الرئيسية / من / طرائف الحكم / مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني

مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني

مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (عليه السلام) تأليف العالم العامل والزاهد المجاهد الحاج ميرزا محمد تقي الموسوي الأصفهاني أبو عبد الله قدس سره تحقيق العلامة السيد علي عاشور منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت – لبنان
(١)

وبسبب تعلقه الشديد وشوقه الذي لا يتوقف إلى رحاب مولانا صاحب الزمان (عج)، فقد تشرف برؤيته في المنام وأمره بإتمام هذا الكتاب وأن يسميه

ب‍ (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم ” عج “).

في وجوب معرفته (عليه السلام) الباب الأول في وجوب معرفته صلوات الله وسلامه عليه وأنه لا يتحقق الإيمان بدون معرفة إمام الزمان ويدل على ذلك العقل والنقل.

أما الأول: فلأن العلل المحوجة إلى وجود النبي (صلى الله عليه وآله) هي المحوجة إلى وجود الوصي (عليه السلام) بعد وفاة النبي، والجهة الموجبة للرجوع إلى النبي هي الموجبة للرجوع إلى الوصي بعينها، فيجب على الله تعالى نصبه وعلى الناس معرفته لتوقف اتباعه على معرفته (1).


١ – فإن قيل: فرق واضح بين المقامين، لأن العلة الموجبة لبعث النبي حاجة الناس في أمور معاشهم ومعادهم إلى قانون يعملون بمقتضاه في جميع الأمور، فإذا جاء النبي بما يحتاجون إليه وبين لهم القواعد والأحكام وعرفوها عملوا بها فيرتفع الحاجة، ويكفي في بيان تلك القواعد والأحكام وجود العلماء والكتب المعمولة لبيان ما يحتاج إليه الناس في أمر المعاش والمعاد.

قلنا: لا ريب في فساد هذا الإشكال من وجوه:
الأول: أن النبي إنما بين القواعد الكلية، والأحكام التي تعم بها البلية كما هو واضح لمن لاحظ الأحاديث النبوية ولم يرتفع الحاجة بهذا المقدار بالكلية، بل نرى كثيرا من المسائل قد اختفت أحكامها على الأوحدين من العلماء الكاملين فضلا عن غيرهم، فلا بد في كل زمان من وجود إمام معصوم يرجع إليه الناس فيما يحتاجون إليه، ولم يصل إليهم خبر عن النبي (صلى الله عليه وآله)،

نعم لا ريب في أن النبي (صلى الله عليه وآله) أودع جميع الأحكام والعلوم عند وصيه، الذي هو الإمام بعده، وكذا أودعه كل إمام عند وصيه، إلى أن انتهت النوبة إلى إمام زماننا عجل الله تعالى فرجه وظهوره، فهم يبينون الأحكام الإلهية التي أخذوها عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ريب أيضا في أن هذا المبين لأحكام النبي لو لم يكن معصوما لما حصل للناس الوثوق بقوله، فينتقض الغرض من البعثة.

الثاني: إنه لا ريب في وقوع الخلاف والتنازع بين الناس بمقتضى جبلتهم وأهويتهم، كما يشاهد بالوجدان ويرى بالعيان، فمقتضى اللطف الإلهي أن ينصب فيهم من يكون عالما بما هو الحق، الواقع في كل زمان ويكون هذا الشخص مرجعا لهم في مرافعاتهم وواقعاتهم، حتى يصل الحق إلى صاحبه، ويتسرى العدل الإلهي فيهم، وهذا الشخص هو الإمام الذي أمر الناس جميعا باتباعه، والرجوع إليه، والاعتماد عليه فيما يحتاجون إليه.

فإن قلت: إن الأئمة في زمن حضورهم لم يكونوا يحكمون إلا على طبق القواعد الظاهرية التي يحكم العلماء في زمن الغيبة بمقتضاها فكيف تدعي أن مقتضى اللطف نصب الإمام ليحكم بما هو الحق الواقعي في علمه المختص به.

قلت: إن المانع من الحكم بمقتضى علمهم الواقعي إنما كان من قبل الناس كما أن المانع من ظهور الإمام من قبلهم أيضا، فإذا كانوا هم السبب في ذلك فلا حجة لهم ولا نقض في قاعدة اللطف المحكمة المسلمة، ويدل على ذلك الروايات الكثيرة المصرحة بأنه لو ثنيت لهم الوسادة وأعطوا الرئاسة، وحصل لهم بسط اليد، حكموا بحكم آل داود والأحكام الواقعية التي أستودعها من الخالق المعبود.

منها ما في أصول الكافي: (2 / 397) عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد (عليه السلام) حكم بحكم داود وسليمان (عليهما السلام) لا يسأل بينة. وفيه في الصحيح عن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل مني يحكم بحكومة آل داود، ولا يسأل بينة، يعطي كل نفس حقها. وفيه بسند صحيح إلى عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بما تحكمون إذا حكمتم؟

قال: بحكم الله وحكم داود فإذا ورد علينا الشئ الذي ليس عندنا تلقانا به روح القدس.

وفيه بإسناده عن جعيد الهمداني عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: سألته بأي حكم تحكمون؟ قال حكم آل داود فإن أعيانا شئ تلقانا به روح القدس.

أقول: ويأتي في حروف الحاء المهملة من الباب الرابع ما يدل على المطلوب إن شاء الله.

الثالث: أنا لو فرضنا كون العلماء عالمين بجميع الأحكام فلا يكفي وجودهم عن الإمام، لأنهم ليسوا بمعصومين عن السهو والخطأ في كل مقام فلا بد في كل زمان من وجود شخص معصوم عن الخطأ والنسيان ليكون مرجعا للأنام، ويبين لهم حقائق الأحكام، وليس ذلك إلا الإمام.
فإن قيل: فما الفرق بين عدم الإمام ووجوده غائبا عن أبصار الأنام.

قلنا: أولا: لما كان المانع من ظهوره عليه السلام ناشئا عن قبل الأنام لم يكن ذلك منافيا للطف الخالق العلام ولم يكن دليلا على عدم الحاجة إلى وجود الإمام، بل يجب عليهم رفع موانع ظهوره لكي يستضيئوا بكمال نوره وينتفعوا بأنواع علومه.

وثانيا: أنا لا نسلم غيبته في جميع الأزمان عن أبصار جميع أهل الإيمان بل اتفق لكثير من الأعلام التشرف بلقائه عليه السلام وقصصهم مضبوطة في كتب علمائنا الكرام وذكرها خارج عن المقصود في هذا المقام وهي بسبب تواترها تفيد العلم القطعي بالمرام.

وثالثا: أن منافع وجوده المبارك غير منحصرة في إفادة العلوم بل جميع ما يصل إلى الخلائق من مبدأ الفيض، إنما هو ببركات وجوده، وسيأتي بعض ما يدل على المقصود في الباب الثالث إن شاء الله تعالى (لمؤلفه).

(١٣)

شاهد أيضاً

رسائل ومقالات – الشيخ جعفر السبحاني

تقسيم صفاته إلى ذاتي وفعلي: إن صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتي قائم بذاته، وفعلي يعد ...