الرئيسية / القرآن الكريم / نفحات من القران

نفحات من القران

[19]

مشكلات التفسير الموضوعي:

يواجه المفسّر في طريقه ثلاث مشكلات مهمّة على الأقل.
1 ـ ليس التفسير الموضوعي بان تجعل فهارس الآيات امامك وتجمع الآيات التي يرد فيها ذكر لكلمات المواضيع التي تريد البحث فيها، مثل الجهاد والتقوى لان الكثير من الآيات تتكلم حول هذه المواضيع بدون أن تُذكر فيها كلمة التقوى أو الجهاد وامثال هذا كثير.
ولا بأس هنا ان نذكر مثالا واحداً، نحن نعلم أن الله سبحانه «رحمن» و«رحيم» و«أرحم الراحمين» وهذا المعنى منعكس في الكثير من آيات القرآن، ولكن توجد آيات تبيّن هذه الحقيقة بدون استعمال مادة «رحم» منها الآية (61) من سورة النحل (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِم ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ
دابَّة)(1).
ونفس هذا المعنى مع اختلاف يسير ذكر في الآية (45) من سورة فاطر (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِم ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دابَّة)
هاتان الايتان تشيران الى رحمة الله ولطفه المطلق على عباده من غير أن تُستعمل مادة (رحم) في الايتين.
2 ـ المشكلة الاُخرى في التفسير الموضوعي مشكلة جمع الآيات وأخذ النتيجة منها، فهذه العملية تحتاج الى دقة وظرافة وذوق ووعي كامل واحاطة تامّة بالآيات القرآنية والتفاسير، وعندما تكون الآيات المرتبطة بموضوع ما كثيرة ويكون لكل منها بعدٌ خاصٌ بها فان الجمع سيكون أكثر تعقيداً.
مضافاً الى ذلك فانَّ التفسير الموضوعي لا يزال بخطو خطواته الاولى ولم يُبذل فيه سعي وعمل كثير. وهذا يجعل أمر البادئين بهذا العمل صعباً ومعقداً ويختلف كثيراً عن التفسير المعتاد المتّبع منذ نزول القرآن.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – لابد من الاشارة ان الآية الاولى تشير الى ظلم الناس وفي الآية الثانية جاء بدل الظلم الاكتساب، ومن جمع الآيتين معا يظهر ان الكثير من الاعمال التي تصدر من الناس ليست خالية من نحو مِن انحاء الظلم.

[20]

3 ـ المشكلة الكبيرة الثالثة أن موضوعات القرآن الكريم هذا الكتاب الالهي العظيم لا حدّ لها ولا حساب ففيه المسائل العقائدية والعملية، وفيه المسائل الاخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، واداب العشرة واحكام الحرب والسلم وتاريخ الانبياء واُمور الكون و..
وفي كل واحدة من هذه الاُمور موضوعات كثيرة بحثها القرآن.
ومناقشة كل هذه المسائل تحتاج الى وقت طويل وصدر واسع.
واحياناً تبحث الآية الواحدة في التفسير الموضوعي ابحاثاً عديدة من جهات مختلفة، وفي كل بُعد من ابعادها يجب بحث فصل خاص به، في حين تفسر الآية في التفسير الترتيبي تفسيراً واحداً فقط.
* * *

لماذا لم ينْمُ هذا الموضوع من التفسير نمواً كافياً؟

يبدو أن جواب هذا السؤال قد اتّضح من الابحاث السابقة، فالمشكلات الكثيرة في طريق التفسير الموضوعي، قد منعت من نموّهِ خاصة، وان التفسير الموضوعي يحتاج الى معاجم دقيقة وجامعة بحيث يمكن استخراج الآية منها بسهولة ولم تكن توجد في السابق، ولكنه اليوم بحمد الله في متناول الايدي.
ومن الطريف ما جاء في مقدمة المعجم القرآني المعروف بـ «المعجم المفهرس لألفاظِ القرآن الكريم» حيث قال: (ان المتقدمين اهتموا كثيراً بالعلوم العلوم القرآنية ولكن لم يهتموا باعداد معجم دقيق لتعيين آيات القرآن، والسبب في ذلك انّ اغلبهم كان من حفظة القرآن)!
ولا نعلم مدى صحة هذا الرأى، وافتراض كون الانسان حافظاً للقرآن لا يجعله مستغنياً عن المعجم، الذي هو وسيلة لابدّ منها من أجل التفسير الموضوعي (وان كانت بوحدها ليست كافية)، وهذا العمل لم يتم في السابق إلاّ بنحو ناقص

[21]

ودون الهدف أحياناً.
ولابدّ من الاشارة الى مسألة هنا وهي ان جمعاً من العلماء الغربيين والاجانب المحبين للقرآن المجيد بذلوا أتعاباً من أجل اعداد معاجم لهذا الكتاب السماوي ومن نماذجها المعتبرة كتاب «نجوم الفرقان في اطراف القرآن» اعداد المستشرق الالماني «فلو گل» وتأليفات اُخرى بواسطة المسلمين مثل «مفتاح كنوز القرآن» وكتاب «فتح الرحمن».
وبناءً على تصريح مقدمة «المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم» فان هؤلاء هم الذين امكنوا المؤلف على اعداد هذا المعجم الغني البديع وجعلهِ في متناول ايدي علماء الاسلام.
وآخر ما نقوله هنا هو انه على الرغم من جمع المشكلات والمعوقات الموجودة في طريق التفسير الموضوعي، فان بركاته ومعطياته كثيرة بنفس النسبة وخاصة العلماء والمحققين، حيث تتكشف لهم في ضوئه الحقائق التي تزيدهم ايماناً وقوة ونشاطاً لمواصلة العمل وتؤجج في قلوبهم نار الشوق والمحبة حيث ان مَثَل الآية القرآنية عندما تتحدث حول موضوع ما لوحدها، كمثل النقطة التي اذا اجتمعت مع نقاط اُخرى ورتبت كونت شكلا جذاباً وصورة بديعة لم تكن موجودة من قبل، وهذا أمر مهمّ جداً ويبعث على النشاط والاشتياق، وكما ذكرنا فان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وائمة أهل البيت(عليهم السلام)، ارشدونا منذ البداية الى التفسير
الموضوعي ووردت في كلامهم نماذج مختلفة جميلة وجذابة وقد أشرنا الى البعض منها.
* * *
وحيث ننتهي من هذه المقدمة نجد أنفسنا أمام هذا العمل الهائل المستصعب

[22]

ولا ريب في أننا لا نستطيع اعتماداً على أنفسنا ان نحمل هذه الأمانة ونوصلها الى الهدف إلاّ بلطف الله وعونه وعنايته، ونحن هنا بكامل وجودنا ننصب إليه وجوهنا ونمد إليه أيدينا قائلين.
إلهنا! خذ بايدينا في هذا الطريق، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم، احفظنا في هذا الطريق الكثير المزالق من السقوط في وادي الضلالة، وتفضل علينا بالتوفيق لإتمام هذا العمل على النحو الاحسن.
آمين يا رب العالمين
* * *

[23]

[24]

[25]

[26]

كل عمل باسم الله

تمهيد:

علّمنا القرآن الكريم في بداية كل سورة (عدا سورة التوبة) وفي آيات كثيرة اُخرى أن نبدأ عملنا باسم الله وأن نعطّر أجواء قلوبنا وأرواحنا بطيب اسمه.
باسم «الله» وهو الجامع للصفات الكمالية.
باسم «الرحمن» و«الرحيم».
بسمه الذي على كل شيء قدير.
بسمه الذي بكل شيء عليم.
إن هذا الاسم المقدّس ينوّر القلب ويهب لروح الصفاء والقوة والنشاط.
ذِكر رحمته الخاصّة والعامّة تبعث في الإنسان عالماً من الأمل.
ذكر قدرته وجبروته يبعث في الانسان الجرأة لمواجهة المصاعب.
ذكر علمه واحاطته بكلِّ إنسان وبكل شيء يُطمئِنُ الانسان بأنّه ليس لوحده.
فاذا بدأنا عملنا بهذه الروح فإنه سيصل الى غايتهِ بلا شك، وكل سعي وجهاد يبذل وفق هذا المنهج نتيجته النصر والفلاح.
لذلك فقد رأينا أن أفضل ما نبدأ به بحثنا في هذا الكتاب هو موضوع (بداية كل عمل باسم الله).
فنبدأ أولا بمناقشة الآيات المرتبطة بهذا المعنى، ثم نقوم بعملية التفسير

[27]

والجمع، وفي المرحلة الأخيرة نذكر بحوثاً مكملة تحت عنوان «توضيحات» وسنواصل اتباع هذا الاسلوب بالترتيبالمذكور الى آخر الكتاب ان شاء الله.
* * *
الآيات:
1 ـ ( بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمْ)
(كل سور القرآن عدا سورة براءة)
2 ـ ( إقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
(العلق / 1)
3 ـ ( وَقالَ اركَبُوا فِيها بِسمِ الله مَجريها وَمُرْسها اِنَّ ربّي لَغَفُورٌ
رَحيم)
(هود 41)
4 ـ ( قالَتْ يا أيُّها الْمَلأُ اِنَّي اُلْقِيَ اليَّ كِتابٌ كَريمٌ * اِنّهُ مِن سُلَيمانَ
وَاِنَّه بِسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم * اَلاّ تَعْلُوا عَلىَّ وَأتُوني مُسلِمين)
(النمل 29 ـ 30 ـ 31)
* * *

[28]

شرح المفردات:

الاسم:

يعتقد الكثير من علماء اللغة ان هذه الكلمة في الاصل مشتقة من مادة «سمو» (على وزن علو) بمعنى الارتفاع وحيث ان التسمية سبب للمعرفة والظهور وعلو المنزلة لكل شيء استخدمت كلمة اسم في هذا المعنى(1).
(الرحمن) و (الرحيم) كلمتان مشتقتان من ماده «رحمة» والمعروف انّ (الرحمن) يعني ذو الرحمة العامة الشاملة للجميع و(الرحيم) يوصف بها ذو الرحمة الخاصة وعلى هذا فان رحمانية الله جعلت فيضه ونعمته شاملة للعدو والصديق والمؤمن والكافر، ولكن رحيميته أوجبت للمؤمنين مواهب خاصة في الدنيا والآخرة في حين انّ هذه المواهب محرّمة على الغافلين والبعيدين عن الله.
والشاهد على هذا الاختلاف ما يلي:
1 ـ «الرحمن» صيغة مبالغة والرحيم صفة مشبهة، وصيغة المبالغة تقيد معنى التأكيد بنحو أكثر وتدل على سعة هذه الرحمة ولكن البعض يرى ان كليهما صفة مشبهة أو أن كليهما صفة مبالغة، ولكن مع ذلك صرحوا بانّ الرحمن تفيد معنى المبالغة الكثيرة(2).
2 ـ وقال البعض أن الرحيم صفة مشبهة وتُفيد الإستمرار والثبات لذلك هي مختصة بالمؤمنين، لكن الرحمن صيغة مبالغة ولا تدل على المعنى المذكور.
3 ـ (الرحمن) اسم خاص بالله ولا يطلق على غيره، في حين أن الرحيم يقال له ولغيره، وهذا دليل على أن مفهوم الرحمن يدل على رحمة اوسع.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – البعض يرى ان الاسم من مادة (وَسْم) بمعنى (العلامة) ولكن يبدو ان هذا غير تام لان جمعه على هيئة اسماء وتصغيره بـ (سُمّي) و(سمّيه) يدل على عدم وجود (الواو) في اصله والبعض يعتبره مشتقاً من كلمة (شما) وهي اصطلاح عبري وعند التعريب صارت بهيئة اسم وسماء (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) ولكن هذا مستبعد أيضاً ولا شاهد عليه. والشاهد الآخر على عدم كون الاسم مشتقاً من مادة (وسم) ان الهمزة في اسم تسقط عند وصل الكلام ولو كانت من مادة (وسم) فالهمزة بدلا عن الواو ولا ينبغي ان تسقط.
2 – راجع تفسير مجمع البيان وروح المعاني والميزان الجزء 1 الصفحات 20 و 55 و 16 على التوالي.

[29]

4 ـ هناك قاعدة معروفة في الادب العربي وهي زيادة المباني تدل على زيادة المعاني، يعني أن الكلمة التي حروفها أكثر فان مفهومها يكون أكبر وحيث ان (رحمن) خمسة أحرف و(رحيم) أربعة أحرف فمفهوم (رحمن) اوسع(1).
5 ـ كما أن البعض استفاد هذا المعنى من آيات القرآن حيث أنَّ (الرَّحمن). ذكر غالباً بنحو مطلق، في حين ان (رحيم) ذكر مقيداً في كثير من الموارد مثلا قوله تعالى: (اِنَّ الله بِالنّاسِ لَرَؤوفٌ رَحيمٌ) (البقره / 143).
وقوله تعالى: (إنَّ الله كانَ بِكُم رَحِيماً)(النساء / 29)
امّا الرحمن فذكر من غير قيود فهو يدل على عموم رحمته.
6 ـ وتشهد بعض الروايات على هذا الاختلاف، ففي حديث عميق عن الامام الصادق (عليه السلام) نقرأ: (الرحمن اسمٌ خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة)(2).
ولكن مع هذا لا يمكن ان ننفي استخدام الكلمتين في معنى واحد، كما ورد في دعاء الامام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة: (يا رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما) ويمكن ان يعد هذا استثناءً فلا ينافي الاختلاف المذكور.
«مجراها» و «مرساها».
كلتا الكلمتين اسم زمان او اسم مكان بمعنى مكان الحركة وزمانها، أو مكان التوقف وزمانه (3).
الاولى مشتقة من مادة (جريان) والثانية من مادة (رسو) على وزن (رَسم) بمعنى الثبات والاستقرار لذلك يقال للجبال (الرواسي) جمع (راسية) لأنها ثابتة ومستقرة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تفسير شبر الصفحة 38 وروح المعاني الجزء 1 الصفحة 56.
2 – مجمع البيان، المجلد 1 الصفحة 21.
3 – قال بعض المفسرين انها اسم زمان فقط كما (مجمع البيان) والبعض اعتبرها اسم مكان فقط كما في (الميزان) والبعض اعتبرها اسم زمان ومكان كما في (تفسير شبّر).

[30]

جمع الآيات وتفسيرها

لماذا نبدأ فقط باسم الله؟

في الآية الاولى (بسم الله الرحمن الرحيم) التي تصدرت كل سور القرآن (ما عدا سورة براءة) يعني نعلمكم ان تبدأوا عملكم باسم الله الرحمن الرحيم وتستعينوا به في اداء عملكم وتنفيذ خططكم(1).
إن أعمالنا مهما تكن فهي فانية زائلة وصغيرة محدودة، أما عندما نربطها بتلك الذات القدسية الباقية الخالدة التي لا حد لها ولا نهاية، فانها ستصطبغ بصبغته وتستلهم من عظمته وازليته.
قوتنا مهما تكن فهي ضعيفة لكن عندما ترتبط تلك القطرات بالبحار العظيمة للقدرة الالهية فانه ستجد العظمة وتكتسب روحاً جديدة وهذا كله رمز بسم الله في بداية كل عمل.
* * *
في الآية الثانية كلام عن خطاب جبرئيل الأمين في بداية البعثة للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما احتضن النبي وضمه وقال (إقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ).
وبهذا فقد بدأ جبرئيل منهاج رسالته عند بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باسم الله.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – البعض يعتقد أن هناك جملة محذوفة وهي (ابتديء)، والبعض قال هي (استعينُ)، نعم في صورة كون الجملة عن الله سبحانه (كما في جميع السور عدا الحمد) فحينئذ يتعيّن المعنى الاول ولكن في خصوص سورة الحمد حيث ان الجمله تعبير عن لسان العباد فيكون فيها المعنى الأول أو الثاني أو كلاهما وعلى هذا فان (ب) في بسم الله اما بمعنى الاستعانه او بمعنى الأبتداء ( تأمل جيداً).

[31]

الآية الثالثة تتحدث عن قصه نوح عندما حلت لحظة الطوفان والعقاب الالهي الشديد على قومه الكفرة والطغاة، وعندما استعدت السفينة للحركة وصدر الأمر لاصحاب نوح الذين لم يتجاوز عددهم الثمانين بان يركبوا في الفلك قال (بسم الله مجريها ومرسها) ثم استعان بمغفرة الله ورحمته وقال (إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيم).
* * *
وفي الآية الاخيرة كلام عن كتاب سليمان الى ملكة سبأ بعد ان أخبره الهدهد عن قوم سبأ وعبادتهم للاصنام.
وعندما تناولت ملكة سبأ الكتاب جمعت اعوانها وافراد البلاط وقالت (يا أَيُّها الملأُ إنَّي أُلْقِيَ إلىَّ كِتابٌ إنّه مِنْ سُلَيْمانَ وإنّهُ بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ألاّ تَعلُوا عليَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
* * *
من مجموع الآيات الأربع المذكورة ندرك جيداً أن ابتداء كل عمل يجب ان يكون بـ (بسم الله)، سواء كان في التعليم والهداية مثل سور القرآن أو كان دعاءً من العباد مع الذات القدسية مثل سورة الحمد، أو بداية البعثة والرسالة وأول نداء للوحي مثل بداية سورة العلق، أو أنه بداية الحركة للنجاة من الخطار والطوفان وبداية توقف السفينة والنزول منها للابتداء بالمنهج الجديد كما في قصة نوح، أو ابتداء الكتاب المرسل من أجل الدعوة للتسليم الى الحق كما في كتاب سليمان لملكة سبأ.
وخلاصة الكلام ان العمل سواء كان من الله سبحانه أو من الخلق أو من

[32]

جبرئيل او من الانبياء مثل نوح وسليمان أو من عامة الأفراد، يجب ان يبدأ  بـ (بسم الله) ويرتبط بالذات المقدَّسة ويستمد منه القوه والعلم والدراك.
وهذا هو معنى الحديث المعروف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (كل امر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو ابتر)(1).
والأمر الذي ينبغي ملاحظته ان الصفات التي ذكرت بعد بسم الله في الآيات المذكورة تناسب العمل الذي بدأ بـ (باسم الله) ففي قصة نوح جاء ذكر (غفور رحيم) وهو اشارة الى شمول الرحمة الالهية لاصحاب نوح، وفي قصة نزول أول آية جاء ذكر صفة الربوبية والخالقية ونحن نعلم ان مسألة الوحي بداية لعمل تربوي وعلى هذا فان التربية التشريعية تقترن بالتربية التكوينية.
وبهذا نعلمُ ان الاستفادة من ذكر الصفات المناسبة تعليم للجميع حول كيفية ابتداء اعمالهم بـ (بسم الله).
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – سفينة البحار الجزء 1 مادة (سما).

[33]

توضيحات:

1 ـ الاهمية الخاصة لـ «بسم الله»

نلمس في الروايات الاسلامية أهمية كبيرة لهذه الآية المباركة وأنّها في درجة (الاسم الاعظم الالهي)، كما روي عن الامام الصادق(عليه السلام) من أنّه قال:
(بسم الله الرحمن الرحيم أقرب الى اسم الله الاعظم من ناظر العين الى بياضها)(1).
وفي حديث آخر عن الامام الرضا(عليه السلام): (أقرب من سواد العين الى بياضها)(2).
إنّ لـ (بسم الله) أهمية بالغة الى درجة بحيث ان بعض الروايات ذكرت ان في تركها تعريض النفس للعقاب الالهي، كما ورد في رواية ان عبدالله بن يحيى دخل في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان امامه سريره فامره الامام ان يجلس عليه فتحطم السرير فجأة ووقع عبدالله على الارض وجرح رأسه وخرج منه الدم فأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بماء فغلسوا الدم ثم وضع الأمير يده على الجرح فاحس عبد الله بألم شديد في أوّل الأمر ثم بريء جرحه فقال الامام(عليه السلام): (الحمد لله الذي يغسل ذنوب شيعتنا ويطهرها بالحوادث المؤلمة).
فقال عبد الله: يا امير المؤمنين لقد نبهتي، أخبرني أي ذنب ارتكبته حتى اصاب بهذا الحادث المؤلم كي لا عود الى ذنبي فان ذلك يسعدني.
فقال(عليه السلام): عندما جلست على السرير لم تقل: (بسم الله الرحمن الرحيم) الم تعلم ان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال عن لسان ربِّه: (ان كل عمل ذي بالم لم يبدأ فيه بسم الله فهو ابتر ولا ثمرة فيه).
فقال عبد الله: فديتك لا ادعها بعد هذا ابداً.
فقال الامام(عليه السلام): اذا ستكون سعيداً(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 2 ـ «تفسير البرهان» الجزء 1 الصفحة 41 الحديث 2 و 9.
3 – بحار الانوار الجزء 73 الصفحة 305 مع التلخيص.

[34]

ولكن مع الواضح ان الاسم الاعظم أو بسم الله الذي هو اقرب ما يكون إليه ليس المقصود منه جريان الفاظه على اللسان، فالتلفظ لوحده لا يحل العقد المستعصية ولا يفتح ابواب الخيرات والبركات ولا ينتظم به شتات الأمور، بل المراد هو التخلق به.
يعني ان مفهوم بسم الله يجب ان يرتكز في روح الانسان وباطنه، وعندما يتلفظ بها بلسانه يشعر ان كامل دقائق وجوده قد دخل في الحِمى الإلهيّة وصار من اعماق وجوده يستمد من ذاته المقدسة.
وينبغي الانتباه الى ان التأكيد على الابتداء بـ «بسم الله» ليس فقط في الكلام وانما في الكتابة أيضاً كما في كتاب سليمان (عليه السلام) الى بلقيس.
في حديث الامام الصادق (عليه السلام) : (لا تدع البسملة ولو كتبت شعراً) ثم ذكر الامام (عليه السلام) انهم كانوا يبدأون رسائلهم قبل الاسلام بعبارة (بسمك اللهم).
ولما نزلت الآية الكريمة (إنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وإنَّه بِسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ). بدأوا رسائلهم بعبارة (بسم الله).
وفي حديث آخر نقرأ ان الإمام الهادي (عليه السلام) وصى احد وكلائه وهو داود الصرّمي الذي قال: أمرني ((عليه السلام)) بحوائج كثيرة فقال لي: قل كيف تقول؟، فلم أحفظ مثل ما قالي لي، فمدّ الدواة وكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) اذكر انشاء الله والأمر بيد الله، فتبسمت، فقال: مالك قلت خير فقال: أخبرني، قلت: جعلت فداك ذكرت حديثاً حدثني به رجل من أصحابنا عن جدك الرضا((عليه السلام)) اذا مرّ بحاجة كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) اذكر انشاء الله فتبسمت، فقال لي:
يا داود لو قلت ان تارك التسمية كتارك الصلاة لكنت صادقاً(1).
إنَّ اهمية بسم الله تبدو بدرجه عظيمة بحيث نقرأ في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)انه قال: (اذا قال المعلّم للصبي بسم الله الرحمن الرحيم (ويكرر الطفل ذلك)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – سفينة البحار مادة (سما): ج1 ، ص 663.

[35]

كتب الله براءة للصبي وبراء لابوه وبراءة للمعلِّم)(1).
ونختم هذا الكلام، بمقالة مشهورة بين جماعة من المفسرين وهي:
إنَّ معاني كل الكتب الالهية مجموعة في القرآن.
ومعاني كل القرآن مجموعة في سورة الحمد.
ومعاني كل سورة الحمد في بسم الله.
ومعاني بسم الله مجموعة في الباء(2).
وتمركز جميع مفاهيم القرآن والكتب الالهية في باء بسم الله يمكن ان يكون من ناحية كون كل المخلوقات في عالم التكوين، وكل التعليمات في عالم التشريع تستمد وجودها من الذات المقدسة حيث أنّها علة العلل لجميع العوالم، ونعلم ان باء بسم الله للاستعانة وطلب النصرة من الله وهذه مسألة جديرة بالدقة والتأمل.
* * *

2 ـ هل ان بسم الله جزء لكلِّ سورة؟

لم يعد المفسرون وعلماء العلوم القرآنية (بسم الله) من آيات السور عند حسابهم للآيات القرآنيه إلاّ في سورة الحمد، التي اجمع الفقهاء واتفقوا على انّ بسم الله جزء منها ولذلك فقد ذكروا انّ آياتها سبع ومنها بسم الله.
وكذلك فإنَّ احد الاسماء المعروفة لهذه السورة فـ «السبع» لأنها سبع آيات و «مثاني» ، لانها نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرتين نظراً لاهميتها.
ولكن مع هذا فان كتابة بسم الله في جميع المصاحف القديمة والجديدة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تفسير البرهان الجزء 1 الصفحة 43 حديث 32.
2 – تفسير روح المعاني الجزء 1 الصفحة 37.

[36]

دليل قاطع على جزئيتها للسور.
روى عن عبد الله بن عمر انه كان اذا بدأ الصلاة بعد التكبير قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وكان يقول اذا لم تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فلماذا كتب في القرآن؟!(1).
واورد السيوطي في المجلد الاول في تفسيره الدر المنثور وهو عالم معروف من أهل السنة روايات كثيرة حول جزئية بسم الله لسورة الحمد.
وهناك روايات كثيرة من طرق ائمة الهدى واهل البيت (عليهم السلام) وردت في جزئية بسم الله لسورة الحمد ولبقية سور القرآن الكريم، لذلك فان علماء الشيعة متفقون ومجمعون على جزئيتها في جميع الموارد(2).
ونذكر مثالا على الاحاديث الواردة من طرق أهل السنة ما ورد عن «جابر بن عبد الله» من ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له «اذا قمت للصلاة فكيف تقرأ؟» فقال جابر: أقول الحمد لله رب العالمين (أي بدون بسم الله) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قل «بسم الله الرحمن الرحيم»(3).
ومن اجل رفع سوء الفهم والتوهم أصرَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يجهر بـ (بسم الله) في كثير من الصلوات تقول عائشة : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (4).
وفي حديث آخر يقول أحد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كنت اصلّي خلف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يجهر ببسم الله في صلوات المغرب والعشاء والصبح وصلوة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – سنن البيهقي الجزء 2 الصفحة 43 ـ 47.
2 – راجع كتب الخلاف للشيخ الطوسي الجزء 1 الصفحة 102 مسألة 82 وسنن البيهقي الجزء 2 الصفحة 44 ـ 45 ـ 46 والدر المنثور الجزء 1 الصفحة 7 ـ 8 والبيان في تفسيران القرآن الصفحة 552.
3 – الدر المنثور: ج1 ص 8.
4 – الدر المنثور الجزء 1 الصفحة 8.

[37]

الجمعة خاصة(1).
والملفت للنظر ما رواه البيهقي من ان معاوية صلى باهل المدنية فتلا بسم الله الرحمن الرحيم في اول سورة الحمد ، ولكن لم يقرأ بسم الله للسورة التي بعدها ولم يكبر حتى ذهب للركوع، فعندما سلّم للصلاة اعترض عليه جماعة من المهاجرين وقالوا: اسرقت من الصلاة أم نسيت ؟ فكان معاوية بعد ذلك يقرأ بسم الله للسورة بعد الحمد أيضاً(2).
ولكن مع ذلك فان جماعة من علماء السنة لا زالوا يتركون بسم الله في الصلاة وحتى في سورة الحمد أو يقرأونها اخفاتاً! وهذا أمر عجيب، وينبغي ان نذكر ان الفخر الرازي ذكر في تفسير تسعة عشر دليلا على اثبات ان بسم الله الرحمن الرحيم جزء من سورة الحمد واكثرها روايات عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

 

شاهد أيضاً

الثورة الإسلامية والغزو الثقافي

كم بُذِل طوال عشرات السنين من الثروات والفكر؟ وكم ارتكبت من الجرائم والأكاذيب والدعاية المضادَّة ...