الرئيسية / بحوث اسلامية / البعد الروحي للاحرام – السيد عبد الستار الجابري

البعد الروحي للاحرام – السيد عبد الستار الجابري

البعد الروحي للاحرام _ غسل الاحرام

07

السيد عبد الستار الجابري 

(لبيك تبدي وتعيد والمعاد اليك لبيك)
في هذه الفقرة من مقطع التلبية يخاطب الناسك الله تبارك وتعالى بحقيقة من حقائق مقام الربوبية وهي حقيقة الابتداء والاعادة، فالله تعالى الخالق الذي لا شريك له ابتدأ الموجودات من غير مثال مسابق بعلمه وحكمته وقدرته، فهو الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى تبارك الله احسن الخالقين، ففي هذا المقطع من التلبية اقرار من العبد بالخالقية على نحو الاستقلال التام وانتفاء التقليد في الايجاد، والى هذا المعنى اشار المولى امير المؤنين (عليه السلام) ( انشأ الخلق انشاء ووابتدأه ابتداء بلا روية اجالها ولا تجربة استفادها ولا حككة احدثها ولا همامة نفس اضطرب فيها ..)
فالله تعالى هو المبدأ للخلق الموجد له بلطفه وكرمه وهو الذي يعيد الخلق بعد فنائه.

وفي هذه الفقرة ايضا الفات نظر لمبدا علمي وقضية عقائدية على الحاج الانتباه اليها، اذ هو في موقفه بين يدي رب العزة والجلال عليه ان يستذكر في ذلك الموقف صفاته تبارك اسمه وجل شانه، فهذا المقطع من التلبية يشير الى الحقيقتين ترتبط احداهما بعالم الخلق والاخرى بالبعث واعادة المخلوقات بعد موتها وفنائها.

وحيث ان فهم كيفية البدء بالخلق يتوقف على تصور عملية الخلق وما تستبطنه من تساؤلات فهل كان الخلق ابداعاً من الله بحيث لم تكن هناك مخلوقات سابقة استنسخ عليها واوجد مثلها ام كانت هناك واوجد على مثالها؟ وهل كان الاخلق على اساس اجالة الفكر ودارسة الكيفية التي يجب ان يكون عليها الخلق كما هو حال الانسان عندما يريد ان يصنع شيئا او يوجده ام ان ذلك كان دفعة بلا ادنى اجالة فكر؟ وهل ان هذه الدفعة في الخلق تستبطن احاطة علمية تامة ام انها تكشف عن تدرج علمي؟

على هذه التساؤلات يجيبنا امير المؤمنين (عليه السلام) بعبارة موجزة دقيقة تكشف عن احاطة علمية بالذات الالهية، وهيمنة ادبية تجعل اللفظ طائعاً له في افادة المعاني العظيمة بعبارات مختصرة.

حيث اجاب (عليه السلام) عن التساؤل الاول بقوله( انشأ الخلق انشاء وابتدأه ابتداء) اي ان الله تعالى اوجد الخلق ابداعاً منه ولم يسبق ذلك الخلق وجود خلق اوجده على مثاله، كي تكون هناك تجربة سابقة تم الاستنساخ عليها، وبهذا يتضح ان هذا الوجود مبدع من الله تعالى وهذا كاشف عن عظمة وسعة العلم الالهي والقدرة الالهية.

وللاجابة عن الاستفتسار الثاني يقول (عليه السلام) (بلا روية اجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة احدثها ولا همامة نفس اضطرب فيها …)
وفي هذا المقطع يتضح الفرق بين الله والانسان، فالتفكير البشري ينطلق من المقدمات للوصل الى النتائج، اي ان عملية التفكير البشري عملية تدريجية، فمراحل الاستدلال ناشئة عن التدرج المعلوماتي ومحاولة تنظيم الاستدلال بالنحو الذي يمنع من الوقوع في الخطأ الذي قد ينشأ نتيجة تداخل المعلومات او فقدان بعضها، وعلى العكس من ذلك ساحة القدس الربوبي فانها منزهة عن الجهل وفقدان المعلومة او غيابها او ضعفها،

ولذا فان الخلق صدر دفعة واحدة وان الترتيب الزماني في الموجودات فرع الارادة الالهية في هذا النحو من الايجاد، لا انه صدور الخلق متوقف على الترتيب الزماني.

وبعد الاجابة عن هذين التساؤلين ظهر واضحاً الاجابة عن التساؤل الثالث وهو ان لله احاطة علمية مطلقة لا يعزب عنها شيئ ولا يخفى عليها شيئ ولا يخرج عن حدودها شيئ،

وكلما تطورت ادراكات الانسان العلمية اتضحت له الاحاطة العملية التي لله تعالى بالكون، فان الدقة في النظام الكوني بل تطور المدركات الذهنية للانسان مع الزمن يكشف عن الاحاطة الالهية بنحو يقف العقل عاجزا امام ادراك حقيقة سعة ذلك العلم ليدرك الانسان حقيقة قرانية تصدح بها ايات الذكر الحكيم ﴿ الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تاخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الارض من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشي من علمه الا بما شاء وسع كرسية السموات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم﴾

شاهد أيضاً

المرجعية والقيادة

السؤال: ١ ما هي الوظيفة الشرعية للمسلمين وما يجب فعله عند تعارض فتوى ولي أمر ...