الرئيسية / القرآن الكريم / قراءة القرآن وآداب تلاوته ومقاصده

قراءة القرآن وآداب تلاوته ومقاصده

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يُعدّد الأقوال في معنى التحريف.

2- يفهم الدلائل على دحض شبهة التحريف.

3- يحفظ ثلاثة من أدلة عدم التحريف.

 

ما هو التحريف؟

ذُكر في معنى التحريف عدّة وجوه:

1- تحريف بمدلول الكلام: وهو تفسيره على غير وجهه بمعنى تأويله وتحوير دلالته بما لا يكون اللفظ ظاهراً فيه بذاته لا بحسب الوضع ولا بحسب القرائن المعهودة ومن ثمّ فهو تأويل باطل المعبّر عنه بالتفسير بالرأي المنهي عنه في لسان الشريعة المقدّسة.

 

قال صلى الله عليه وآله وسلم: “من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار”[1]، أي عمد إلى القرآن ليجعل من رأيه الخاص تفسيراً له.

 

2- تحريف قرائي: فتقرأ الكلمة على خلاف قراءتها المعهودة لدى جمهور المسلمين، وهذا كأكثر اجتهادات القرّاء في قراءاتهم المبتدعة لا عهد لها في الصدر الأوّل، الأمر الذي لا نُجيزه بعد أن كان القرآن واحداً نزل من عند واحد كما في الحديث الشريف[2].

 

3- تحريف في لهجة التعبير: كما في لهجات القبائل تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة في الحركات وفي الأداء. الأمر الذي يجوز، ما دامت بُنية الكلمة الأصليّة محتفظة لا يختلف معناها وقد نزّلنا حديث الأحرف السبعة – على فرض صحّة الإسناد – على إرادة اختلاف لهجات العرب في أداء الكلمات والحروف، بل وحتّى إذا لم تكن اللهجة عربيّة، فإنّ الملائكة ترفعها عربيّة كما في الحديث[3].

 

نعم لا يجوز إذا كان لحناً أي خطأً ومخالفاً لقواعد الإعراب. قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾[4] وقد أمرنا بقراءة القرآن عربيّة صحيحة “تعلّموا القرآن بعربيّته”[5].

 

وهكذا إذا كان التحريف اللهجي مغيّراً لمعنى الكلمة فإنّه لا يجوز، ولا سيّما إذا كان عن عمدٍ ولغرض خبيث، كما كانت تفعله اليهود عند اللهج بلفظه “راعنا” فكانت تميل بحركة العين إلى فوق لتصبح معنى الكلمة “شرّيرنا” حسبما ذكره الحسين بن علي المغربي[6] وذكره في سورة البقرة (آية: 102) وكذا في سورة النساء (آية: 46).

 

4- تحريف بتبديل الكلم: بأن تتبدّل الكلمة إلى غيرها مرادفة لها أو غير مرادفة. الأمر الذي كان يجوّزه ابن مسعود في المترادفات نظراً منه إلى حفظ المعنى المراد ولا بأس باختلاف اللفظ.

 

وقد أسبقنا عدم جواز ذلك في نصّ الوحي، حيث الإعجاز قائم بلفظه كما هو قائم بمعناه. التحريف بزيادة: وقد نسب إلى ابن مسعود وغيره من السلف كانوا يريدون في نصّ الوحي لغرض الإيضاح ورفع الإبهام من لفظ الآية. لا عقيدة بأنّها من النصّ القرآني، الأمر الذي لا بأس به مع التزام الشرط وعدم الالتباس.

 

وهكذا نجد زيادات تفسيريّة في المأثور عن الأئمّة الصادقين عليهم السلام.

 

ولم نجد من زعم زيادة في النصّ الموجود سوى ما يُحكى عن العجاردة (أصحاب عبد الكريم بن عجرد من زعماء الخوارج) أنّهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، وكانوا يرون أنّها قصّة عشق لا يجوز أن تكون من الوحي[7] ولهم مقالات فاسدة غير ذلك[8].

 

نعم كان ممّا اشتبه على ابن مسعود زعمه من المعوّذتين أنّهما تعويذان وليستا من القرآن وكان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه، وكان يحكّهما من المصحف[9].

 

6- التحريف بالنقص: إمّا بقراءة النقص، كما أثر عن ابن مسعود أنّه كان يقرأ: “والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى” باسقاط “ما خلق”[10] وعن الأعمش أنّه كان يقرأ: “حم سق” بإسقاط “ع” قيل: وهكذا قرأ ابن عباس[11].

 

أو بزعم أنّ في النصّ الحاضر سقطاً، كان عن القرآن فأسقط إمّا عن عمد أو عن نسيان وهذا إمّا في حرف واحد أو كلمة أو جملة كاملة أو آية أو سورة كما زعم.

 

وكلّ ذلك ورد مأثوراً في أمّهات الكتب الحديثيّة كالصحاح الست وغيرهما.

 

الأمر الذي ننكره أشدّ الإنكار وهو الذي وقع الكلام حوله في مسألة تحريف الكتاب. ولا مجال لتغيير العبارة والقول بأنّه من منسوخ التلاوة أو منسيّها ـ كما التزم به بعض أئمّة أهل السنّة فإنّه من الالتواء في التعبير، وتغيير العنوان لا يغيّر من الواقع المعنون. وهو موضع بحثنا هنا.

 

ومجمل القول في ذلك: أنّ ما ورد بهذا الشأن من الروايات العاميّة الإسناد لا تعدو كونها من اصطناع أهل الزنادقة ومن صنع الوضّاعين المعروفين بالكذب والاختلاق. أو أنّ لها تأويلاً صحيحاً لا يمسّ جانب تحريف الكتاب. وإلّا فهي أوهام وخرافات سلفيّة لا اعتبار بشأنها أصلاً، والأكثر إنّما هو من هذا القبيل.

 

دلائلنا على دحض شبهة التحريف

1- بديهة العقل:

من بديهة العقل أنّ مثل القرآن الكريم يجب أن يسلم عن احتمال أيّ تغيير أو تبديل فيه، حيث إنّه كان الكتاب الذي وقع – من أوّل يومه – موضع عناية أمّة كبيرة واعية، ولا عجب فإنّه المرجع الأوّل لجميع شؤونهم في الحياة الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فكان أساس الدين

 

ومبنى الشريعة وركن الإسلام. وهو المنبع الأصل لأمّهات مسائل فروع الدين وأصوله. ومن ثمّ كان الجميع في حراسته والمواظبة على سلامته وبقائه مع الخلود.

 

هكذا استدلّ الشريف المرتضى علم الهدى، والشيخ الكبير كاشف الغطاء.

 

قال شيخ الفقهاء، الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء: وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها ولا سيّما ما فيه من نقص ثلث القرآن أو كثير منه. فإنّه لو كان ذلك لتواتر نقله، لتوفّر الدواعي عليه ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله…

 

ثم قال: كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه، وخصوصاً ما ورد أنّه صُرّح فيه بأسماء كثير من المنافقين؟ وكيف يمكن ذلك وكان من حكمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الستر عليهم ومعاملتهم معاملة أهل الدين..[12]

 

وأخيراً قال: يا للعجب من قوم يزعمون سلامة الأحاديث وبقائها محفوظة، وهي دائرة على الألسن ومنقولة في الكتب، في مدّة ألف ومائتي سنة، وأنّها لو حدث فيها نقص لظهر واستبان وشاع، لكنّهم يحكمون بنقص القرآن، وخفي ذلك في جميع الأزمان…[13].

 

2- ضرورة تواتر القرآن:

من الدلائل ذوات الشأن الداحضة لشبهة التحريف هي مسألة “ضرورة كون القرآن متواتراً” في مجموعه وفي أبعاضه، في سوره وآياته، حتّى في جمله التركيبيّة وفي كلماته وحروفه بل وحتى في قراءته وهجائه على ما أسلفنا في بحث القراءات، وقلنا إنّ الصحيح من القراءات هي القراءة المشهورة التي عليها جمهور المسلمين وقد انطبقت على قراءة عاصم برواية

حفص.

 

فإنّ هذا ممّا يرفض احتمال التحريف نهائياً، لإنّ ما قيل بسقوطه وأنّه كان قراناً يُتلى إنّما نُقل إلينا بخبر الواحد، وهو غير حجّة في هذا الباب، حتّى لو فُرض صحّة إسناده.

 

هكذا استدلّ العلّامة الحلّي[14] وجماعة من المحقّقين كالسيد المجاهد محمد بن علي

 

الطباطبائي[15] والفقيه المحقّق المولى أحمد الأردبيلي[16] والمحقّق المتتبّع السيد محمد الجواد العاملي وغيرهم.

 

3- مسألة الإعجاز:

ممّا يتنافى واحتمال التحريف في كتاب الله هي مسألة الإعجاز المتحدّى به. وقد اعتبره العلماء من أكبر الدلائل على نفي التحريف.

 

أمّا احتمال الزيادة، كما احتمله أصحاب ابن العجرد من الخوارج، قالوا بزيادة سورة يوسف في القرآن، لأنّها قصّة عشق ولا يجوز أن تكون وحياً[17]. وكما زعمه ابن مسعود بشأن سورتي المعوذتين[18]، فهذا كلّه احتمال باطل، إذ يستدعي ذلك أن يكون باستطاعة البشريّة أن تقوم بإنشاء سورة كاملة تُماثل سور القرآن تماماً. وقد قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[19].

 

وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾[20] وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾[21]. وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه﴾[22].

 

فهذا التحدّي الصارخ يُبطل دعوى كلّ زيادة في سور القرآن وآياته الكريمة.

 

وكذا احتمال التبديل، فإنّ المتبدّل لا يكون من كلامه تعالى وإنّما هو من كلام مبدلِّه والكلام يسند إلى قائله إذا كان مجموع الكلمات مستندة إليه لا البعض دون البعض. إذن فاحتمال التبديل ولو في بعض كلمات القرآن يبطل إسناد مجموع الكتاب إليه سبحانه وتعالى.

 

ومن ذلك تعلم فساد ما قيل في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[23] إنّها متبدّلة من “كُنْتُمْ خَيْرَ أئِمَّةٍ…”، كما زعمه الشيخ النوري والسيد الجزائري[24] وغيرهما.

 

وزعموا في كثير من كلمات قرآنيّة مثل ذلك وقالوا: ومثل هذا كثير[25].

 

كلّ ذلك باطل لأنّه ورد بخبر واحد وهو غير حجّة في باب القطعيات.

 

وهكذا التبديل الموضعي يخلّ بنظم الكلام المبتني على الإعجاز نظماً وأسلوباً…

 

قالوا ـ في قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾[26]ـ  إنّها متغيّرة من “ويتلوه شاهد منه إماماً ورحمة ومن قبله كتاب موسى” قالوا: تقدّم حرف على حرف فذهب معنى الآية[27] حسب زعمهم.

 

ومثله النقص بإسقاط كلمة أو كلمات ضمن جملة واحدة، أنّها إذا كانت منتظمة في أسلوب بلاغي بديع، فإنّ حذف كلمات منها سوف يؤدّي إلى إخلال في نظمها ويذهب بروعتها الأولى ولا يدع مجالاً للتحدّي بها. الأمر الذي غفل عنه زاعمو التحريف.

 

زعموا إسقاط اسم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من مواضع من القرآن[28]، ذهولاً عن أنّه لو أثبتناه في تلك المواضع لذهب عنها تلك الرّوعة الراهنة، في حين لا حاجة إلى ذكر الاسم، وإنّما هو بيان شأن النزول لا غير.

 

وأسخف مزعومة زعمها هؤلاء هي سقط أكثر من ثلث القرآن ـ أي ما يزيد على ألفي آية ـ من خلال آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾[29]. زعموا عدم تناسبها مع ذيلها. فهناك زعموا سقطاً كثيراً فيما بين الجملتين[30].

 

وخلاصة القول: إنّ زعم التحريف سواء بالزّيادة أم النقص أم التبديل يتنافى وموضع القرآن البلاغي المعجز تنافياً بيّناً.

 

4- آية الحفظ:

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[31]. هذه الآية الكريمة ضمنت بقاء القرآن وسلامته عن تطرّق الحدثان عبر الأجيال.

 

وهو ضمان إلهي لا يختلف ولا يتخلّف وعداً صادقاً: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾[32].

 

وهذا هو مقتضى قاعدة اللطف: “يجب على الله تعالى – وفق حكمته في التكليف – فعل ما يوجب تقريب العباد إلى الطاعة وبعدهم عن المعصية”. ولا شكّ أنّ القرآن هو عماد الإسلام وسنده الباقي بقاء الإسلام، وهو خاتمة الأديان السماويّة الباقية مع الخلود. الأمر الذي يستدعي بقاء أساسه ودعامته قويمة مستحكمة لا تتزعزع ولا تنثلم مع عواصف أحداث الزمان.

 

وأجدر به أن لا يقع عرضة لتلاعب أهل البدع والأهواء، شأن كلّ سند وثيق يبقى، ليكون حجّة ثابتة مع مرّ الأجيال.

 

وهذا الضمان الإلهي هو أحد جوانب إعجاز هذا الكتاب، حيث بقاؤه سليماً على أيدي الناس وبين أظهرهم، وليس في السماء في البيت المعمور في حقائب مخبوءة وراء الستور. ليس هذا إعجازاً إنما الإعجاز هو حفظه وحراسته في معرض عام وعلى ملأ الأشهاد.

 

فمن سفه القول ما عساه يقول أهل التحريف: إنّه تعالى يحفظ القرآن في المواضع الذي أنزله فيه. كما كان محفوظاً في المحلّ الأعلى قبل نزوله. والقرآن إنّما نزل به جبرئيل على قلب سيّد المرسلين ليكون من المنذرين، فمحلّه الذي أنزله تعالى فيه ووعده حفظه، هو قلبه الشريف، لا الصحف والدفاتر ولا غير صدره صلى الله عليه وآله وسلم من الضمائر…”[33].

 

هذا. وقد ذكر أهل التفسير ـ بشأن نزول الآية ـ أنّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّما كان يخشى تلاعب أهل الأهواء بالقرآن من بعده، كما فعلوا بكتب الأنبياء السالفين. فنزلت الآية تُطمئنه على حفظه وحراسته عن تناوش الأعداء خلوداً مع الأبد[34] وقرينة السياق أيضاً شاهدة على هذا المعنى.

 

5- نفي الباطل عنه:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[35].

 

هذه الآية أصرح دلالة من الآية الأولى، فقد وعد تعالى صيانته من الضياع وسلامته من حوادث الأزمان، مصوناً محفوظاً يشقّ طريقه إلى الأمام بسلام.

 

قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، الباطل: الفاسد الضائع: أي لا يعرضه فساد أو نقص لا في حاضره ولا في مستقبل الأيّام. وذلك لأنّه ﴿تَنزِيلٌ مِّن﴾ لدن ﴿حَكِيمٍ﴾، وأنّ حكمته تعالى لتبعث على ضمان حفظه وحراسته مع أبديّة الإسلام. ﴿حَمِيدٍ﴾، من كان محموداً على فعاله فلا يخلف الميعاد.

 

وقد اعترف الخصم بأنّ مطلق التغيير في القرآن يُعدّ باطلاً وتنافياً مع ظاهر الآية الكريمة. سوى أنّ المقصود غير هذا المعنى! قال: لأن المقصود هو البطلان الحاصل من تناقض أحكامه وتكاذب أخباره[36].

 

قُلت: لعلّه لم يتنبّه لموضع قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾. والباطل الذي يُمكن إتيانه للكتاب هو تناول يد المحرّفين ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾[37].

 

أمّا التناقض والتكاذب في أحكامه وإخباراته فهو من الباطل المنبعث من الداخل، وقد نفاه تعالى أيضاً بقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾[38].

 

ومن ثمّ أطبق المفسِّرون على أنّ آية نفي الباطل هي من أصرح الآيات دلالة على نفي احتمال التحريف من الكتاب فلا تناله يد مغيّر أبداً.

 

المفاهيم الرئيسة

– للتحريف عدّة وجوه:

تحريف بمدلول الكلام ، تحريف قرائي، تحريف في لهجة التعبير، تحريف بتبديل الكلم، التحريف بالزيادة، التحريف بالنقص.

 

– إنّ ما ورد بشأن تحريف القرآن من الروايات العاميّة الإسناد لا تعدو كونها من اصطناع أهل الزنادقة ومن صنع الوضّاعين المعروفين بالكذب والاختلاق. أو أنّ لها تأويلاً صحيحاً لا يمسّ جانب تحريف الكتاب. وإلّا فهي أوهام وخرافات سلفيّة لا اعتبار بشأنها أصلاً، والأكثر إنّما هو من هذا القبيل.

 

– الدلائل على دحض شبهة التحريف:

1- بديهة العقل.

2- ضرورة تواتر القرآن.

3- مسألة الإعجاز.

4- آية الحفظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

5- نفي الباطل عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ  تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.

 

للمطالعة

العرض على كتاب الله

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ على كلّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه”[39].

 

الأمر الذي يتنافى تماماً مع احتمال التحريف في كتاب الله، وذلك من جهتين:

الجهة الأولى: أنّ المعروض عليه يجب أن يكون مقطوعاً به، لأنّه المقياس الفارق بين الحقّ والباطل ولا موضع للشكّ في نفس المقياس.

 

إذن فلو عرضت روايات التحريف على نفس ما قيل بسقوطه لتكون موافقة له، فهذا عرض على المقياس المشكوك فيه، وهو دور باطل. وإن عرضت على غيره فهي تُخالفه، قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾[40] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[41].

 

الجهة الثانية: إنّ العرض لا بدّ أن يكون على هذا الموجود المتواتر لدى عامّة المسلمين لما ذكرناه – في الجهة الأولى – من أنّ المقياس لا بدّ أن يكون متواتراً مقطوعاً به. وروايات التحريف إذا عرضت على هذا الموجود بأيدينا كانت مخالفة له، لأنّها تنفي سلامة هذا الموجود وتدلّ على أنّه ليس ذلك الكتاب النازل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا تكذيب صريح للكتاب ومخالفة عارمة مع القرآن.

 

هكذا استدلّ المحقّق الثاني (الكَرَكي)[42] والسيد محمد مهدي الطباطبائي (بحر العلوم)[43].

 

 

لكن زعم المحدّث النوري أن لا منافاة بين أخبار العرض ووقوع التحريف في القرآن: فإنّ الأمر بالعرض على كتاب الله صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حال حياته أمّا وقوع السقط والتبديل فإنّما حصل بعد وفاته[44].

 

وهذا كلام غريب، إذ أحاديث العرض لا يختصّ صدورها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل نطق بها – دستوراً عامّاً – الأئمة المعصومون بعده أيضاً.

 

ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك خشية وفور الكذّابة بعده، فبيّن للأمّة على طول الدهر معياراً يقيسون عليه السليم من السقيم من أحاديثه المنسوبة إليه، وليس علاجاً موقّتاً خاصاً بحال حياته صلوات الله عليه.

 

 

 

[1] ابن أبي جمهور، غوالي اللئالي، ج 4، ص 104، رقم 154.

[2] الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 627.

[3] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 4، ص 866.

[4] سورة الزمر، الآية 28.

[5] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 4، ص 856، ح 1.

[6] راجع: تفسير البلاغي (آلاء الرحمن)، ج 2، ص 134.

[7] الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 128.

[8] راجع مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 178.

[9] فتح الباري بشرح البخاري: ج 8، ص 571.

[10] صحيح البخاري، ج 6، ص 221، وج 5، ص 35.

[11] الطبرسي، مجمع البيان، ج 9، ص 21.

[12] كشف الغطاء: كتاب القرآن من كتاب الصلاة، المبحث السابع والثامن، ص 298 ـ 299.

[13] عن كتابه “الحق المبين”، ص 11، ونقله القاضي الطباطبائي في هامش الأنوار، ج 2، ص 359.

[14] راجع: البرهان للبروجردي، ص 111.

[15] راجع: البرهان للبروجردي، ص 120 ـ 121.

[16] راجع: مجمع الفائدة، ج 2، ص 218.

[17] الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 128.

[18] ابن حجر، فتح الباري، ج 8، ص 571.

[19] سورة الإسراء، الآية 88.

[20] سورة هود، الآية 13.

[21] سورة يونس، الآية 38.

[22] سورة البقرة، الآية 23.

[23] سورة آل عمران، الآية 110.

[24] السيد نعمة الله الجزائري، منبع الحياة في حجية قول المجتهدين من الأموات، ص 67.

[25] راجع: فيما نسبوه إلى النعماني، العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 90، ص 26.

[26] سورة هود، الآية 17.

[27] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 90، ص 26 ـ 27.

[28] راجع: السيد نعمة الله الجزائري، منبع الحياة، ص 67.

[29] سورة النساء، الآية 3.

[30] الجزائري، منبع الحياة، ص 66.

[31] سورة الحجر، الآية 9.

[32] سورة الرعد، الآية 31.

[33] راجع: الشيخ النوري، فصل الخطاب، ص 360.

[34] وقد أشار إليه المحدث النوري في فصل الخطاب، ص 361.

[35] سورة فصّلت، الآيتان 41 و 42.

[36] الشيخ النوري، فصل الخطاب، ص 361.

[37] سورة الحجر، الآية 91.

[38] سورة النساء، الآية 82.

[39] الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 69، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب.

[40] سورة فصّلت، الآية 42.

[41] سورة الحجر، الآية 9.

[42] بنقل السيد شارح الوافيه، أنظر: البرهان للبروجردي، ص 116 ـ 117.

[43] بنقل البروجردي في البرهان، ص 118 ـ 120.

[44] راجع: الشيخ النوري، فصل الخطاب، ص 362 ـ 363.

شاهد أيضاً

“ثلاثة يُدخلهم الله الجنّة بغير حساب: إمامٌ عادل، وتاجرٌ صدوق، وشيخٌ أفنى عمره في طاعة الله”-3

الدرس الثالث: توأمان لا يفترقان   النصّ الروائي: روي عن أمير المؤمنين  عليه السلام: “الإيمان ...