ثمّ يقول سبحانه «إِنَّهُ و بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ»، وهذا لا يعني الإحاطة العِلميّة الحضوريّة أو الحصوليّة، بل إنّ ما يعنيه هو الإحاطة الوجوديّة وإحاطة المَعيّة التي يتجلّي فيها أوّلاً عبر وجوده مع كلّ آية وأيّة علامه في الآفاق والانفس وإحاطته بها، ثمّ تعيُّن تلك الآية وتشخُّصها ثانياً وبالعَرض والمجاز.
الله أوّلاً ومن ثَمّ باقي الموجودات. هو السابق وما دونه مسبوق مغلوب. هو القائم وما دونه إنّما هو يتقوّم به. هو الظاهر وبه تظهر الاشياء وتتجلّي.
الله نور وما دونه فهو مُنوَّرٌ بنوره. ولو كانت الاشياء قادرة علی إظهار الله، لاستَبدلتْ مكانها بمكانه، ولاصبحت هي الإله، ولاصبح الله هو المخلوق، ولاصبحت الاشياء في سلسلة أعلی مراتب العلل، ولكان الله هو المعلول. لا يمكن للّه أن يتّكل علی غيره، لا في أصل الخِلقة ولا في الظهـور والآيتيّة. لـذا، فتعبيـر هو الحقّ يعني أ نّه هو الموجـود الاصـيل عبر جميع مراتب الوجود، من أصل الوجود ومن الظهور خلال مراتب الوجود.
وحيث علمنا أنّ الله سبحانه هو أصل النور ومبدأ الظهور وأصالة التحقُّق والوجود في الآفاق وفي الانفس، لذا وجب أن نعلم: كيف يتسنّي للإنسان معرفة هكذا ربّ؟! فلو أراد الوصول إليه عن طريق معرفة غيره، لم يصحّ ذلك، لانّ ما دون الله متعلِّق ظهوره بالله سبحانه، إذ الله هو المانح لظهوره فظهر كما يظهر، فكيف يكون بالإمكان إذن الوصول إلی الله، مع علمنا بأنّ الذي نروم معرفة الله عن طريقه إنّما هو ظاهر بظهور الله المُظهِر لذلك الشيء؟!
والآن، وبعد أن علمنا أنّ في هذا العالَم وهذه الدنيا كلّ تلك الكثرات، كيف يمكن لشيء ما أن يتوصّل إلی معرفة شيء آخر والعلم به؟! فمثلاً، كيف يعلم الخروف بوجود بقرة ها هنا، ويتوصّل الجَمَل إلی العلم بأنّ الحصان حيوان لا عداوة له معه؟ ويفهم الثعلب أنّ الاسد عدوّ لدود له، ويدرك الخروف أيضاً أنّ الذئب عدوّه وقاتله، وهكذا الحال مع جميع أصناف الحيوانات؟
إنّ الإنسان يعرف الكثير من الموجودات، فهو يعرف الشجرة والحيوان والافراد من أنواع جنسه، مع أنّ تلك الاشياء منفصلة عن الإنسان مختلفة عنه في كثير من النواحي، وهو أمر بديهيّ ومعروف، إلاّ أنّ الإنسان يعلم بها ويتعرّف عليها بهذه البساطة. فكيف تسنّي له ذلك؟
لقد توصّل الحكماء الافاضل إلی إنشاء قانون مفاده: