الرئيسية / من / قصص وعبر / الأنبياء عليهم‌السلام وقصصهم

الأنبياء عليهم‌السلام وقصصهم

الأمر الخامس : ثمرات قراءة القصص

قد ذكرنا أنّه قد سلك القرآن الحكيم ورسولنا الكريم وأهل بيته الكرام سبلا عديدة من أجل إيصال المبادئ الحقّة إلى الناس ، وقد كان نقل قصص الماضين والتحدّث عن أحوالهم ونقل أخبارهم وماذا جرى عليهم واحدا من أساليبه في إيصال صوت العدالة الإنسانيّة وإبلاغ الرسالة الدينيّة إلى كافّة شعوب الناس ، فلم يكن غرض القرآن الكريم ونبيّنا المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله وأولاده الطاهرين عليهم‌السلام صرف نقل القصّة بل لتلك الحكاية ثمرات.

والمتأمّل في آيات الذكر الحكيم وفي كلمات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكلمات أولاده المعصومين عليهم‌السلام يجني ثمرات عديدة من خلال مطالعته لقصص أنبياء الله تعالى

١٩

وما لاقوه من أممهم ؛ ولنذكر هنا أهمّها :

الثمرة الأولى : من ثمرات نقل قصص الأنبياء السابقين إثبات رسالة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ ما ينزل عليه حقّ وصدق جاء به جبرئيل عليه‌السلام ؛ وذلك لأنّ عرب ذاك الزمان يعرفون أنّ النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن يقرأ ويكتب ولم يعرف عنه أنّه كان مجالسا لأحبار اليهود ورهبان النصارى ، فلم يكن آخذا علمه عن واحد من البشر ؛ وعليه فنقل القصّة لأهل ذلك الزمان وإخبارهم بأحوال الأنبياء السابقين وأممهم يبيّن لهم أنّ ما جاء به صلوات الله عليه من أخبار غيبيّة لم يكن له طريق غير الوحي المقدّس.

ويؤكّد ذلك قول الله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)(١).

الثمرة الثانية : بيان وحدة خطّ الأنبياء عليهم‌السلام فإنّ الخطّ السماوي خطّ واحد يشترك فيه جميع الأنبياء من آدم عليه‌السلام إلى نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله والغرض الأساسي الذي جاء به محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو عين الغرض الذي جاء به نبيّ الله عيسى وموسى وغيرهم ، وهو التوجّه إلى عبادة ربّ العالمين ونفي الأنداد والأضداد عنه.

فالصلة محكمة بين شريعتنا المقدّسة وبين شرائع الله سبحانه وتعالى المتقدّمة ، وأنّ الدين الإسلامي الحنيف امتداد لتلك الأديان مع اختصاصه بصفة الخاتميّة لأديان السماء ، بل ديننا الإسلامي مهيمن على ما سبق من الشرائع.

قال الله تعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)(٢) وهذه الهيمنة تبيّن للناس أنّ اللازم عليهم اتّباع الدين اللاحق وأنّه ناسخ لكلّ ما سبق ، بل إنّ النصراني الحقّ واليهودي الحقّ من كان مستمعا لأوامر السيّد

__________________

(١) يوسف : ٢ ـ ٣.

(٢) المائدة : ٤٨.

٢٠

المسيح ونبي الله موسى عليهما‌السلام في لزوم اتّباع الديانة الخاتمة.

الثمرة الثالثة : أن يفهم أتباع الرسالة المحمّديّة أنّ الذي يواجهونه الآن من ظلمة قريش لم يكن بالشيء الجديد ، بل إنّ سيرة الظلمة مع أنبياء الله تعالى وأتباعهم واحدة على طول التاريخ ، فاللازم عليهم أن يصبروا والنصر من الله العزيز الحكيم لعباده المتّقين.

قال الله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ)(١) فالوهن والضعف ليس من صفات أتباع الأنبياء. والعاقبة والنصر في نهاية المطاف لأنبياء الله تعالى وأنصارهم ، وأنتم يا أتباعنا ومن تدافعون عن دين الإسلام النصر معكم قال الله تعالى : (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)(٢) ، وقال تعالى : (وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ)(٣).

وقال الله سبحانه وتعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(٤). فالآية الشريفة صريحة في مطلوبيّة عبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت بكلّ ما يحوي من مصاديق ، وهذا ما جاءت به الرسل ، ولم يكن رسول من الرسل مبعوثا من قبل الله تعالى إلّا وهذه أهدافه وغاياته ، وعاقبة المكذّبين للأنبياء والرسل الهلاك المبين.

الثمرة الرابعة : نفهم من بعض الآيات القرآنيّة الشريفة أنّ واحدة من ثمرات حكاية قصص الأنبياء والمرسلين تثبيت قلب النبيّ محمّد صلوات الله عليه وآله

__________________

(١) آل عمران : ١٤٦.

(٢) المجادلة : ٢١.

(٣) الصافّات : ١٧٣.

(٤) النحل : ٣٦.

٢١

ومن كان على مسيرته وأنّ النصر دائما معهم.

قال الله تعالى : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)(١).

الثمرة الخامسة : بيان نعم الله تعالى على أنبيائه وأوصيائه والمخلصين من عباده وأنّ عطاء الله تعالى غير محدود ولا ينقص من خزائنه شيء ، كما أنّ في القصص بيان ردود أفعال الأنبياء عليهم‌السلام تجاه تملّك النعم ، ولم يكن غير الشكر له تعالى.

قال الله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا)(٢).

الثمرة السادسة : يؤكّد رسولنا الكريم من خلال حكاية القصّة القرآنيّة كشف الحقيقة وبيان الواقع الذي كان عليه الأنبياء عليهم‌السلام ودفع الأكاذيب التي كانت تلصق بهم حسبما كان يتردّد على لسان أصحاب التوراة والإنجيل ، فهدف القرآن العظيم ورسولنا الكريم الدفاع عن حيثيّة الأنبياء عليهم‌السلام وبيان الواقع الذي كانوا عليه في مقابل من ينقصهم أو ينقص قيمة أعمالهم من اليهود والنصارى ، وذلك واضح لمن قارن بين قصص الأنبياء التي يحكيها القرآن الكريم وبين القصص التي يحكيها حملة التوراة والإنجيل.

الثمرة السابعة : ومن جملة ثمرات نقل قصص الأنبياء والمرسلين أن يعتبر بها أولوا الألباب ، فالعاقل اللبيب لمّا يسمع كيف كان حال الملوك والسلاطين وكيف كان عاقبة الظلمة تراه يراقب نفسه في كلّ ما يفعل خوفا من زلّة القدم.

قال الله تعالى : (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ

__________________

(١) هود : ١٢٠.

(٢) مريم : ٥٨.

٢٢

تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(١).

إلى غير ذلك من الثمرات التي يمكن أن يستشفها الإنسان من خلال تدبّره في آيات الذكر الحكيم وفي كلمات رسوله الكريم وذريّته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

الأمر السابع : المؤلّفات في القصص

لمّا كان موضوع قصص الأنبياء والمرسلين وكيفيّة تعاملهم مع الأمم المبعوثين إليها حائزا أهميّة كبرى فقد انبرى جماعة من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم للتصدّي لجمع قصص الأنبياء والمرسلين عليهم‌السلام وتبويبها ، كلّ حسب شاكلته ، فبعض كتب في قصّة نبيّ معيّن ، وبعض جمع قصص الأنبياء من كلام رسول الله وأئمّة الهدى من ذريّته صلوات الله عليهم أجمعين ، وبعض خلط مع تلك الروايات الإسرائيليّات ، وبعض كتب في تنزيه الأنبياء وغير ذلك ، مضافا إلى ذلك أنّ كتب التفاسير وكتب التاريخ مشحونة بذلك.

وعلى هذا فمن أراد الوقوف على حقائق سيرتهم عليهم‌السلام وفهم ما جرى عليهم من أقوامهم الرجوع إلى أمّهات المصادر الناقلة عن مصدر الوحي المقدّس رسول الله وعترته عليهم‌السلام.

والملاحظ على هذا السفر القيّم أنّ مؤلّفه سعى في تهذيب وتنقيح الروايات والأخبار الواردة في قصص الأنبياء عليهم‌السلام والتي فيها الغثّ والسمين والردّ والثمين ـ على حدّ تعبيره في المقدّمة ـ فجمع فيها ـ على طاقته ـ زلالها وسلب جريالها وأخذ أخباره عن مصادر مهمّة ، وفي ما يلي نتحدّث عن مصادر المؤلّف فيجب أن تلاحظها.

__________________

(١) يوسف : ١١١.

٢٣
٢٤

الفصل الثّاني :

بين الصّدوق والقطب الرّاوندي

دراسة في كتابيهما

«النّبوّة» و «قصص الأنبياء» (١)

__________________

(١) هذا الفصل كتبه فضيلة حجّة الإسلام السيّد حسن الموسوي البروجردي ـ دام عزّه ـ ، وقد طبع من قبل في مجلّة تراثنا في العدد ٩٧ ـ ٩٨ وبالاسم المذكور أعلاه.

٢٥
٢٦

تمهيد :

يقول العبد الفقير المفتاق إلى رحمة ربّه الغفور السيّد حسن الموسوي البروجردي ـ بصّره الله عيوب نفسه وجعل يومه خيرا من أمسه ـ : إنّ منهج المحدّثين وأصحاب المدوّنات والكتب الحديثية عند الشيعة الإماميّة من القرن الرابع ـ بل ما قبله بيسير ـ إلى زماننا هذا في أخذ الحديث وروايته وذكر إسناده كان عن طريق الأخذ والقراءة من كتب وأصول المتقدّمين عليهم ، وقلّما يوجد نقل الحديث في ذلك الأوان عن طريق السماع من المشايخ دون كتابته حتّى أنكر البعض ذلك ، خصوصا في القرنين السادس والسابع ، وهذا أمر مسلّم به لا يمكن النقاش فيه ولذا سمّوا المشايخ الواردة في الأسانيد إلى أصحاب الكتب (مشايخ الإجازة) ، واشتهر عندهم استغناء مشايخ الإجازة عن التوثيق ، ولإثبات هذا أو نفيه مباحث طويلة ليس هنا مقام بيانها.

وبالجملة : نحن نواجه النقولات الواردة في الكتب بالنسبة إلى ذكر أسانيدها ومصادرها على صور مختلفة ، وهي كما يلي :

الأولى : رواية الأحاديث مسندة من دون التصريح بأسامي الكتب المأخوذ منها تلك الأحاديث ، وهذه الأسانيد ليست إلّا طرقا إلى أصحاب الكتب والأصول من

٢٧

المتقدّمين الذين عاشوا في عصر أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وكانت كتبهم محفوظة في أيدي المتأخّرين عنهم وفي خزائن مكتباتهم بأحد طرق التحمّل للحديث ، ونقلوا من تلك الكتب بسرد طرقهم وأسانيدهم إليها ونقلوا بها تراثنا إلى الأجيال التي تليهم بأمانة ، وهذا ديدن المتقدّمين من أصحابنا في أواخر القرن الثالث والقرنين الرابع والخامس (١).

__________________

(١) من أمثلة هذه الصورة : كتب سعد بن عبد الله الأشعري (المتوفّى ٢٩٩ أو ٣٠٠ ه‍) ومحمّد بن الحسن الصفّار (المتوفّى ٢٩٠ ه‍) ومحمّد بن يعقوب الكليني (المتوفّى ٣٢٩ ه‍) ومحمّد بن إبراهيم الكاتب النعماني (من أعلام أواسط القرن الرابع) وأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (المتوفّى ٤٦٠ ه‍) ، ومن التصريحات الواضحة في هذا المعنى ما ذكره صدوق أصحابنا محمّد بن علي بن بابويه القمّي (المتوفّى ٣٨١ ه‍) في كتاب فقيه من لا يحضره الفقيه ، فإنّه قال في المقدّمة ١ : ٣ ـ ٥ : «وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع ، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي وكتب الحسين بن سعيد ونوادر أحمد بن محمّد بن عيسى وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله وجامع شيخنا محمّد بن الحسن بن الوليد رضي الله عنه ونوادر محمّد بن أبي عمير وكتب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي ورسالة أبي ـ رضي الله عنه ـ إليّ وغيرها من الأصول والمصنّفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي ـ رضي الله عنهم ـ».

ولاحظ كتابه الفقيه ومشيخته ، فإنّه رحمه‌الله صرّح في غير موضع بأسماء الكتب التي نقل عنها وأنّ إسناده طريق إلى رواية هذه الكتب ، منها : كتاب زياد بن مروان القندي ١ : ٢٦٣ / ١١٠ ، نوادر إبراهيم ابن هاشم ١ : ٢٣١ / ٤٥ ، كتاب محمّد بن مسعود العيّاشي ١ : ٣٥٦ / ٢ كتاب عبد الله بن المغيرة ١ : ٢٩٦ / ١٥ ، كتاب علي بن جعفر ٤ / ٥ ، كتاب العلل للفضل ص : ٥٣ ، كتاب حميد بن المثنّى العجلي ص : ٦٥ ، كتاب الكافي للكليني ص : ١١٦ ، مضافا إلى أنّ جلّ من روى عنهم عليهم‌السلام كانوا أصحاب أصول وكتب وترجمهم النجاشي والطوسي وابن شهر آشوب و .. في فهارسهم وذكروا إليهم طرقا وأسانيد.

ومن أمثلة ذلك أيضا مشيخة التهذيبين لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (المتوفّى ٤٦٠ ه‍) ، فإنّه رحمه‌الله صرّح في مقدّمة مشيخة التهذيب ١٠ : ٤ ـ ٥ بتخريجه لجميع روايات التهذيب عن كتب

٢٨

الثانية : التصريح باسم مصادرهم وذكر طرقهم إليها وإلى مؤلّفيها في أوّل كتبهم أو في مطاويها وذلك لشهرة هذه الكتب وكثرة الطرق إلى مؤلّفيها ، ونلاحظ هذه الحالة في جملة من تآليف القرن السادس وما بعده إلى القرن الثامن (١).

__________________

الأصحاب وأصولهم ، قال : «واقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنّف الذي أخذنا الخبر من كتابه أو صاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله واستوفينا غاية جهدنا ما يتعلّق بأحاديث أصحابنا رحمهم‌الله …» إلى أن قال : «والآن فحيث وفّق الله تعالى للفراغ من هذا الكتاب نحن نذكر الطرق التي يتوصّل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنّفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار لتخرج الأخبار بذلك عن حدّ المراسيل وتلحق بباب المسندات».

وقال في آخر المشيخة : ٨٨ ـ بعد ذكر جملة من طرقه إلى الأصحاب ـ : «قد أوردت جملا من الطرق إلى هذه المصنّفات والأصول ولتفصيل ذلك شرح يطول ، هو مذكور في الفهارس المصنّفة في هذا الباب للشيوخ رحمهم‌الله من أراده أخذه من هناك إن شاء الله ، وقد ذكرنا نحن مستوفى في كتاب فهرست الشيعة والحمد لله ربّ العالمين».

وأشار أيضا في مقدّمة مشيخة الاستبصار ٤ : ٣٧٦ أنّه عمل هذا الكتاب على نفس المنهج الذي سلكه في كتاب التهذيب من الأخذ عن الكتب والأصول لأصحابنا ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ ، وأحال في آخر المشيخة : ٤٢٦ باقي الطرق إلى فهارس الشيوخ الموضوعة لهذا المعنى. وبالجملة : نحن نرى أسامي جمع من أعاظم الفقهاء والمحدّثين عملوا فهرسا للكتب والأصول للقدماء من أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، وهذه الفهارس ليست كالكتب الرجاليّة الصرفة بل تتصدّى لجمع وتبويب قائمة أسامي المصنّفين وتوثيقهم وأسامي كتبهم وكيفية نسخها وروايتها من حيث الحجّيّة ؛ وقد كتب هذه الفهارس أمثال حميد بن زياد الدهقان الكوفي (م ٣١٠ ه‍) وأبي جعفر محمّد بن جعفر بن أحمد بن بطّة المؤدّب القمّي (م ق ٤) أو محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (م ٣٤٣ ه‍) وعلي بن الحسين المسعوديّ (م ٣٤٦ ه‍) وأبي غالب أحمد بن محمّد الزراري (م ٣٦٨ ه‍) والشيخ الصدوق محمّد بن بابويه (م ٣٨١ ه‍) والحسين بن الحسن بن محمّد بن موسى بن بابويه (م ق ٤) وأحمد بن عبد الواحد بن عبدون البزّاز (م ٤٢٣ ه‍) وأبي العبّاس أحمد بن علي النجاشي الكوفي (م ٤٥٠ ه‍) وشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (م ٤٦٠ ه‍) وغيرهم من أساطين هذه الطائفة ، ولكلّ ما ذكرناه هنا شواهد وأدلّة كثيرة لا يقتضي المقام إيرادها وفيما بيّناه كفاية.

(١) من أمثلة هذه الصورة كتاب المناقب لأبي جعفر محمّد بن علي بن شهر آشوب المازندراني

٢٩

الثالثة : لم يسندوا طرقهم إلى مؤلّف مصادرهم واكتفوا باسم مصدر التخريج استغناء بشهرة الكتب والأحاديث واعتمادا على كثرة الطرق والأسانيد ، نشاهد هذه الطريقة بين المحدّثين وأصحاب المدوّنات الحديثيّة من القرن الثامن إلى زماننا هذا ، فإنّهم ذكروا طرقهم وأسانيدهم إلى المصنّفات والأصول القديمة في كتب ورسائل مستقلّة خصّصت لهذه المهمّة ، وذلك مثل الإجازات الصغيرة والكبيرة والأثبات الموضوعة لهذا المعنى ، فإنّ الأسانيد كانت ولا تزال موضع اهتمام كبير لدى المشتغلين في هذه الطبقة بحيث لا يوجد طالب علم في هذه الطبقات لم يكن عنده طريق أو طرق متعدّدة للاتّصال إلى شيوخنا المؤلّفين ومؤلّفاتهم (١).

__________________

(م ٥٨٨ ه‍) وكتب يحيى بن الحسن الأسدي الحلّي المعروف بابن البطريق (م ٦٠٠ ه‍) وكتب السيّد علي بن موسى بن طاوس الحسني الحلّي (المتوفّى ٦٦٤ ه‍) ومن ماثلهم ؛ فإنّهم رحمهم‌الله صرّحوا باسم مصادرهم وذكروا طرقهم إليها إمّا في أوّل كتبهم أو في أثنائها ؛ كما قال ابن طاوس في مقدّمة فلاح السائل : ٥٢ : «وربّما لا أذكر أوّل طريقي في كلّ حديث من هذا الكتاب لئلّا يطول ، ويكفي أنّني أذكر طريقي إلى رواية كلّما رواه جدّي السعيد أبو جعفر الطوسي ـ تلقّاه الله جلّ جلاله ببلوغ المأمول ـ فإنّه روى في جملة ما رواه عن الشيخ الصدوق هارون بن موسى التلّعكبريّ ـ قدّس الله روحه ونوّر ضريحه ـ كلّما رواه ، وكان ذلك الشيخ الصدوق قد اشتملت روايته على جميع الأصول والمصنّفات إلى زمانه …» إلى أن قال : «ثمّ رويت بعدّة طرق عن جدّي أبي جعفر الطوسي كلّ ما رواه محمّد بن يعقوب الكلينيّ وكلّ ما رواه أبو جعفر محمّد بن بابويه وكلّ ما رواه السعيد المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان وكلّ ما رواه السيّد المعظّم المرتضى وغيرهم ممّن تضمّن كتاب الفهرست وكتاب أسماء الرجال .. وغيرهما رواية جدّي أبي جعفر الطوسي عنهم رضوان الله عليهم وضاعف إحسانه إليهم» انتهى كلامه.

وسرد بعد ذلك طريقين من طرقه رواية عن مشايخه إلى الشيخ الطوسي ثمّ قال تعليقا على طريقه الأخير : «وهذه روايتي عن أسعد بن عبد القاهر الإصفهاني اشتملت على روايتي عنه للكتب والأصول والمصنّفات ، وبعيد أن يكون قد خرج عنها شيء من الذي أذكره من الروايات».

(١) من أمثلة الصورة الثالثة : العلّامة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (م ٧٢٦ ه‍) والشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي (م ٧٨٦ ه‍) والشيخ علي بن يونس البياضي (م ٨٧٧ ه‍) والمحقّق الثاني

٣٠

هكذا قطعت أحاديث النبيّ وأهل بيته عليه وعليهم‌السلام مراحلها الزمنيّة من حيث الإسناد والنقل حتّى وصلت إلينا محلولة مشاكلها ، معروفة الصحيح منها من الدخيل ، فعلينا أن نسبر القرائن الموجودة في كلّ واحد من مؤلّفات أصحابنا وأن نستخرج منهجية الأخذ في الكتب الحديثيّة والمصادر التي اعتمدوا عليها ، وإنّه لجدير بالباحثين في علوم الشريعة أن يعطوا مزيدا من العناية بهذا البحث ويعيّنوا من خلال ذلك المصادر المأخوذة منها أخبار كلّ كتاب حتّى يميّزوا قيمته العلميّة ، ولا يخفى علينا ثمرات هذا البحث وأهمّيّته ويجب عدم إهماله لكي نعالج به قيمة تراثنا العلمي.

الراوندي وقصص الأنبياء [ومصدره فيه]

وما روى فيه من الأخبار :

وبعد كلّ هذا وذاك فنحن ـ فيما يلي ـ نتصدّى للبحث عن مصادر الشيخ الإمام والفقيه الشهير والمحدّث الخبير قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي (المتوفّى ٥٧٣ ه‍) في كتابه قصص الأنبياء ، فنقول :

إنّه رحمه‌الله عاش في الفترة التي يبتدأ فيها التحوّل النقلي بين الطبقة الأولى والثانية التي مرّ بيانها آنفا ـ يعني رواية الأحاديث عن الكتب مع ذكر الطرق بدون التصريح بأسماء الكتب والرواية مع التصريح وذكر الطرق في أوّل الكتاب أو أثنائه ـ وذلك أنّه روى الأخبار والأحاديث الواردة في هذا الكتاب مسندة من دون أن يصرّح بأسماء مصادرها ذاكرا طرقه في أوّل أكثر فصول الكتاب ، وعلى هذا

__________________

ـ علي بن الحسين الكركي (م ٩٤٠ ه‍) والشهيد الثاني زين الدين بن أحمد العاملي (م ٩٦٥ ه‍) والشيخ البهائي محمّد بن الحسين العاملي (م ١٠٣١ ه‍) والعلّامة محمّد باقر المجلسي (م ١١١٠ ه‍) والمحدّث الميرزا حسين النوري (م ١٣٢٠ ه‍) ، وقد يعدّ هؤلاء الأعلام حلقات اتّصال السند إلى قدمائنا ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ واتّصلت رواية المتأخرين في سلسلة الأسانيد إلى هؤلاء الأعاظم.

٣١

الطريق فإنّه نهج في هذا الكتاب بين هذين المنهجين المذكورين لا على نهج واحد ، ولكنّه يمكننا أن نستعلم مصادره من وجود القرائن المتوفّرة الموجودة في ضمن كتابه وخارجه ، وذلك إن كان المصدر المحتمل موجودا أمكن إثبات ذلك أو نفيه بالمقايسة إلى ذاك المصدر ومن مقارنة أحاديثه بأحاديث الكتاب ، فقد نثبت ذلك عن طريق اتّحاد المباحث والمطالب أو ترتيبها أو اتّحاد الألفاظ في النقل .. أو قرائن أخرى على الأخذ ، أو عدمها على عدمه.

فلم نجد من هذا القسم من مصادر الراوندي في هذا الكتاب إلّا مصدرا واحدا وهو كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (م ٥٤٨ ه‍) والمعروف أنّه من مشايخ القطب ويروي عنه (١) ؛ فإنّ القطب نقل غالب الباب العشرين وهو آخر أبواب القصص من هذا الكتاب ، وفيه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى ، ومن اللازم أن نقول : إنّ جميع ما روي من الكتب المذكورة في الباب العشرين بل جزء يسير من الباب التاسع عشر فهو بواسطة كتاب إعلام الورى ؛ وذلك مثل كتاب تفسير القمّي وكمال الدين للصدوق وصحيحي البخاري ومسلم وغيرها ؛ فلا تظنّ أنّ روايته بدون الواسطة.

أمّا المصادر الأخرى للقطب فليست موجودة ، ولذلك أشكل الأمر علينا شيئا ما ، ولكنّ القرائن تؤكّد لنا بعض احتمالات تسهّل تعيين مصادر القصص بل قد توصلنا إلى الاطمئنان بها فلنذكر ـ في ما يلي ـ ما جمعناه من القرائن والأمارات حول مصادر غير موجودة لكتاب القصص فنقول :

يستكشف بالملاحظة السريعة لكلّ من راجع هذا الكتاب أنّ القطب أخذ جلّ أخبار كتابه هذا عن بعض كتب الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن موسى بن بابويه رحمه‌الله (م ٣٨١ ه‍) ، كما قال العلّامة الأفندي في رياض العلماء بعد البحث في

__________________

(١) خاتمة مستدرك وسائل الشيعة ٣ : ٨٣ ، ونقل عنه في الرقم : ١٤٨ من كتاب قصص الأنبياء.

٣٢

انتساب الكتاب إلى القطب : «وأخباره جلّها مأخوذة من كتب الصدوق» (١). وذلك للأدلّة والشواهد التاليّة :

الأوّل : إنّ القطب يروي جميع هذه الأخبار والأحاديث بالسند المتّصل عن طريق مشايخه إلى الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام مرورا بالشيخ الصدوق في أوّل كلّ حديث منها بعبارة : «بالإسناد عن ابن بابويه» «عن ابن بابويه» «بإسناده» «وبهذا الإسناد» يعني الإسناد السابق الذي يبدأ بالصدوق أو يبدأ بأحد مشايخ الصدوق مع العطف بالطرق السابقة بالواو (٢) ، كما نعلم أنّ الراوندي يروي جميع كتب الصدوق بل جميع كتب قدماء أصحابنا ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ على ضوء طرقه وأسانيده ممّا تسبّب بأن عدّه علماء الحديث من المشايخ المهمّين لرواية كتب القدماء ومن حلقات وصل المتأخّرين إلى المتقدّمين (٣).

الثاني : إنّ مجموعة كبيرة منها موجودة في كتب الشيخ الصدوق بنفس السند والمتن (٤) أو باختصار في المتن بالسند الواحد (٥) كما أنّ قسما منها نقله العلماء عن الشيخ الصدوق أو عن أحد كتبه (٦). ومن اللازم أن يعلم أنّ عدّة من أخبار

__________________

(١) رياض العلماء ٢ : ٤٢٨.

(٢) تورّق كتاب القصص فإنّه مملوء من هذا التعبير.

(٣) انظر كتاب الإجازات من بحار الأنوار ١٠٧ : ٤٨ و ٤٩ (إجازة الشيخ زين الدين علي بن حسان الرهمي لأبي علي الحسين بن خشرم الطائي في سنة ٦٠٠ ه‍) و ١٠٧ : ١٥٤ (إجازة السيد محمّد بن الحسن بن أبي الرضا العلوي البغدادي للسيّد شمس الدين محمّد بن أحمد بن أبي المعالي العلوي) ١٠٩ : ٣٤ (إجازة الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني للسيّد نجم الدين الحسيني).

(٤) انظر نماذج من ذلك في المجلّد الأوّل تحت الأرقام : ٢ ، ٥ ، ١٣ ، ١٥ ، ٢٠ ، ٣٦ ، ٣٧ ، ٣٨ ، ٤٣ ، ٦٤ ، ٦٧ ، ٨١ ، ٨٧ ، ٨٨ ، ٩٠ ، ٩١ ، ٩٢ ، ٩٥ ، ١٠٠ ، ١٠٦ ، ١٠٧ ، ١١٦ ، ١١٩ ، ١٢٠ ، ١٢٧ ، ١٣١ ، ١٣٢ ، ١٤١ ، ١٥٠ ، ١٥٥ ، ١٦٣ ، ١٧٦ ، ٢٠٠ ، ٢١٣ ، ٢٢٨ ، ٢٣٠ ، ٢٤٠ ، ٢٧١ ، ٢٧٣ ، ٢٧٥ …

(٥) انظر نماذج من ذلك في المجلّد الأوّل تحت الأرقام : ١٩ ، ٢٤ ، ٣٨ ، ٤١ ، ٥١ ، ٨١ ، ١٠٦ ، ١٠٩ ، ٢١٣ ، ٢٤٢ …

(٦) لاحظ استخراجات كتاب القصص.

٣٣

الكتاب المبدوّة بالصدوق لم ترد في أيّ من كتب الصدوق المطبوعة (١).

هذا ؛ ومن المحتمل قريبا أنّ الراوندي أخذ هذه الأخبار عن أحد كتب الصدوق كما اختصر بعض كتب المتقدّمين وزاد فيما بينها بعض الأخبار والآراء الخاصّة به ، وذلك مثل كتابه فقه القرآن من كلام الملك الديّان الملخّص من كتاب التبيان لشيخ الطائفة الطوسي (م ٤٦٠ ه‍) (٢) ، واللبّ واللباب المستخرج من كتاب فصول عبد الوهّاب (٣) ، وخلاصة التفاسير له أيضا.

وممّا ذكرنا يقوى احتمالنا في أنّ القطب يروي أخبار كتابه القصص عن بعض كتب شيخنا أبي جعفر الصدوق رحمه‌الله ، إذا رجعنا إلى قائمة أسامي كتب الصدوق وجدنا فيما بينها كتابين يناسبان موضوع كتاب قصص الأنبياء وهو الأنبياء والرسل وأحوالهم وتاريخهم ؛ والكتابان هما كتاب النبوّة وكتاب جامع حجج الأنبياء (٤).

هذا ؛ وعلى ما قلنا لابدّ أن يكون الكتاب المحتمل المروي عنه هو كتاب النبوّة لا كتاب جامع حجج الأنبياء وذلك :

أوّلا : إنّي لم أعثر على من نقل عن كتاب جامع الحجج في الطبقات التالية

__________________

(١) لاحظ استخراجات كتاب القصص.

(٢) رياض العلماء ٢ : ٤٢٣ و ٤٢٤ ، الذريعة ١ : ٤١ / ٢٠٢ و ١٦ : ٢٩٥ ، والكتاب مطبوع في مكتبة السيّد المرعشي في قم المقدّسة.

(٣) قال الأفندي في رياض العلماء ٢ : ٤٢١ : له تلخيص فصول عبد الوهّاب في تفسير الآيات والروايات مع ضمّ الفوائد والأخبار من طرق الإماميّة. لاحظ : الذريعة ١٨ : ٢٩٢ / ١٥٩ ، أعيان الشيعة ٧ : ٢٤٠. توجد نسخة ناقصة منه في مكتبة آية الله البروجردي في قم المقدّسة برقم : ٤٠٩ ، وذكرت في فهرسها ٢ : ٢٥٩.

(٤) رجال النجاشي : ٣٨٩ / ١٠٤٩ ، الذريعة ٥ : ٤٨ / ١٩٣ و ٢٤ : ٤٠ / ٢٠٠ ، مكتبة ابن طاوس لاتان كلبرك : ٤٧٦ / ٤٧٤.

٣٤

بعد الصدوق (١).

ثانيا : لا يتوافق اسم الكتاب مع موضوع المرويّات الموجودة عندنا ؛ وذلك أنّها في القصص والتأريخ وما يظهر من اسم جامع الحجج أنّ كتابه في العقائد والبراهين على إثبات نبوّة الأنبياء.

ويؤكّد ما قلناه قرائن متفرّقة توصلنا إلى القول بذلك اطمئنانا :

الأولى : وجود كتاب النبوّة إلى عصر القطب الراوندي ـ بل ما بعده ـ وتداوله بين العلماء ، فقد نقل عنه الشيخ أمين الإسلام الطبرسي (م ٥٤٨ ه‍) في كتابه مجمع البيان روايات كثيرة (٢) ، وولده أبو نصر الحسن بن الفضل (من أعلام القرن السادس) في كتابه مكارم الأخلاق (٣) ، وأيضا حفيده الشيخ أبو الفضل علي بن أبي نصر الحسن بن الفضل (من أعلام القرن السابع) في مشكاة الأنوار (٤) ، والشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني (م ٥٨٨ ه‍) في كتابه المناقب (٥) ، والسيّد علي ابن طاوس (م ٦٦٤ ه‍) في الإقبال بالأعمال الحسنة

__________________

(١) لا يقال : إنّ ابن طاوس (٦٦٤ ه‍) نقل في فرج المهموم : ٢٠٩ عن كتاب دلائل النبوّة للشيخ الصدوق فلعلّه هو كتاب جامع حجج الأنبياء فتبدّل الاسم بهذا وكلا الاسمين يشيران إلى موضوع واحد وهو الحجج والأدلّة لإثبات النبوّة ، لأنّا نقول : إنّ النصّ المذكور في الفرج موجود في كتاب قصص الأنبياء للراوندي [ص ٢٢٧ / ٢٧٠] تفصيلا.

(٢) مجمع البيان ١ : ١٦٣ و ١٦٨ و ٣٧٥ و ٤ : ٢٨١ و ٢٨٥ و ٥ : ٤٢ و ٢٧٢ و ٢٨١ و ٣٦٤ و ٣٧٢ و ٣٧٣ و ٤٢٠ و ٤٤٥ و ٤٥٠ و ٤٥٦ و ٤٥٨ و ٤٥٩ و ٧ : ١٠٧. وقد جاء بعض الأخبار في كتاب مجمع البيان ونقلها الطبرسي بعد أن يروي عن كتاب النبوّة حديث أو حديثان ، ولكنّه لم يصرّح اسم مصدره وكلّها يرتبط بالأنبياء والرسل عليهم‌السلام ، ولعلّها هذه الأخبار أيضا مأخوذة من كتاب النبوّة ، كما وقد توجد بعضها في كتاب قصص الأنبياء.

(٣) مكارم الأخلاق : ١٦ و ١٧ و ٢٣ و ٢٩.

(٤) مشكاة الأنوار ٢ : ١٧٥ / ١٥١٧.

(٥) مناقب آل أبي طالب ١ : ١٧ و ٥٩ و ٥٣ و ٢٤٣.

٣٥

وفرج المهموم (١) ، وجمال الدين يوسف بن حاتم الشامي تلميذ المحقّق الحلّي في الدرّ النظيم (٢) ، والشيخ علي بن يونس البياضي العاملي (م ٨٧٧ ه‍) في الصراط المستقيم (٣) ، وأخيرا نقل عن كتاب النبوّة السيّد شرف الدين علي الاسترآبادي (من أعلام القرن العاشر) في كتاب تأويل الآيات الظاهرة (٤). كما وقد روى صاحب كتاب دستور المنجمين المتوفّى حدود ٥٠٠ هجريّة وهو من علماء الإسماعيليّة عن كتاب النبوّة بعنوان كتاب الببوات (ـ النبوّات) (٥).

الثانية : وجود كتاب النبوّة عند القطب الراوندي أيضا ؛ فإنّه رحمه‌الله صرّح بوجود الكتاب عنده في كتابه الخرائج والجرائح ونقل عنه في مواضع (٦) ، ومضافا إلى هذا توجد في كتاب الخرائج للراوندي بعض الأحاديث رواها عن الصدوق أو أرسلها عن أحد المعصومين عليهم‌السلام وتتناسب مع موضوع كتاب النبوّة للصدوق وليست في الكتب الموجودة له كما وتوجد جميعها في كتاب قصص الأنبياء الذي هو مأخوذ من كتاب النبوّة كما سنثبته ، وبما أنّ دأب الراوندي هو عدم ذكر مصدر الحديث فلعلّه أخذ هذه الأخبار من كتاب النبوّة وأدرجها في كتابه (٧).

__________________

(١) إقبال الأعمال ٣ : ١٦٢ [الطبعة القديمة : ٦٢٣] وفرج المهموم : ٢٨ و ٢٠٩.

(٢) الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم : ٢٩ ، أقول : روى الشامي في الدرّ النظيم عدّة أخبار حول جوانب حياة النبيّ مصرّحا فيها بروايته عن ابن بابويه ؛ ولعلّه أخذها من هذا الكتاب (لاحظ الدرّ النظيم : ٤٧ و ٨٤ و ٨٥ و ١٠١ و ١١٩ و ٢٢٠). كما يروي عن كتاب بعنوان «مولد النبي» ولعلّ هذا الكتاب نفس كتاب النبوّة بل جزء منه سمّاه بهذا العنوان ، وحريّ بالذكر أنّ عند الشامي كتاب مدينة العلم للشيخ الصدوق المفقود حاليّا ونقل عنه في الدرّ النظيم : ٤٠ و ٧٩٧.

(٣) الصراط المستقيم ٢ : ٢٥٦.

(٤) تأوّل الآيات ٢ : ٥٥٦.

(٥) دستور المنجّمين / يادداشتهاي محمّد قزويني ٨ / ١١٦ وحاشية ١ ، ومجلّة نشر دانش السنة ١٩ ، الرقم الثالث ، سنة ١٣٨١ ه‍ ، ص : ٣٤.

(٦) الخرائج والجرائح ٢ : ٥٥٢ و ٣ : ١١٦٧ ، وجاء المروي في الموضعين في كتاب قصص الأنبياء برقم ١٧٠.

(٧) انظر : الخرائج ١ : ٣٧ / ٤١ و ٤١ / ٤٨ و ٤٢ / ٤٩ و ٤٤ / ٥٤ و ٦٠ / ١٠٣ و ٦١ / ١٠٦ و ١٠٨ / ١٨٠ ـ

٣٦

الثالثة : الروايات المستخرجة من كتاب النبوّة في كتب الأصحاب بعضها ـ بنصّها وفصّها ـ موجود في كتاب القصص (١).

نكتة مهمّة :

أخرج الشيخ الصدوق رحمه‌الله ـ في عشرة من مواضع بعض كتبه ـ موضع استشهاده من بعض أخبار القصص الطويلة وأحال تمام الخبر أو التفصيل في الأقوال والأخبار إلى كتابه النبوّة (٢) ؛ هذا ؛ وقد صرّح في أربعة من هذه المواضع بأنّ تمام الخبر مذكور في كتاب النبوّة وأنّ هذه الرواية قطعة من الرواية المفصّلة ، وتوجد بعض هذه الأخبار ـ نصّا وتفصيلا ـ في كتاب القصص.

منها : ما أخرجه في كتاب الخصال مسندا عن عبد الله بن سليمان حيث قال فيه

__________________

ـ و ١١٥ / ١٩١ و ٢٢٣ / ٦٨ ، و ٢ : ٤٩٢ / ٦ إلى ٥١٣ / ٢٤ و ٥١٩ / ٢٨ و ٥٥٠ / ١٠ و ٥٥٢ / ١٢ و ٩٢٢ إلى ٩٦٥ و ٣ : ٩٨٠ و ١٠١٣ و ١٠٧٨ / ١٣ و ١١٧٤ / ٦٨.

(١) لاحظ هذه المصادر التي روت عن كتاب النبوّة ، ونصّ المروي موجود في كتاب القصص :

مجمع البيان ٥ : ٣٦٤ ـ قصص الأنبياء : ح ١٤٧ ، والمجمع ٥ : ٣٧٣ ـ القصص : ح ١٤٢ ، والمجمع ٥ : ٤٥٨ ـ القصص : ح ١٥٣ ، والمجمع ٥ : ٤٥٩ ـ القصص : ح ١٥٤ ، والمجمع ٧ : ١٠٧ ـ القصص : ح ٣٠٣. المجمع ٥ : ٤٥٩ ـ القصص ح ١٦٢.

وفرج المهموم : ٢٠٩ ـ قصص الأنبياء : ح ٣٢٤.

ومشكاة الأنوار ٢ : ١٧٥ ـ قصص الأنبياء : ح ٣٤٦.

وروي في مشكاة الأنوار ١ : ٥٠ حديث عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‌ السلام) .. وهذا الحديث موجود ـ بنصّه وسنده ـ في قصص الأنبياء : ح ٢٩٤ ، وفي المشكاة أيضا ١ : ١١٢ / ٢٠ روي حديث آخر عن جابر وموجود في القصص : ح ٣٤٥ .. وغيرهما ، ولعلّه رحمه‌الله أخذ هذه الأخبار من كتاب النبوّة ؛ فتدبّر.

وأمثال ذلك كثير مثل المرويّات المنقولة في كتاب الخرائج والجرائح المصرّح فيه بنقله من كتاب النبوّة والموجودة في كتاب القصص.

(٢) ستأتي نصوص الصدوق في التعريف بكتاب النبوّة.

٣٧

بعد نقل موضع الحاجة : «والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة ، وقد أخرجته تامّا في كتاب النبوّة» (١).

والموضع المشار إليه هو ما جاء في كتاب قصص الأنبياء بتفصيله مرسلا عن عبد الله بن سليمان (٢).

وتوجد مواضع أخر أحال الصدوق فيها إلى كتاب النبوّة ولم نجد ما رواه في كتاب القصص ؛ وذلك :

أوّلا : لعلّه من المواضع التي لم ينتخبها الراوندي.

ثانيا : هذه المواضع ترتبط بأحوال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتاريخه واحتجاجاته ، والقطب الراوندي رحمه‌الله لم ينتخب من هذا الباب إلّا القليل وأكثر النقل فيه من كتاب إعلام الورى للطبرسي كما مرّ.

ثالثا : قلّما ينقل القطب الراوندي روايات الاحتجاجات وإثبات نبوّتهم في كتاب القصص وهذه الأخبار المحال إليها في كتب الصدوق واردة في الاحتجاجات (٣).

__________________

(١) الخصال : ٥٩ ـ ٦٠ / ٨٠.

(٢) قصص الأنبياء : ٣٢٧ / ١٤٠.

(٣) انظر التوحيد : ٢٨٦ ـ ٢٨٨ / ٤ و ٣١٦ / ٣ ، روى الصدوق في كلا الموضعين قصّة قدوم الجاثليق المدينة ، وقد صرّح في آخر الحديث أنّه أخرج تمام الخبر في آخر أجزاء كتاب النبوّة.

والخصال : ٢٨٠ / ذيل الحديث ٢٥ ، فقد روى فيه خبر الخمسة المستهزئين بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأيضا صرّح فيه أنّه أخرج تمام الخبر في آخر الجزء الرابع من كتاب النبوّة وهو آخر أجزاء الكتاب على حسب تجزئة المؤلّف. وفي موضع آخر ص : ٤٩١ ـ ٤٩٢ / ٧٠ ، والحديث يرتبط بعدد نقباء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وعلل الشرائع ١ : ٤٣ ـ ٤٤ / ٣ ، والحديث فيه يرتبط بسبب تسمية إسرائيل إسرائيل الله.

وعيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٨٢ / ١ ، أحال فيه إلى أسانيد حديث حلية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن هند بن أبي هالة إلى كتاب النبوّة. وفي ص ٢ : ١٨٩ أحال فيه إلى كتاب النبوّة لتفصيل الأخبار والأقوال في ـ

٣٨

رابعا : في قلّة نقله من باب أحوال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.

بقي هنا شيئان :

الأوّل : هو أنّ القطب الراوندي لم يتخلّف في الرواية عن الشيخ الصدوق في جميع أبواب كتابه القصص إلّا في الباب الأخير ـ أعني الباب العشرين ـ وهو باب في أحوال نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وذكرنا فيما سلف أنّه أخذ أكثر هذا الباب من كتاب إعلام الورى لأستاذه الطبرسي رحمه‌الله ، ونقول في علّة هذا الانتخاب :

لعلّ الأخبار المرويّة في شأن أحوال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتاب النبوّة ليست بمستوعبة ولا تشتمل على جوانب متفرّقة من أوصافه وأحواله صلى‌الله‌عليه‌وآله التي أراد الراوندي أن يبيّنها ؛ ولهذا أخذ أخبار الباب العشرين من كتاب أستاذه ـ يعني : إعلام الورى ـ ويؤيّده ما جاء في فهرست تأليفات الشيخ أبي جعفر الصدوق ؛ التي رواها النجاشي (٤٥٠ ه‍) في فهرست مصنّفي الشيعة وذلك أنّه ذكر في ضمنها عنوانا يتلائم مع هذا القسم من كتاب النبوّة وهو كتاب أوصاف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، فلعلّ شيخنا الصدوق جمع رواياته التي تختصّ بهذا المضمون في هذا الكتاب ولم يذكر في كتابه النبوّة إلّا ما اشتمل على بعض قصصه وما لابدّ من ذكرها في كتابه كما لا يخفى على كلّ متدبّر ، ثمّ الظاهر أنّ هذا الكتاب لم يصل إلى علماء القرون التالية وبيد أمثال الراوندي وغيره.

الثاني : قد سمعت من بعض خبراء الفنّ ـ دام ظلّه ـ احتمال كون كتاب القصص

__________________

ـ مسألة الذبيح بين إسماعيل وإسحاق عليهما‌السلام.

ومن لا يحضره الفقيه ١ : ٢٧٢ ـ ٢٧٦ / ٨٤٥ ، والحديث يرتبط بالقبلة والسبب في تحويل القبلة إلى المسجد الحرام. وفي موضع آخر ٢ : ٢٣٠ / ٢٢٧٨ ، والحديث أيضا يرتبط بالذبيح.

(١) رجال النجاشي : ٣٩١ / ١٠٤٩.

٣٩

هو جميع كتاب النبوّة ، وأنّ هذا الكتاب المنسوب إلى القطب الراوندي والمصدّر جميع أبوابه بمشايخ القطب الراوندي إلى الشيخ الصدوق هي في الحقيقة نسخة وصلت إلينا من روايته لكتاب النبوّة.

أقول : نستبعد هذا الاحتمال لما مرّ عليك من تخريج بعض الأخبار التي أوردها علماؤنا من كتاب النبوّة ولم تكن عدّة منها في كتاب القصص الموجود بين أيدينا ، وهذا خير دليل على خلاف ما احتمل.

حصيلة التمهيد :

بما أنّ نسخة كتاب النبوّة للصدوق كانت تحت يد القطب الراوندي وأكثر الرواية عنه في كتابه الخرائج والجرائح ويروي في كتابه قصص الأنبياء روايات مسندة مرورا بالشيخ الصدوق في جميعها إلّا جزءا من بابه الأخير فينتج أنّ القطب الراوندي ـ في الواقع ـ انتخب وروى أخبار كتاب النبوّة وكتابه قصص الأنبياء يعدّ من النسخ الملخّصة لكتاب النبوّة لشيخنا وصدوق طائفتنا أبي جعفر القمّي ـ رحمة الله عليهما رحمة واسعة ـ مع إضافات في الفصل الأخير منه من كتاب إعلام الورى.

وبعد الفراغ من هذه المقدّمة وإثباتها يتحتّم علينا أن نداوم الكلام في ثلاثة مباحث :

الأوّل : الشيخ الصدوق في سطور وحال كتابه النبوّة.

الثاني : القطب الراوندي حياته وآثاره وحال كتابه القصص.

الثالث : نسخ الكتاب وكيفية عمل التحقيق.

٤٠

شاهد أيضاً

مقتل واحتراق 8 جنود “إسرائيليين” داخل آلية عسكرية في غزة

عين على العدو  15/06/2024 كشف موقع “حدشوت بزمان” الصهيوني، السبت 15 حزيران/يونيو، عن مقتل واحتراق ...