الرئيسية / بحوث اسلامية / البعد الروحي للاحرام _ غسل الاحرام السيد عبد الستار الجابري 05

البعد الروحي للاحرام _ غسل الاحرام السيد عبد الستار الجابري 05

البعد الروحي للاحرام
الحلقة الخامسة _ لا شريك لك ان الحمد والنعمة لك والملك
عبد الستار الجابري

في التلبية يؤكد الناسك عقيدته في التوحيد، وفي نفي الشريك لله تعالى، فلا شريك لله مطلقاً، في اي مجال وفي اي مقام وفي اي شيء، وهو المعنى الذي اشارت اليه الآية الشريفة في قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين).
فعالم الخلق في كل ما يحويه من امور محسوسة ملموسة سواء ما ظهر منها للإنسان او ما ظهرت له منها آثارها اوستظهر فيىمستقبل الايام لله وحده ، فكل ما في عالم الخلق لله تعالى وحده، وهو المتصرف فيه كيف يشاء بما يشاء.
وكذا فالله تعالى هو المتصرف في عالم الأمر الذي اشار الى بعض موجوداته قوله تعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي) وقوله تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل امر) فذلك العالم الآخر البعيد عن الإدراك الحسي جوهراً واثراً هو لله تبارك وتعالى، يتصرف فيه كيف يشاء بما يشاء، لا شريك له في خلقه ولا في امره، والله مسبب الأسباب بما يشاء كيف يشاء، احد فرد صمد لا شريك له في اي مستوى يمكن ان يتصور من مستويات المشاركة، وما خلقه تبارك اسمه من اسباب وعلل إنما هي فاعلة بإذنه التكويني فيها، فمتى ما سلب منها ذلك الأذن فقدت ذلك التأثير، ولم يعد لها اثر سواء كان السلب كلياً او جزئياً، فقد جرت ارادته وقدرته ان يجري الماء من منبعه الى مصبه، ما دام لم يعترض مساره عائق ولكن هذا المسار للماء توقف بإرادة الله تعالى عندما ضرب موسى البحر بعصاه بامر من الله القدير المتعال، فتوقف الماء عن الجريان ليصبح كل فرق كالطود العظيم، ولم يعد الى سابق طبيعته التكوينية حتى أمر الله تعالى الماء بإغراق فرعون وجنوده.
وكذا اوجد الله تعالى بإذنه التكويني قابلية الاحراق في النار، الا انه سلب تلك القدرة من النار في حق النبي ابراهيم (عليه السلام) لما القي فيها (يانار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم) ففقدت النار قابليتها على الاحراق في خصوص النبي ابراهيم (عليه السلام) وكانت تحرق كل ما عداه، ومثله جرى الأمر مع يونس (عليه السلام) الذي لبث في بطن الحوت فلم تتمكن العصارات الهاظمة من اذابه جسده الشريف، ومثله جرى الاعجاز في ولادة عيسى (عليه السلام) من غير اب.

فإن كل ما في الكون، سواء ما كان منه في عالم الخلق او عالم الأمر يتصرف الله تبارك وتعالى به كيف يشاء بلا شريك معه، وان الأسباب والوسائط انما تعمل بإذنه وبإرادته يحركها كيف يشاء ويفعل بها ما يريد ليس له من شريك تبارك الله رب العالمين.

ففي المقطع الاول من التلبية (لبيك الله لبيك) يقر العبد بكل صفات الجمال والجلال للذات الالهية، ويعلن الاستجابة للنداء الإلهي الذي اطلقه النبي ابراهيم (عليه السلام) بعد رفع القواعد، منبعثاً من الإيمان المطلق بالله الواحد الاحد الفرد الصمد الحي القيوم، وفي المقطع الثاني (لبيك لا شريك لك لبيك) ينفي عن الله الشريك، وانه سائر بكله الى الله بعد ان زين قلبه بحقيقة الاعتقاد بالأحدية ونفي الشريك بأي معنى من معان الشراكة واي مرتبة من مراتبها فلا شريك له في خلقه ولا شريك له في امره تبارك الله رب العالمين.

ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك
الحمد في اللغة هو الثناء على المنعم، سواء وصلت النعمة الى الحامد ام الى غيره، فالحمد اذن حقيقة ومعنى غير مادي مترتب على تحقق آثار من قبل فاعل ما، وقد يتجلى الحمد في فعل محسوس او غير محسوس، قال المولى النراقي (قدس سره) في جامع السعادات:

(الشكر هو عرفان النعمة من المنعم، والفرح به، والعمل بموجب الفرح باضمار الخير والتحميد للمنعم، واستعمال النعمة في طاعته، واما المعرفة بان تعرف ان النعم كلها من الله وانه هو المنعم، والوساط مسخرات من جهته)

فالحمد اذن يتقوم بحقيقة واقعية وجدانية غير حسية، وهي اليقين بان كل ما في الوجود من خير فهو من الله تبارك وتعالى، وان كل ما عداه تبارك اسمه هو سبب في ايصال النعمة مسخر من مسبب الأسباب ومفيض النعم والخير لإيصال تلك النعم الى المواضع التي ارادها الرب الكريم المنعم المتفضل.

ولهذا المعنى اشار النص الوارد عن النبي (صلى الله عليه واله): (من قال: سبحان الله فله عشر حسنات، ومن قال: لا اله الا الله فله عشرون حسنة، ومن قال: الحمد لله فله ثلاثون حسنة)

وفي بيان المراتب المذكورة قال العلامة النراقي (قدس سره): (فسبحان الله كلمة تدل على التقديس، ولا الا الله كلمة تدل على التوحيد، والحمد لله كلمة تدل على معرفة المنعم الواحد الحق)

فالتسبيح هو التقديس، اي تنزيه الله عن كل نقص، والتهليل يدل على وحدانية ذلك المقدس المنزه، وان لا منزه ولا مقدس غيره، والتحميد هو اليقين والإقرار والمعرفة بأن هذه النعم منه وحده، وان لا منعم في هذا الوجود سواه، وان كل ما سواه تبارك وتعالى واسطة سخرها الله تعالى لإيصال النعم الى مواضعها.
فقول الناسك: ( ان الحمد والنعمة لك والملك) اقرار من العبد ان لا منعم ولا مفيض للنعم الا الله تبارك وتعالى، وان مستحق الشكر والثناء على تلك النعمة هو الذات الاحدية والحضرة الربوبية، وان كل ما في الوجود ملك له تبارك وتعالى على نحو الحقيقة، وان ملك غيره مجرد اعتبار، لأن الملكية الحقيقة غير قابلة للزوال، واما الملكية الاعتبارية فهي زائلة ومتغيرة ومتبدلة، لا دوام لها ولا ثبوت، فلا منعم سواه ولا مالك سواه ولا محمود غيره تبارك الله رب العالمين.

 

شاهد أيضاً

مع الامام الخامنئي والاحكام الشرعية حسب نظره

س900: وفي السؤال المتقدّم إذا بدأ بالبناء ولم يكتمل حتى دارت عليه سنته الخمسية، فهل ...