله أن يموت وعمره ثلاث وعشرون سنة.

 أثر المعلم الصالح

حقق الباحثون كثيراً ليروا كيف ولد ليزيد ولد كهذا، وحين غاصوا في الأعماق عثروا على السبب، فقد كان معلمه صالحاً رباه تربية إسلامية صحيحة، وأخرجه من مسير أسرته المظلم مسير الضلال والضياع والشقاء إلى طريق الهداية والصواب.

وهذا شاهد على أثر التربية الصحيحة في إبطال مفاعيل النطفة الحرام، الغذاء الحرام، المحيط الفاسد، والأب والأم الفريقين في السيئات والخطأ.

 العمل بالحلول الوسط في تنمية الغرائز

مما يهذب الإنسان ويرقى به فعلاً وقولاً استحسان ما يأتي به من الخير، وتنبيهه على ما يرتكبه من الشر بلطف يدله على وجه الصواب، ويكشف له عن قبح الخطأ دونما منّ ولا أذى.

ولكن يجب ألا نبالغ في الثناء عليه، ولا في لومه أو توبيخه، فالإفراط والتفريط كلاهما سيئان، ويؤديان إلى عواقب وخيمة في ميدان التربية.

والقصد من هذا الحديث هو: أن تدليل الطفل يخلق عنده حالة من التكبر وحب الذات، فيجب ألا نفرط في غض النظر عن أخطائه، وإنما علينا أن ننبهه على بعضها، ونسكت عن بعضها حتى لا يختلط عنده الخطأ بالصواب، ويستولي عليه العجب بنفسه والرضا عنها وذلك ما يحدوه على الغطرسة والغرور القاتلين.

فالتلطف في الإرشاد، والوضوح في المراد، ووضع الشيء في موضعه فعلاً وقولاً تصنع رجلاً سليماً بصيراً.

والتشدد والقمع والازدراء تصنع ولداً ضاراً ذليلاً خادعاً جباناً عاجزاً عن بلوغ المكارم مبادراً إلى الدنايا.

وأفضل تربية هي تلك التي يطلق عليها التربية العملية، وهي التي تراعي الأصول الإسلامية والإنسانية، فيحترم رب الأسرة من هم في عهدته، ويريهم استقامته فيما يفعل ويقول من غير استعلاء عليهم ولا استهانة بهم، فيقيم صلاته في وقتها بكل اطمئنان، تاركاً المزاح والحديث اللاغي، لا يغتاب أحداً، ولا يفتري على أحد يدعو إلى الخير وينهى عن الشر بالحكمة والموعظة الحسنة.

وعلى هذا سيكون الأبناء صاغين له مبتهجين بما يدلهم عليه مسارعين إليه يفعلونه على بصيرة من أمرهم. ولاشك في نجاح هذا الأسلوب في إقامة أسرة إسلامية جديرة بهذا الاسم النبيل.

الهوامش:

(1) بحار الأنوار، ج43.

(2) مكارم الأخلاق، ص86.

(3) سفينة البحار: ج2، ص373.

(4) سفينة البحار: ج1، ص709.

(5) نور الدين كيانوري زعيم الحزب المنحل والمرتبط “تودة”، حفيد الشهيد فضل الله نوري والذي كان دائماً يبيح لنفسه ضرب والده.

شاهد أيضاً

(( هِيَ بِنْتُ مُوسىٰ أُخْتُ مَوْلانا الرِّضا )) – قصيدةٌ من ديوان مدائح الأطهار

(( هِيَ بِنْتُ مُوسىٰ أُخْتُ مَوْلانا الرِّضا )) – قصيدةٌ من ديوان مدائح الأطهار  إعادة ...